الجمعة، 19 يوليو 2019

190- أنماط التواصل اللفظي

أنماط التواصل اللفظي
د. منى زيتون
أحد مقالات كتابي "مهارات التواصل"
منشور الجمعة 19 يوليو 2019

ذكرنا في مقال "نظرة على الوظيفة الاجتماعية للغة" وجود أنماط أساسية للتواصل اللفظي، وسنخصص هذا المقال للتفصيل في الحديث عن هذه الأنماط.

أنماط الاتصال اللفظي  Verbal Communication types
1-  التساؤل (الاستفهام) Questioning
2-  التفسير Explaining
3-  الإفصاح عن الذات  Self-disclosure
4-  المبادأة والإنهاء (الاستفتاح والختام) Opening and Closing
5-   التوكيدية Assertiveness      
6-  التدعيم Reinforcement
7-  الاستماع (الإصغاء) Listening

التساؤل (الاستفهام)
التساؤل هو مهارة المرسل في طرح الأسئلة على المستقبل لأجل استكشاف وجهة نظره في كافة الجوانب المتعلقة بموضوع الحوار. وتتضمن تلك المهارة الرئيسية مهارات فرعية.
ومن أهم دعائم تلك المهارة؛ طريقة التدرج في توجيه الأسئلة، واختيار نوعية الأسئلة، ومراعاة فنيات إلقاء الأسئلة. وينبغي مهما كانت طبيعة العلاقة أن يُلقى السؤال في جو من الود وألا يتحول التساؤل إلى استجواب.
بدايةً فإن موضوع السؤال يجب ألا يكون شخصيًا مع الغرباء، كما يجب أن يكون مفيدًا. وينبغي أن يتدرج توجيه الأسئلة منطقيًا من موضوع إلى آخر دون قفز، وأن ينتقل المرسل من الأسئلة الأكثر عمومية واتساعًا إلى الأسئلة الأكثر ضيقًا وتفصيلًا. وتكون الأسئلة المفتوحة أكثر تماشيًا مع الإجابات المتسعة المتطلبة في بداية الحوار، مثل: كيف ترى حياتك بوجه عام؟ ما يتيح للمستقبل الإجابة وفقًا لما يراه هامًا من وجهة نظره، ثم يبدأ المرسل استخدام الأسئلة المغلقة ذات الإجابات المقيدة. يمكن القول إن الأسئلة المفتوحة تمدنا بمعلومات أكثر عن مشاعر واتجاهات الشخص، بينما الأسئلة المغلقة تمدنا بمعلومات أكثر تحديدًا ودقة عن الجوانب التي نرغب في التعرف عليها.
وقد تُصاغ الأسئلة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما وتختلف أنواع الأسئلة وفقًا للغرض منها، فقد تُطرح بغرض طلب التوضيح أو التوسع في الحديث عن جانب ما أو طلبًا لإعطاء تفصيلات أو أمثلة أو أدلة. وأحيانًا قد تُصاغ الأسئلة بحيث توحي للمستقبل أن يجيب إجابة معينة!
وينبغي التقليل ما أمكن من أن يضع المرسل المستقبل في موقف دفاعي بأن يطلب من المستقبل تفسير موقفه باستخدام الأسئلة البادئة بـ "لماذا؟"، خاصة في الحوارات الشخصية. لا سيما في بداية الحوار.
ومن الضروري الاعتناء بأن تكون الأسئلة خالية من أي غموض أو التباس يجعل وجهة الحوار تتحول وقد توقفه تمامًا بسبب سوء الفهم، كما ينبغي ألا يتابع المرسل إلقاء عدد من الأسئلة بشكل متتالي دون سكوت بينها، لأن هذا لا يعطي للمستقبل فرصة كافية للرد على كل سؤال، ويشعره أنه يتم استجوابه. كذلك ينبغي التأكيد على عدم مقاطعة المستقبل ومساعدته على إطلاق العنان لأفكاره ومشاعره المتعلقة بالتساؤل المطروح.
ومن المهم للغاية في العلاقات الإنسانية، وللحفاظ على كونه حوارًا وليس استجوابًا أن يتبادل طرفا الحوار دوري المرسل والمستقبل، فيكون لكل منهما الدور في طرح الأسئلة، كما يجب عليه الإجابة على تساؤلات الطرف الآخر، وعدم التحرج إذا لم يعرف إجابة سؤال ما، بل يخبر من يسأله ببساطة أنه لا يعرف الجواب، أو أنه سيبحث ويوافيه بإجابة قريبًا.
والتساؤل كمهارة يمكن أن يفيد فائدة عظيمة في مساعدة المستقبل على استكشاف مشكلات التواصل والدور الذي يلعبه سلوكه دون وعي منه في ظهورها، فهو يستبصر بنفسه عن طريقه. ويمكن في المقابل أن يكون سببًا في إفساد العلاقات بين الأشخاص تمامًا.
وتتداخل سلوكيات الاتصال غير اللفظي مع الكلمات لتؤثر في فعالية التساؤل، واحتمال حدوث مشاكل تواصلية. على سبيل المثال فإن نبرة الصوت يمكن أن تحمل الدفء والتعاطف ويمكن أن توصل رسالة بالاتهام أو رسالة أخرى بالسخرية والتهكم، وكذا تحمل سرعة الكلام وتعبيرات الوجه والإيماءات والتواصل البصري وحركات الأيدي وغيرها من قنوات التواصل غير اللفظي رسائل كثيرة للمستقبل تتداخل مع معنى الاستفهام المطروح. وكلما اختلفت الثقافة التي ينتمي إليها المرسل والمستقبل كان احتمال إساءة الفهم والتفسير للرسالة أكبر، لكن استخدام التغذية المرتدة (الآراء الراجعة) تعمل على تصحيح وتلاشي أي خطأ.

التوضيح
عندما تفهم سلوكياتك يمكنك المشاركة في تفاعل اجتماعي أقوى والمساهمة في حل مشاكلك، ولن تفهمها إلا عندما تجري نقاشًا عميقًا عن أفكارك وانفعالاتك المرتبطة بها ليتحقق لك هذا الفهم الحقيقي والوعي بهذه السلوكيات.
هذا الفهم العميق من الفرد لسلوكياته أو القدرة على التوضيح لها، يتفاوت نصيب الناس منه، فكثيرون لا يتأتى لهم إلا بعد كثير من الملاحظة للنفس والنقاش الهادف حول سلوكياتهم. ولا بد أن يعمد من يناقشهم إلى استخدام التركيز، ليُحول انتباه شريك الحوار إلى النقاط التي تساعده على استيضاح وفهم سلوكياته وأفكاره.
وهذا النمط اللفظي من أكثر ما يستخدمه المعالح أثناء التحليل النفسي لمساعدة المريض على استكشاف أسباب مرضه، لكننا في الحياة الاجتماعية لا نصل إلى الحد الذي يصله التحليل النفسي، فلا نفترض عند مناقشة سلوكياتنا أن هناك عقدًا تتحكم في الفرد ينبغي حلها، ولا نطلب من الفرد أن يغوص في أعماق طفولته المبكرة ونجبره على تذكر خبرات سيئة نعتقد أنه يسقطها من ذاكرته.
عند استخدام التوضيح كنمط تواصل اجتماعي لفظي فنحن فقط نضع في الاعتبار أن هناك سلوكيات اجتماعية يقوم بها الفرد، ربما كانت خبراته عنها غير مكتملة، وعليه أن يكون أكثر وعيًا بها وفهمًا لها لأجل مساعدته أن يسلك بشكل أفضل، ويمكن مناقشة ماضي الفرد لأجل تحقيق هذا الهدف لأنه قد يكون حدث له في الماضي ما جعله يسلك على هذا النحو السيء.
لكن من المنظور الاجتماعي فالتركيز ينبغي أن ينصب على الحاضر والمستقبل؛ أي إننا نناقش سلوكيات الفرد في الحاضر، وإن كانت للسلوك جذور في الماضي نستوضحها، وهو ما يختلف عن التحليل النفسي الذي يركز بالأساس على التنقيب في الماضي.

التفسير
يرتبط التوضيح بالتفسير، والذي هو إعادة وصف السلوكيات الاجتماعية بطريقة مختلفة لأجل تحقيق فهم واستبصار أوضح لها، أو يمكن القول إنه ترجمة كلمات وانفعالات الفرد وصياغتها بطريقة أخرى تجعل الدوافع وراءها أكثر وضوحًا.
وإعادة الوصف لأجل الفهم والاستبصار هذه تتطلب درجة عالية من الانتباه والإصغاء ودقة الملاحظة والربط للسلوكيات الاجتماعية مهما دقّت كي يمكن الاستبصار بما وراءها.
وكي يكون تفسير السلوكيات فعّالًا اجتماعيًا ينبغي معرفة أنه من الأهمية بمكان أن يكون الفرد قادرًا على تفسير سلوكياته تفسيرًا صحيحًا بنفسه؛ لأن قدرة غيره على تفسيرها لا تعني شيئًا ما لم يصل هو بنفسه إلى هذه التفسيرات، ليكون ذلك مقدمة لتحسين سلوكياته.
وتختلف قدرة الفرد على تفسير السلوكيات الاجتماعية في ضوء معرفته بنظريات الشخصية المختلفة، لكن هذا لا يمنع أنه تبقى لأي شخص على درجة من الثقافة العامة قدرته التفسيرية؛ لأن للخبرات الاجتماعية أثرها الواضح في اكتساب مهارة التفسير؛ ففلان سلك هذا السلوك بدافع الغيرة وهذا سلك بدافع المحبة والحرص على إخوته، و....
ينبغي أيضًا التمييز بين التفسيرات الأولية لأي سلوك والتي قد تكون خاطئة وتفتقد إلى الفهم والاستبصار الجيد بأسباب ودوافع السلوك، وبين التفسيرات العميقة التي يصل إليها الفرد بعد تدقيق، وربما يرتبك ويتفاجأ في بداية إدراكه لها.
مع ذلك ينبغي أيضًا ملاحظة أنه مهما كانت درجة خبرة ومهارة الفرد الاجتماعية، تبقى تفسيراته للسلوكيات الاجتماعية –الخاصة به وبالآخرين- ظنِّية، ولا ينبغي التعامل معها على أنها حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش.

الإفصاح عن الذات
يُقصد بالإفصاح عن الذات ما يخبر به الفرد الآخرين عن نفسه عندما يتواصل معهم اجتماعيًا. هذه المعلومات التي يُعرِّف بها الفرد نفسه تنقسم حسب عموميتها؛ فهناك معلومات عامة متاحة للجميع ولا مشكلة لديه في أن يعرفها أحد مثل أنه متزوج، ومعلومات أخرى قد تكون متاحة لفئات خاصة ربما لا يرحب بأن يعرفها الجميع مثل العمر بالنسبة لأغلب النساء، ومعلومات شديدة الخصوصية يعرفها الفرد عن نفسه ولا يرغب أن يشاركه فيها أحد.
مع ملاحظة أن توزيع نوعية المعلومات على تلك المستويات الثلاثة يختلف من فرد لآخر، فما يعتبره شخص معلومات عامة لا يضيره معرفة الناس بها قد يراها آخر حصرية على فئات خاصة أو شديدة الخصوصية.
وهناك معلومات أخرى عن الفرد لا يفصح عنها لأنها غير معروفة له، وتقع في مستويين:
·        المستوى الأول، حين تكون المعلومات عن الفرد غير معروفة للفرد نفسه ومعروفة للآخرين، ولمعلومات هذا المستوى أهميتها العظمى في ميدان التواصل الاجتماعي؛ حيث يرى الناس صورة للفرد لا يراها لذاته، وربما يعرفون عنه ما يتناقض مع معرفته لنفسه، فقد يرى الفرد نفسه قائدًا بينما يراه الآخرون مسيطرًا! وقد يرى نفسه مراعيًا لحقوق الناس بينما يراه الآخرون عدوانيًا! وقد يرى نفسه حريصًا على التواصل مع الآخرين بينما يراه الآخرون عازفًا ومقصرًا عن التواصل معهم! وقد يرى نفسه معتزًا بكرامته ويراه الآخرون مغرورًا! وقطعًا يصعب أن يتفق الناس على نظرة واحدة للفرد الواحد فمن يرون شخصًا عدوانيًا ربما كان ذلك لوقوفه مع أصحاب الحق ومعاداتهم لأنهم الطرف الظالم في قضية ليس إلا. لكن، مع ذلك يبقى التعرف على منظور الآخرين حول الفرد وكيف يرونه هامًا، ويلفت نظر الفرد إلى مسببات كثيرة لسوء الفهم الذي يتصل بسلوكياته.
·        المستوى الثاني من المعلومات غير المعروفة عن الفرد تكون غير معروفة له عن نفسه، وكذلك غير معروفة للآخرين. هذه المعلومات التي تظهر مع الأيام ومع تغير الظروف، لنفاجأ وكأننا أمام بشر لم نعرفهم، ونحسبهم تغيروا، لكن بمراجعة صغائر السلوكيات في الماضي نكتشف أن أحدًا لم يتغير، وأن هناك جذورًا عميقة لسلوكياتهم الحاضرة جعلتها المستجدات تنمو وتتفرع، فبرزت بعد أن كانت خافية. فالشاب أو الشابة الذي يخشى الزواج سبق وأن ظهرت منهما سلوكيات أثناء المراهقة توضح وجود ذلك القلق المرضي، لكن لم يلاحظه لا الفرد ولا الآخرين.

ويُعتبر الإفصاح عن الذات أحد الأنماط اللفظية ذات الأهمية القصوى في التواصل الاجتماعي، فعندما يحكي فرد عن مشاعره وأفكاره وخبراته يشجع هذا المستقبل على التعبير، خاصة عندما يلمح تشابهًا بين ما أفصح عنه المرسل وبين مشاعره وأفكاره وخبراته هو، ما يُسهم في تقارب العلاقة بينهما أيًا كان نوعها.
ويعتبر الإفصاح الانتقائي ذو فاعلية كبرى؛ ويركز على نوعية الأفكار والمشاعر المطلوب تشجيع الآخر على البوح بها. ومهما كانت درجة التعبير اللفظي منخفضة لدى الشخص فإن إفصاح الآخرين أمامه عن ذواتهم يشجعه على الإفصاح عن أشياء ربما لم يكن يفكر في البوح بها مع أقرب الأقربين.
ويُعتبر هذا ملحوظًا في علاقاتنا الاجتماعية؛ إذ إن الإنسان التلقائي البسيط الذي يتحدث ببساطة عما يشعر به، ويحترم الخلاف، ويدعم الآخرين، ولا يحمل رغبة في الانتقاد والحكم على سلوكيات الناس، قد يُفصح الناس أمامه عن أفكار وخبرات ومشاعر ليس من السهل أن يبوحوا بها أمام غيره، حتى وإن كانوا يلقونه للمرة الأولى!
كما أن عبارات التدعيم التي يتلقاها الفرد عند إفصاحه عن ذاته، ربما تساعده على مزيد من الإفصاح. وهنا يرتبط نمطان من أنماط التواصل اللفظي: الإفصاح والتدعيم.
وينبغي الأخذ في الاعتبار أن عوامل مثل: نوعية العلاقات بين الأفراد ومناسبات الإفصاح عن الذات والطبقات الاجتماعية والثقافات المختلفة تتداخل ويتفاعل بعضها مع بعض، لتقرر ما إذا كان الفرد يمكن أن يُفصح عن نفسه، وإلى أي حد؛ فبعض الناس حذرون تمامًا فيما يخص مسافاتهم الشخصية، وليسوا على استعداد للإفصاح، ولأن يكونوا كتابًا مفتوحًا أمام الآخرين، بل هم أيضًا لا يرغبون في الاستماع كثيرًا إلى الآخرين. وهنا تلعب الفروق الفردية دورها، فحتى هؤلاء الحذرين اجتماعيًا، يوجد أشخاص يمكن أن يتشجعوا للإفصاح أمامهم.
كما قد تنشأ الإشكالية من نقص الحساسية الانفعالية لدى الفرد، فعندما يستمع إلى شخص يفصح عن خبرات مؤلمة لا يكون هذا دافعًا له ليفصح عن ذاته لدعمه وإشعاره أنه هو الآخر وآخرين مروا بخبرات مشابهة، بل يستشعر الضيق بهذه الخبرات التي تُروى له دون داعٍ، ولا علاقة له بها! ودائمًا أقول إن أصعب ما يخص أي شيء يتعلق بالإنسان هو صعوبة التنبؤ به.

المبادأة والإنهاء (الاستفتاح والختام)
تعتبر المبادرة اللفظية من أهم السلوكيات المرتبطة بمهارة التعبير اللفظي، وتعني قدرة الفرد على البدء بتعريف نفسه للآخرين. كما تتضمن المبادرة ما هو أكثر من المبادأة، فتشمل الاستمرار في الحوار، وصولًا بعد ذلك إلى إنهائه.
يؤثر هذا النمط اللفظي في التفاعلات الاجتماعية بأنواعها تأثيرًا كبيرًا، ويكون تأثيره أوقع فيما يخص العلاقات الشخصية.
ويرتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالمعايير الاجتماعية المقبولة، وما يُتعارف عليه بآداب الحوار. وترتبط المبادأة تحديدًا بالثقة في النفس التي تدفع بالفرد إلى عدم التردد في بدء الحوار.

التوكيدية
تعتبر التوكيدية أحد أهم الأنماط اللفظية المرتبطة بالتفاعلات الاجتماعية اللفظية.
يمكن القول إن التوكيدية هي نمط من السلوك اللفظي موجه نحو الذات، يجعل الفرد يعبر عن مشاعره وأفكاره وأهدافه الحقيقية بصراحة وبطريقة مناسبة، ويرى ذلك من حقه، ويحترم مع ذلك مشاعر وأفكار الآخرين وإن اختلفوا معه، كما ولا يسمح للآخرين باستغلاله، مهما كانت درجة قرابتهم منه، لكن دون الإساءة للآخرين. وحتى في المواقف التي يتم فيها الرفض، يكون هذا الرفض مصحوبًا بالاحترام والتفهم للآخر.
إنها موقف إيجابي عادل نحو نفسك ونحو الحياة، واحترام لنفسك وللآخر؛ فلا انسحاب ولا خوف، وكذلك لا سيطرة على الآخر ولا مهاجمة للآخر في المقابل.
وهناك مظاهر تقترن بضعف توكيد الذات، أهمها انخفاض الثقة بالنفس، وضعف تقدير الفرد لذاته، وارتفاع درجة القلق، وانخفاض التوافق النفسي والاجتماعي لدى الفرد، ومشاكل كبيرة في التواصل وعدم القدرة على إقامة تفاعل اجتماعي ناجح مع الآخرين.
ولا شك أن التدريب على توكيد الذات في المقابل يُعلي الثقة بالنفس، ويُحسن مفهوم الذات لدى الفرد، ويجعل مرجعية الفرد داخلية فليس بحاجة إلى محاولة إرضاء الآخرين على حساب نفسه.
ونظرًا لارتباط نجاح الفرد في الحياة بالتوكيدية، فيجب أن يُقيِّم الفرد مستوى توكيديته لذاته، وهناك استبيانات كثيرة متوفرة لذلك.
في حالات عديدة يتضح من خلال تقييم توكيدية الفرد أن نقص التوكيدية يرتبط ببعض المواقف أو يكون بإزاء بعض الأشخاص فقط من ذوي الأهمية كالأب والأم، الذين قد يصعب على الأبناء التعبير عن آراء وأفكار وأهداف تعارض آراءهم وأفكارهم وأهدافهم. وأحيانًا تحدث المشكلة أمام المدير في العمل. لذلك فإن تحديد المشكلة بدقة هو أول خطوة على الطريق.

التدعيم (التعزيز)
كما أن الفرد بحاجة أن يتعلم كيف يؤكد ذاته، فهو بحاجة أيضًا أن يتعلم كيف يدعم الآخرين. هذا الدعم يؤثر إيجابيًا على تفاعله الاجتماعي مع الآخرين، ومهما كان الفرد قويًا يستند إلى ذاته، فلا شك أن علاقته تتأثر إيجابيًا بمن يلمس منهم دعمًا له خاصة في الشدائد.
ويُعرف التدعيم أو التعزيز الخارجي بأنه عملية تزيد من احتمالية تكرار السلوك في المستقبل. غير أن آثاره النفسية الإيجابية على صاحب السلوك المعزز أكثر أهمية من زيادة احتمالية تكرار السلوك؛ حيث يتحسن مفهوم الذات لديه، وتزيد دافعيته؛ فالتدعيم يساعد الفرد على إدراك أن الآخرين يرون سلوكه على نحو إيجابي.
قد يكون التدعيم الذي يتلقاه الفرد من مدعّميه إيجابيًا بتقديم مكافأة أو إشادة بالسلوك الجيد، وقد يكون سلبيًا باستبعاد جزاء تم توقيعه نتيجة إهمال سابق واعتباره كأن لم يكن. وفي الحالين يُقدَم دعم للسلوكيات الجيدة التي يظهرها الفرد.
وما يعنينا هنا تحديدًا هو تدعيم الآخرين لفظيًا، بوصفه أحد أنماط التواصل اللفظي، وليس أي من وسائل التدعيم غير اللفظية. ولكن لا يخفى أن من الناس من يظهرون تقديم الدعم الاجتماعي للآخرين لفظيًا بينما سلوكياتهم التواصلية غير اللفظية تحمل رسالة أخرى تبدو من خلال نبرة الصوت وسرعته وتعبيرات الوجه وغيرها.
وهناك عوامل لها اتصالها الوثيق بالتدعيم منها مقداره، وتوقيته، فكلما زاد مقدار التدعيم زادت قيمته، وكلما زادت فترة الإرجاء قلت قيمته؛ فلا يُعقل أن تُبارك لأحد نجاحه بعد شهور وتتصور أنك تدعمه!
من المهم جدًا أن نتفهم أيضًا أن التدعيم المستمر الذي يُستخدم لأي سلوك يفقد قيمته وتأثيره، ويشبه أن يكون شكلًا من أشكال النفاق الاجتماعي. والتدعيم المشروط يكون للسلوك الجيد فقط. كما أنه لا يلزم أن يتم تدعيم كل سلوك جيد يصدر عن الفرد، بل الأفضل أن تظهر دعمك للآخرين بشكل متقطع.
وقد يُساء استخدام التدعيم إلى الحد الذي يُعيق تنمية الدافعية الداخلية لدى الفرد، فيُصبح الفرد أسيرًا لانطباعات الآخرين وآرائهم عنه.

الاستماع (الإصغاء)
لا يُعتبر الاستماع نمطًا من أنماط التواصل اللفظي فقط، بل هو أحد المهارات الأربع الرئيسية للتواصل إذا نظرنا إليه كعملية مهاراتها الرئيسية هي (التحدث- الكتابة- القراءة- الاستماع).
والتحدث والكتابة هما الوسيلتان الأهم لأي شخص للتعبير لفظيًا عن نفسه، بينما القراءة والاستماع هما وسيلتاه الأساسيتان للإحساس بالآخر وفهمه. لن تفهم شخصًا لمجرد أنك تعبر له عن نفسك، بل لا بد أن تستمع إليه بغرض فهمه، ولا تتعجل في الرد أثناء الاستماع، ولا تبحث عما تنقده به من سقطات كلامه. الاستماع هو وسيلة لفهم الآخر لتعزيز العلاقة وليس للانتصار للنفس. هذه بدهية يغفل عنها كثير من الناس وتتسبب في الكثير من المشاكل.
ويعتبر الاستماع نمطًا سلبيًا للتواصل اللفظي، رغم أنه في ذاته عملية نشطة تتطلب بذل الجهد؛ فالتفاعل الاجتماعي الناجح لا يكفي فيه أن يكون الإنسان متحدثًا فقط، بل جزء أساسي منه أن يعرف الفرد كيف يستمع للآخرين ويُنصت إليهم، فهذا جزء أساسي من أي حوار فعّال ثنائي الاتجاه.
يختلف الاستماع عن عملية السمع؛ فالسمع كعملية فسيولوجية ترتبط بسلامة الأذنين وسلامة مركز السمع في المخ، لكن الاستماع عملية معقدة تتطلب إظهار الاهتمام لما يقوله الطرف الآخر، فهو يرتبط بعدد من العمليات العقلية كالانتباه والإدراك لمحتوى الرسائل اللفظية والتفكير فيه وتذكره، إضافة للسمع كعملية فسيولوجية.
يساعد الإصغاء على بناء تواصل اجتماعي فعّال، لأنه يشعر المتحدث بالتقبل والأمان، وأن أفكاره ومشاعره تصل للآخر بطريقة سليمة.
ويتضمن الاستماع الفعال –كنمط للتواصل اللفظي- إرسال رسائل غير لفظية لأجل إشعار المرسل بفهم الرسالة. وغالبًا فإن الصمت أثناء الإصغاء مع إعطاء تعبيرات وجهية مناسبة واستدامة خط النظر يعطي انطباعًا أفضل بكثير من إصدار أصوات من نوعية "إمممم" و "آآآآآآ"، لكن في أحوال أخرى كالتواصل اللفظي عبر الهاتف حيث تُفتقد تعبيرات الوجه والاتصال البصري تكون لتلك الأصوات قيمتها.
كما أن المستمع الجيد يلجأ إلى طرق تساعده في إشعار محاوره بانتباهه لما كان يقول بعد انتهاء المتحدث من كلامه، قد تكون تلك الطرق أيضًا لفظية أو غير لفظية. ومن الطرق اللفظية إعادة صياغة المحتوى اللفظي لحديث المحاور، أو تلخيص محتوى حديثه بعد انتهائه من بعض الجزئيات؛ فمما يساعد في إعطاء التأثير بالإصغاء إعادة صياغة المحتوى اللفظي للطرف الأول بكلمات شريك الحوار؛ فإعادتها عليه بعبارات أخرى بعد انتهائه من حديثه تُعرِّفه أن ما يعنيه قد وصل الطرف الثاني بالفعل، كما تسمح بتصويب أي فهم خاطئ للرسالة اللفظية يكون قد وصل الطرف الثاني. ويختلف ذلك عن التكرار الحرفي لما قاله المرسل، والذي لا يعطي انطباعًا كافيًا للمرسل بأن ما قاله قد فُهِم.
ولكارل روجرز رؤية إيجابية حول التكرار اللفظي –وليس التكرار الحرفي للعبارات-، فهو يراه أكثر فاعلية في بناء العلاقات؛ فأغلب الناس لديهم ألفاظهم التي يكونون أكثر راحة عند استخدامها، وهم يحبون من يستخدم ألفاظهم خاصة حين يتحدث عنهم. يمكنني أن أضرب مثالًا؛ فأنا كمسلمة أكون أكثر ارتياحًا لوصف ديانتي بالإسلام وليس بالمحمدية، والذي صار الوصف الذي يُطلق على المسلمين في بعض الدول الغربية، وأعتقد أن المسيحي سيشعر براحة أكثر في التعامل مع من يسميه مسيحيًا والنقيض مع من يسميه نُصرانيًا، رغم أن لفظ نُصراني في حد ذاته ليس مسبة. أعرف صديقة قديمة كان سبب خلافها الأول مع زوجها، والذي توسع إلى حد الانفصال بينهما أنه كان دائم المزح معها أمام الناس وتعريفهم عليها بأنها "أم العيال"، بينما هي أستاذة جامعية! ومن الهدي النبوي أن تنادي أخاك بأحب أسمائه إليه.
وعودة إلى صياغة المحتوى اللفظي، حيث يمكن القول إن إعادة صياغة المحتوى اللفظي بعد انتهاء المرسل من إرسال الرسالة هو الجانب الإيجابي للإصغاء، والتأثير الناشئ عن تلك العملية أقوى من كل قنوات التواصل غير اللفظي كالإيماءات وتعبيرات الوجه وإدامة الاتصال البصري أثناء الحوار والتي قد تُستخدم لإعلام المتحدث بأن شريكه يتواصل معه ويهتم لما يقول.
وقد تؤثر الظروف المحيطة بالموقف على الاستماع فتعيقه، كما قد تؤثر عوامل أخرى تتعلق بسمات شخصية الفرد أو صفاته العقلية. على سبيل المثال: يتأثر الاستماع سلبًا بالضوضاء المحيطة، كما تكون سمات مثل نقص النشاط العقلي وضعف الانتباه أو سرعة الملل وقلة الصبر من أسباب ضعف الاستماع. وأحيانًا لا يكون ضعف القدرة على الاستماع راجعًا لأي من الأسباب السابقة بل يكون عارضًا بسبب الإرهاق.
ولا يرتبط الاستماع الجيد بعمليات التفكير وحسب، بل يرتبط بفهم وتحليل الكلام، ومساعدة المرسل على توضيح أي غوامض في رسائله لا تصل للآخرين بشكل سليم، وتكوين حكم على تلك الرسائل، ومحاولة كشف أي تناقضات أمام الفرد بين الواقع كما نلاحظه وبين ما يعتقده هو عن نفسه، فمن أهم فوائد الإصغاء مساعدة المتكلم على فهم نفسه ومشاكله والتعبير عن مشاعره بشكل عميق، وربما مساندته من غير تخطئة ووعظ، وأسوأ ما ينتج عن الاستماع السيء هو التسرع في الحكم على آراء الشخص بسبب اجتزاء حديثه وعدم الاستماع إليه كاملًا.
وتوجد فروق كبيرة بين الجنسين، وكذلك فروق ثقافية، في الاستماع كنمط من أنماط التواصل اللفظي، وكثيرًا ما يتولد سوء فهم بسبب تفسير قنوات التواصل غير اللفظي المصاحبة له. وسنتوسع في شرح تلك الفروق في الفصل الخاص بعلاقة الثقافة بمهارات التواصل، وفي فصول الباب الثاني الخاص بالفروق بين الجنسين في التواصل الاجتماعي.
بالرغم من تلك الفروق فيكاد يكون مجمعًا عليه أن المستمع الجيد لا بد أن يحاول المحافظة على قدر من الاتصال البصري مع من يحاوره، وألا يتجنب مواجهة خط النظر تمامًا كما يفعل المستمعون السيئون، وعليه أن يجلس جلسة مناسبة يأخذ فيها وضعًا منفتحًا مع الميل قليلًا تجاه محدثه، وأن يتجنب الحركات غير الضرورية التي تدل على قلة الانتباه والتملل من كلام المتحدث. وعليه أيضًا أن يومئ بحركات توحي بالمتابعة والإصغاء، مع تجنب إعطاء انطباع بالموافقة. ينبغي كذلك عدم مقاطعة المتحدث، مع الحرص على تبادل الأدوار بينهما.

الخميس، 18 يوليو 2019

189- استشارات أسرية


استشارات أسرية
د. منى زيتون

25 أكتوبر 2018 و12 فبراير 2019
منشور الخميس 18 يوليو 2019

كثيرون ممن يقرأون مقالاتي يتصورون أنني مناصرة على الدوام لفكرة التمسك بالعلاقات الإنسانية، حتى وإن كانت علاقات سامة، لكن الحقيقة بخلاف ذلك، فالعلاقات الإنسانية شأنها شأن أي شيء في هذه الحياة، ومنها ما يكون فاسدًا، ويكون القرار الصائب هو التخلص منها نهائيًا. ودومًا أقول إن القرار الصائب أخلاقيًا وإنسانيًا يبقى صائبًا، مهما كانت عواقبه أو خسائره. وهذه أمثلة على علاقات كان من رأيي أن عدم الإبقاء عليها هو القرار الصائب.

استشارة (1)
صديقة انفصلت عن زوجها زائغ العينين –حقًا وليس شكًا- منذ شهور، بعد أن تكرر خطؤه في حقها مرارًا، وعلمت قريبًا أن أخت طليقها تحاول التقريب بينه وبين إحدى صديقاتها ليتزوجها، وأنه تجاوب مع تلك المحاولات، التي يفهم الغرض منها جيدًا.
ولكن، نظرًا لعدم وجود وجه للمقارنة بين صديقتي وتلك الأخرى، فقد بدأ التملص من الأخرى، التي لا تترك طريقًا للتقرب إليه إلا وتسلكها.
هو الآن يحاول إصلاح الأمور وإعادة المياه إلى مجاريها مع صديقتي.
تسألني هي، ماذا عليها أن تفعل؟
أجبتها بأن التصرف الملائم وفقًا لمجتمعنا أن تدّعي أنكِ تصدقين أن حاله قد انصلح، وتتغاضي أيضًا عما حدث من تلاعب فترة انفصالكما، وكأنكِ لم تعلمي، وتعودي إليه، أما أنا فلو كنت مكانك فلن أفعلها.
بعض الناس هوائيو الطبع، بمجرد أن يصبح شريك حياتهم في منالهم، وبعد أن تخطوا الكثير من العقبات والصعوبات ليكونوا معه، يكثر المحيطون بهم، وتظهر أمامهم فرص أخرى، فينسون أن لهم شريكًا! وطليقك لم يتعلم التركيز على الشريك المثالي، وعدم التشتت عنه، لمجرد أن حوله أُخريات!
وبعض النساء –مثلك- تعطي الكثير مع الرجل المتلاعب كثير العلاقات، لتصبح كأنها مصدر عطائه وارتوائه العاطفي الذي يهبه للأخريات! والانتظار والصبر كثيرًا لا يفيد مع هؤلاء الرجال، فهو يظن أن بإمكانه أن يفعل ما يريد بينما أنتِ تنتظرينه!
مثل هذا الرجل اللعوب لا يقدم استقرارًا حقيقيًا للمرأة مهما طال صبرها عليه، ويبقى يتصرف كالمراهقين، وإذا لم يكف عن التردد بينك وبين أُخريات، ولم يتعلم أن يسلك كالرجال الحقيقيين، عليكِ أن تكتسبي قوة التخلي. إنه الوقت اللازم لفسخ العلاقات التي لا تتفق مع توقعاتك عن السعادة. ارفضي التعامل مع الكذب والخداع. البعض يتلون حتى يفقد القدرة على إظهار حقيقته، فلا تتركي أحدًا يعمي بصيرتك، وتصرفي بشجاعة وثقة.
وتذكري أن الإنسان الطبيعي لا يسعى لتمرير حياته بمشاكل وضغوط،  ولا مناكدة من حوله وخسارة أحبته، لكن الحياة كثيرًا ما تفرض علينا اتخاذ مواقف لا بديل عنها.

استشارة (2)
-خطيبي السابق لم يخبرني أنه يحبني، ولو حتى مرة واحدة خلال تسعة أشهر!
-كان يفضل التواصل غير المباشر معي من خلال وسطاء لإخباري بأي شيء هام، وكلما رفضت انحشار أحد في علاقتنا، وقطعت علاقتي بالمُنحشر، فوجئت به يحاول توسيط شخص آخر!
-نساء عائلته عقارب وحيات، يدسسن أنوفهن في علاقتنا من تلقاء أنفسهن وليس فقط بطلب منه! ويعمدن إلى تخريبها.
-كثيرًا ما أشعر أنه كمالي أكثر من اللازم، وليس مقتنعًا بي تمامًا أو بالأحرى يريد تغييري! كما أتشكك أحيانًا أنه يقارنني بغيري!
-لا يتعامل معي على أني شريكة حياته؛ فيتخذ القرارات المتعلقة بنا وحده، ولا يطلعني عليها في حينها، بل يبقى صامتًا لا يصدر عنه أي استجابة، معتقدًا أن إخباري بما حدث ويحدث بعد انتهاء الأمر كافيًا.
-أخطأ في حقي خطأ واضحًا، ولم يعتذر.
-لم أشعر بالسعادة معه مطلقًا.
ومع ذلك فأنا أحبه، وأعلم أنه يحبني، وهو يريد إعادة المياه إلى مجاريها متجاهلًا ضرورة أن يعتذر عن خطئه السابق. فهل أوافق؟ وهل هناك أمل أن يتحسن ويتغير؟
رددت قائلة: يقول دوستويفسكي: "لم يعد العمر يتسع لمزيد من الأشخاص الخطأ". أعتقد أن دوستويفسكي يقصد الأشخاص الجُدد في حياتنا، أي الذين لا زالوا على حافة حياتنا؛ بمعنى أنه لم يعد يسمح لمن يظهر من تعامله الأولي معه أنه قد يستنزفه نفسيًا وذهنيًا بالاقتراب من حياته، وأن يصير جزءًا أساسيًا منها. ويكفينا ما قد نعانيه مع الأشخاص المهمين الذين يصعب علينا إخراجهم من حياتنا.
لو أحسنا الظن وتصورنا أن بعضًا مما ذكرتي عن خطيبك، كان بسبب الخجل، وهو ما يُنتظر زوال أثره بعد الزواج، فسماحه للحيات والعقارب من أقربائه بالانحشار في حياتك، وعدم إيقافهن عند حدهن، وتكبره عن الاعتذار لكِ عن خطئه الواضح في حقك، وغيره مما ذكرتي، يجعل إخراجه الفوري من حياتك هو التصرف المناسب. أعتقد أن من تعود لرجل كهذا حمقاء.

الثلاثاء، 16 يوليو 2019

188- الخاسرون!


الخاسرون!
د. منى زيتون
مارس 2019 
الأربعاء 17 يوليو 2019

في بعض الأحيان لا تكمن المشكلة الاجتماعية للشخص في أنه لا يعرف كيف يسلك بالشكل الاجتماعي الملائم، ولكن مشكلته أنه يسلك على نحو غير لائق وغير توافقي من وجهة نظر المجتمع، يراه هو لائقًا!
وبعيدًا عن الدخول في متاهات المسايرة والمغايرة الاجتماعية، وأن الصواب قد يكون في أحايين ما يراه المجتمع خطأ، فأنا هنا لست معنية بالحديث عن أمثال هذه الحالات، بل أعني الأنماط السلوكية غير التوافقية المتعددة، التي ترتبط بنقص مهارات التواصل، والتي يقضي المنطق –وليس العُرف فقط- بأنها خاطئة.
وإذا ما خصصنا المهارات الانفعالية بالحديث، فإنه يمكن تقرير أن النضج الانفعالي لا علاقة بينه وبين العمر؛ بمعنى أدق هو يزيد بزيادة عمر الإنسان، لكن الدرجة التي يصل إليها كل إنسان تختلف بوضوح عن الآخر. وقد درست حالات كثيرة لأشخاص متقدمين في العمر، لا يسلكون بما يتناسب مع أعمارهم، مما يعكس درجة منخفضة من النضج الانفعالي، ودومًا تتضرر علاقاتهم بالأشخاص المهمين في حياتهم بسبب بعض المفاهيم الخاطئة، التي تنطبع في عقلهم الباطن، وتتحكم في سلوكياتهم.
وقد نرى شخصًا ناجحًا على الصعيد المهني، لكنه غير ناضج انفعاليًا بالقدر الكاف، يتعامل مع المقربين منه كملك يتمنن عليهم، ولا يقوم بالأدوار الاجتماعية نحوهم على النحو اللائق، فإما أنه لا يرى لزامًا عليه أن يسلك أو يتأخر قبل أن يصدر عنه السلوك، وهي رسالة كلاسيكية قديمة بدنو القيمة يرسلها نحو الآخرين!
بعض هؤلاء من غير الناضجين انفعاليًا قد يرون المواقف الاجتماعية مع المقربين كمواقف تنافس مع الطرف الآخر، وهدفهم من التواصل الاجتماعي تحقيق النصر فيها! وفي العلاقات الشخصية مع الأشخاص المفترض أن يكونوا شركاء الحياة في المستقبل لا يسلكون بحيث يكون الموقف تنافسيًا وحسب، بل كثيرًا ما يتحول على أيديهم إلى ما يشبه اللعبة ذات الأشواط! من ثم، فالتعامل معهم عن قرب ليس خيارًا سلميًا على الإطلاق؛ إنه أشبه بإعلان حالة الحرب، الذي تتخلله هدنات قصيرة، يتم خرقها سريعًا من جانبهم! سواء كان ذلك بسلوك مباشر منهم، أو بسلوك غير مباشر، يشعل الموقف؛ حيث يجبر الطرف الآخر على رد فعل لا بديل له، وهو قرار قطع العلاقة معهم. وكما قال من قبلنا: من لم يحسب العواقب، فالدهر له مُعاقب، وكلٌ يجني صنع يديه. ولم يفقد أحد نعمة إلا بسوء عمله.
ولأن هؤلاء لا يفهمون أن الهدف من التواصل الاجتماعي هو تحقيق التأثير الاجتماعي وبناء العلاقات الاجتماعية الناجحة مع الآخرين، والذي لا تسهم سلوكياتهم في تحقيقه مع كثيرين من المقربين ذوي الأهمية، فمن ثم هم لا يدركون أنهم خاسرون وليسوا فائزين، كما يتوهمون! ودومًا أقول: الخاسرون فقط من لا يقدرون حالة الموقف المُربح للجانبين، بدلًا من ذلك يخسرون بينما يظنون أنهم الفائزون!
ومن ملاحظاتي حول العلاقات الشخصية تحديدًا، وجدت أن حالات المشاجرات أو الانفصال بين خطيبين أو زوجين أو مرتبطين، الناشئة عن أسباب تافهة، لا تتزايد إلا عندما يكون بينهما توافق غير عادي في الشخصية كأنهما توأمان! وعندما يكون أحدهما أو كليهما غير ناضج انفعاليًا بالدرجة الكافية تتفاقم المشاكل وتنفصم العلاقة؛ فغالبًا نكون أمام درجة منخفضة من التعبير الانفعالي عن المشاعر الإيجابية، مع درجة منخفضة أيضًا من الحساسية الانفعالية، أما الضبط الانفعالي للغضب والضيق وغيرهما من الانفعالات السلبية فتتفاوت درجته، ولكن حتى وإن كان الضبط مرتفعًا، ولا يتم التعبير عن تلك الانفعالات؛ فالنار كامنة تحت الرماد.
ربما أسهمت زيادة التوقعات في المشكلة. نحن لا نهتم ولا نتوقع شيئًا ممن لا يعنون لنا، والعكس تمامًا مع من يعنون لنا الكثير؛ فعدم فتح رسالة أو عدم الرد على اتصال يمكن أن يقيم القيامة في علاقة التوائم الروحيين، وعلى العكس تكون اللامبالاة سائدة في علاقات غيرهم، ممن لا توجد لديهم مثل تلك العلاقة الروحية مع شركاء حياتهم. والعلاقة بين التوائم الروحيين بقدر ما تحقق السعادة بقدر ما تكون أكثر صعوبة من غيرها؛ لأن كلا الطرفين يتأثر بشكل يفوق الحد بأي فعل أو رد فعل من جهة الآخر. والنتيجة أن هؤلاء يخسرون علاقاتهم الشخصية التي يسيطر عليها الحب الحقيقي أكثر من غيرهم.

187- من أسباب الفشل!


من أسباب الفشل!
د. منى زيتون
الخميس 25 أبريل 2019
الثلاثاء 16 يوليو 2019

من أهم الأسئلة التي تواجه البشر في حيواتهم هو تساؤلهم عن الأسباب التي تؤدي بهم إلى الفشل. لماذا نفشل؟ سؤال تتنوع المجالات التي يُطلق فيها، كما يتنوع من يتساءلونه؛ فقد يصدر عن طفل صغير كل ما يهمه هو نجاحه في الدراسة وفي اكتساب المهارات التي يحبها، وقد يصدر عن شاب أو شخص ناضج مهتم بتطوير حياته المهنية أو حياته الشخصية. وغالبًا لا نهتم بالبحث في هذا السؤال إلا بعد أن يقع المحظور ويصيبنا الفشل! بينما كان يمكن لنا أن نتقيه إن درسنا أسبابه وتعرفنا إليها قبل أن يقع.
ولنتعرف على بعض أهم مسببات الفشل، ينبغي أولًا أن نميز بين السلوكيات الظاهرة التي ترتبط بالفشل، والانفعالات الداخلية التي تكون مصاحبة لتلك السلوكيات. على سبيل المثال فإن تكرار الأخطاء هو سلوك ظاهر يقترن دومًا بالفشل؛ فالفاشل مهما تكررت مواقف مشابهة للموقف الأول الذي فشل فيه يظل يكرر سلوكياته التي أوصلته لتلك النتيجة، ويرفض أي تغيير، وكأنه يرفض الاعتراف أنه على خطأ! بينما الناجح يدرك أنه عندما يفشل في الوصول إلى هدفه من خلال طريق ما، عليه أن يكون مرنًا، ويسلك طريقًا آخر. على الجانب الآخر فإن التكبر، والذي هو شكل متضخم من الثقة في النفس، هو حالة انفعالية ترتبط بسلوك بعض الأفراد الفاشلين، ولن نتعرف عليه ما لم ينعكس في سلوكيات الواحد منهم.
وأرى أنه من الصحيح أن نقول إن لكل من النجاح والفشل تعلق زمني، ما بين الماضي والحاضر والمستقبل. ولو دققنا سنرى أن الفشل في كثير من الأحيان هو شكل من أشكال التعلق بالماضي، بسلوكياته وانفعالاته! وقد يكون على النقيض شكلًا من أشكال التعلق بأحلام المستقبل مع عدم القدرة على تحقيقها، بينما النجاح يرتهن بتقوية الصلة بالواقع والتركيز على فهم ما بين أيدينا، وما نطمح إليه في ضوئه.
وبينما يعتمد النجاح على التحديد الدقيق للمعطيات وكذا النتائج المستهدفة، وإعادة تقييمهما من وقت لآخر، يمكن أن نقول إن من أسباب الفشل عدم فهم المعطيات الحقيقية، وإساءة تحديد الهدف المستقبلي. ولكن، ماذا لو كانت المعطيات مناسبة في بداية الموقف، ثم تغيرت، أليس هذا دافعًا للشخص الناجح لإعادة التقييم ومن ثم تغيير السلوك؟
سألني أحد الأصدقاء يومًا: متى يكون التوقف عن مطاردة أحلامنا علامة نضج، ومتى تكون دلالة سفاهة؟ ما الحد الفاصل بين الاستسلام الواعي ومطاردة السراب؟
قلت: في الأمور التي تتعلق بالفرد وحده، على الشخص إن أراد النجاح ألا ينتظر مساعدة من أحد، وأن يعتمد على نفسه قدر الإمكان، كما أنه من الحكمة ألا نهدر وقتنا وجهدنا في موقف، لا يبدو أنه سيتحسن. وتوقف الإنسان عن محاولة تحقيق هدف لأنه أعاد تقييم الهدف واكتشف أنه ليس بذي قيمة، أو لأن المعطيات الجديدة عند إعادة تقييم الموقف أرته أن الهدف لم يعد ذا جدوى أو لم يعد بالإمكان تحقيقه، ليس استسلامًا، وهو عين العقل، بل إنه لو استمر في محاولة تحقيق ذلك الهدف والحال كذلك سيكون فاشلًا بحق، كونه يصر على مطاردة السراب!
لكن في بعض الأحيان، لو كان الهدف يستحق الملاحقة، ربما عليه أن يعيد المحاولة لكن مع إجراء تعديلات، أي أن التقييم يشمل أيضًا السلوكيات نحو تحقيقه؛ والعاقل لا يستمر يكرر الأساليب نفسها التي قادته مرارًا إلى الفشل. العاقل لا يرفض التغيير الإيجابي؛ لذلك فإن المرونة وإعادة تقييم المعطيات والأهداف والوسائل كل فترة حتى بعد البدء في التنفيذ من عوامل النجاح.
لا تتوقف عن مساعيك لبلوغ الهدف لمجرد أنك فشلت مرة أو مرات، طالما أن الهدف يستحق السعي إليه، والفاشل هو من يتسرع ويحبط سريعًا؛ فمن أنواع الفشل؛ أن تقرر التخلي عن هدف حقيقي في حياتك، لأنك لا تملك القوة النفسية لأجل السعي لتحقيقه. لا تظن أن الانسحاب ليس خسارة! بالرغم من ذلك فإنه عندما يكون الهدف يستحق إعادة المحاولة ودأب السعي مع كونه صعب المنال، يكون من الحكمة أن نسعى في تحقيق أهداف أخرى موازية في حياتنا، مع عدم توقفنا عن محاولة تحقيق ذاك الهدف الصعب الكبير، كي لا نشعر أننا نهدر وقتنا وجهدنا دون عائد. كمثال على ذلك فإن أغلب طلاب الدراسات العليا يبدأون حياتهم المهنية والشخصية ويسعون لتحقيق أحلامهم فيها، مع استمرار مساعيهم نحو نيل الدرجة العلمية التي يأملونها، مع إدراكهم أن هذه الخطوات الموازية ستعطلهم وتؤخر حلمهم الكبير، ولكن الإنسان بحاجة لنجاحات صغيرة تشعره بأن شيئًا ذا قيمة يدخل إلى حياته.
يتغير الحال في بعض المواقف التي لا تتوقف على الفرد وحده، وإنما يستلزم تحقيق الهدف فيها تآزر جهد آخر أو آخرين، عندها يكون الاستسلام ضرورة عندما يكون التعاون مفقودًا. إن منتهى الإيجابية أن تستمر في البناء من جهتك، بينما الطرف الآخر من الجهة الأخرى يواصل الهدم أو لا يفعل شيئًا! لكن لا يمكن الاستمرار على هذا الحال! فعندما تكون متأكدًا أنك فعلت ما عليك، والطرف الآخر أو الأطراف الأخرى تصر على عدم القيام بما يلزمها من أدوار لإنجاح الموقف، فإما أن تتولى الأمر برُمته -وبعض المواقف لا يصلح فيها هذا الخيار حتى لو أردته-، أو أن تخرج نفسك منه برُمته، لأن الأحمق وحده من يظن أن العجلة يمكن أن تدور من نفسها.
وعلى كلٍ، فليس أحد مطالب بالقيام بأدوار غيره، وعلى كل إنسان أن ينضج انفعاليًا ويتفهم أن الآخرين ليسوا مكلفين بتعويض تقصيره إما لأنه يخشى على كرامته أو لأنه كسول أو لأنه عنيد أو.... أيًا كانت المسببات التي تقف وراء ثباته كالصنم. والبقاء في هذه الأحوال للطرف النشط يعني تعليق الموقف واستمراره أسيرًا له، وهو عائق كبير أمامنا يمنعنا من التفكير في أهداف أخرى ذات قيمة في حياتنا تستحق أن نضع جهدنا ووقتنا فيها.
الفاشل أيضًا يهمل نقاط قوته، وأحيانًا لا يكون على وعي بها! ويستشعر ضعفه، ويخشى الاقتراب من الأهداف الكبيرة. وهناك حكمة إنجليزية تقول: Sometimes, Avoiding Taking the RISK is the biggest Risk out of all. وترجمتها: في بعض الأحيان، يكون تجنب المخاطرة هو أكبر مخاطرة على الإطلاق.
والتأخر في أخذ الخطوة اللازمة في الوقت المناسب لأجل إصلاح خطأ أيضًا قد يكون سببًا من أسباب الفشل وتفاقمه.
الكبر أيضًا من مسببات الفشل، لأنه يجعل الإنسان يسرف في الثقة في قدراته، ولا يبذل الجهد اللازم في التخطيط والتنفيذ اللازمين لتحقيق الأهداف. كذلك فإن التشاؤم وضعف الثقة في النفس قد يجعله يوقف مساعيه نحو أهداف ربما كان تحقيقها في متناول يديه.
ومن السمات الانفعالية التي ترتبط كثيرًا بالفشل في الحياة الشخصية: التخوف من التغيير، والتحسف على النفس، وتضخيم أوجاعنا.
وقد يكون الخوف من كلام الناس وردود أفعالهم هو سبب الفشل، أو أن الشخص يستمع كثيرًا لهم، وربما يستمع لفلان فيقرر شيئًا، ثم يستشير علانًا فيغير رأيه، رغم أن رأيه هو الشخصي بخلاف رأيهما! افعل ما تراه صحيحًا، بغض النظر عن أفعال الآخرين، كذلك افعل ما تراه صحيحًا، بغض النظر عن ردود أفعالهم تجاه ما تفعل! يقول شكسبير: حياة يقودها عقلك، خير من حياة يقودها كلام الناس! كُن دائمًا فاعلًا وليس مفعولًا به! وتذكر عندما تقابل شيئًا أو شخصًا ذا قيمة في حياتك، أن تتخلص من مخاوفك، ولا تكثر القلق، وثق فيما تعتقد أنه صحيح.
وفيما يخص علاقاتك الشخصية تذكر أن الحب هو الأمان الحقيقي، ولا بد أن تحب نفسك أولًا لتكون قادرًا على حب الآخرين، وكي لا تسمح لنفسك بأن تصبح ضحية علاقات اجتماعية فاشلة.
أخيرًا، عندما تواجه مشكلة حددها بدقة، وابعد نفسك عن التفكير في الفرعيات؛ لأنك عندما تركز على شيء ليس هو في الحقيقة صلب الأمر، فهذا لا يساعدك في حل مشاكلك وتجاوز عقبات الحياة، كما أنك عندما تركز على مخاوفك لن تنجح. أغلب المخاوف لا تتحقق لكنها توقف حياتنا، لأنها تجعلنا لا نسعى نحو تحقيق أهدافنا، ومن ثم يصبح الفشل محققًا.
جميعنا في صراع مع ظروف الحياة، ولن تحصل على السعادة إلا إذا اقتنصتها، وإن لم تحارب لن تنتصر، فلا يصل لخط الفوز إلا من يستحق. كن قويًا، واعتمد على نفسك، فالبشر تتقاطع طرقهم معنا ونتلاقي ثم نفترق، وحياتك تحددها وحدك.


الاثنين، 15 يوليو 2019

186- انتشار العامية وانحدار العربية!


انتشار العامية وانحدار العربية!
د/ منى زيتون
أوائل 2018
الاثنين 15 يوليو 2019

أول ما يُبدأ به تعلمنا النظامي اللغة؛ لأن اللغة أداتنا لاكتساب العلم ووسيلتنا إليه. من هنا كانت أهمية الاعتناء باللغة التي بها ندرس ونتلقى العلم. وقد تدهورت لغتنا العربية الفصحى في عصرنا الحاضر وانتشر استخدام العاميات في المقابل حتى قل من يتقنون الفصحى، وكثرت الدعوات إلى تجاهلها.

اختلاف لسان العرب قديم
بدايةً نقرر أن اختلاف ألسنة الناس هو مراد الله؛ فالبشر تختلف لغاتهم، بل وقد تكون للغة لغات فرعية منها.
عرفت العرب اختلاف اللسان رغم فصاحته، فكانت هناك لغات طي وهذيل وغيرها من قبائل العرب، وهي فصيحة وليست عامية، رغم اختلافها في بعض مفرداتها ومعانيها عن لغة قريش. كما قد يختلف نطق اللفظ الواحد؛ فإن كانت قريش تهمز فهذيل مثلًا لا تنطق بالهمز، وهكذا. كما أن هناك النبطية والسريانية والآرامية، وهي لغات شرقية من الجذر نفسه الذي للعربية، ويعدها البعض لغات فرعية للعربية.
لكن بتقدم الزمان واختلاط العرب بالعجم اختلط لسانهم، وظهرت العامية ثم العاميات المختلفة شيئًا فشيئًا، وشاع لحن القول عندهم.
على سبيل المثال، أذكر انني قرأت في ترجمة الإمام الطبري في "سير أعلام النبلاء" للذهبي طرفة للإمام مع أحد أصحابه، يرد فيها هذا الصاحب على الإمام الطبري، لمّا استعجم عليه كلامه فيقول للإمام: "ألا تعرف أن العرب تنطق القاء جيمًا؟"
وفي كتب التاريخ يمكن أن نقرأ كلمات مثل "الست" بمعنى السيدة، و "ايش؟" بمعنى: أي شيء؟ وهي تتكرر في حوارات كثيرة، بما يعني أنها دخلت إلى الفصحى منذ القدم وتداخلت معها رغم كونها ليست منها.

تطور اللغة ضرورة حتمية
اللغة هي أداة تعبير البشر عن أنفسهم، وطالما اختلف الناس باختلاف الزمان والمكان كان من الطبيعي أن تختلف اللغة.
في أحد مقالات كتابه "يسألونك"، المعنون باسم "بين التزمت والإباحة"، يرد الأستاذ العقاد على أحد الأدباء ممن استنكر استخدامه في كتابه "عبقرية الإمام" لألفاظ مثل "فشل" وفقًا لمدلولها المعنوي الحديث، في معنى "أخفق وخاب"، رغم أنها لم تكن مستخدمة بهذا المدلول زمن الإمام علي، وكان استخدامها في معنى "التراخي والضعف والخواء".
رد العقاد تلخص في أن تغير مدلولات المعاني وتطور اللغة أمر معروف وطبيعي في كل اللغات، وله أن يستخدم المدلولات الحديثة طالما لم يضعها على لسان رجل في زمان سابق وكأنه هو من تكلم بها، علمًا بأن العقاد كان من أشد المتصدين لهجمة العامية على الفصحى في زمانه، وعلى دُعاة التوسع في استخدام العامية، وله في "يسألونك" مقالين بهذا الخصوص هما "العامية والفقر" و "السلفية والمستقبلية".
فإن كان من الجمود وعدم التطور موقف من نقد العقاد بسبب ما استخدمه من ألفاظ في عبقرية الإمام، إلا أن ما يحدث في العامية ليس من التطور في شيء؛ فقد اختلفت العامية اختلافًا واسعًا عن الفصحى حتى يكاد من لم يتعلم العربية الفصحى من العرب ألا يفهم فُصحاه، لتباعد ما يستخدمه في حياته من ألفاظ ومفردات عن ألفاظ الفصحى، فضلًا عن خلو العامية من الحركات التي تميز الإعراب وتفصح عن تراكيب الجملة، والتي يجتهد من يتعلم الفصحى كي يتقنها.
وبينما اللهجات واللغات الفرعية من العربية قديمًا لم تكن تخالف ألفاظ الفصحى تمامًا، ولا كانت تخلو من حركات الإعراب، صارت العامية في عصرنا أقرب ما تكون للغة أخرى تسعى لاحتلال مكان ومكانة العربية الفصحى، خاصة بعد أن أسهمت وسائط التواصل وقنوات الإعلام في تقريب عاميات العرب.
واللغة، أي لغة ترتقي بارتقاء الناطقين بها. وحديث العقاد عن تغير مدلولات الألفاظ باختلاف الزمان يعني أولًا أن اللغات تتطور، كما يعني لنا أن الفصحى قد توقفت عن التطور ولا نجد لذلك سببًا سوى الحال العثر الذي تعيشه الأمة العربية في العقود الأخيرة بعد أن كانت أفاقت من سُباتها منذ نهضة محمد علي باشا.
ربما كان توقف الفصحى عن التطور وعدم مواكبتها للتغيرات الاجتماعية مما أسهم في تعاظم دور العامية، التي تطورت كثيرًا وزادت صيغها وتراكيبها، وأصبحت أقرب لحياة الناس، حتى المثقفين منهم، لقدرتها على التعبير عن واقعهم.
وأقول: لأن الفصحى أرقى من أن تتلاقى مع انحطاطنا لم تتطور لتعبر عنا الآن؛ لأنها لو تطورت لتعبر عن حال العرب في زماننا لما استحقت أن تكون لغة القرآن.

الفصحى أوسع وأدق
في مقال "فلسفة اللغة العربية" تحدثنا عما أورده د/عثمان أمين في كتابه عما يميز العربية من اتساعها ودقتها المستمدان من سعة اشتقاقاتها، ومن ظلالها وألوانها، فللكلمة الواحدة كلمات تنتسب لها تعبر عن درجاتها كدرجات اللون الواحد، تعطي مدلولات معاني دقيقة أشد الدقة عن الحال، ولا يماثل العربية في ذلك لغة من لغات العالم.
ففي الفصحى كلمات: عطش- ظمأ- صدى- أوام- هيام، والتي تتدرج في مدلولاتها التعبيرية عن الاحتياج إلى الماء. أما غاية العامية من التعبير عن المعاني ذاتها أن تنهج نهج اللغات الأخرى فتضيف ألفاظًا وتراكيب لتوضيح درجة الحال، كأن يُقال بالعامية "عطشان قوي" للتعبير عن الظمأ، أو "هأموت من العطش" للتعبير عن الصدى، أو "مش شايف ويهلوس من العطش" للتعبير عن الهيام. وذلك بدلًا من استخدام لفظ واحد دقيق يوضح درجة الحال.
وما يميز العامية دائمًا تخففها من قيود الفصحى، فتغير في الألفاظ الأصلية، كما لا ترى بأسًا في تعريب ألفاظ أخرى وضمها إلى قاموسها اللفظي. وقد تجري عليها تعديلات لأجل ذلك؛ فتصرف الكلمة المعربة كما تُصرف الكلمات في العربية على الأوزان نفسها، على سبيل المثال: "يُكنسل" يستخدمها العرب اليوم بمعنى "يلغي"، وهي مصوغة كما تُصاغ أفعال العرب وياء المضارعة تسبقها، وأصلها cancel الإنجليزية.
وتعدد العاميات يجعل إحلال إحداها محل الفصحى ضرب من المستحيل، هذا مع ضيقها وعدم دقة مدلولات ألفاظها. لكن مع التوسع في استخدام وسائل التواصل وقنوات الإعلام تقاربت اللهجات العامية بين العرب، وعُرفت اللهجة البيضاء، التي هي خليط من العاميات العربية، ويفهمها ‏الجميع.‏ وتجددت الدعوة إلى اعتماد العامية لغة رسمية في ساحات العلم!
وهذا من أعجب ما يكون، فالإنجليزية –على سبيل المثال- رغم تعدد لهجات من يتكلمون بها اليوم إلا أنهم لا زالوا في معاهد العلم يعتبرون الإنجليزية البريطانية هي المعيار، حتى أنهم لا يقبلون في الرسائل العلمية الاختصارات التي شاعت في الإنجليزية الأمريكية وانتشرت من خلالها مثل don’t وغيرها.

أهمية الفصحى
قديمًا قالوا إن وجود أصوات في لغة وافتقادها لأصوات ما، بل وقوة ووضوح تلك الأصوات هو وسيلة البشر الذين يعيشون في بيئة ما للتعبير عن أنفسهم ورؤيتهم للعالم من حولهم، والعربية الفصحى إذا ما قورنت أصواتها بأصوات غيرها من اللغات سنجد أكمل الأصوات فيها؛ حيث تنطق الحروف كاملة غير منقوصة، حتى بالنسبة للحروف المنتشرة في كل لغات العالم. على سبيل المثال، اللام العربية الفصيحة لا تضاهى بها اللام في الإنجليزية والفرنسية من حيث قوتها واكتمالها، كما لا تضاهى بها اللام في كثير من اللهجات العامية والتي تكاد تبدو نصف لام أو لام خاطفة.
ولا بد من لغة واحدة معيارية يستخدمها المتعلمون. هذه اللغة يتوحد الناطقون بها على الدلالات والمدلولات المعنوية للألفاظ، وهو ما لا يمكن أن تتفق فيه اللهجات العامية. الفعل "يُعيِّط" على سبيل المثال يعني في العامية المصرية "يبكي" وفي العامية الشامية "يصرخ".
والفصحى أوسع وأفسح وأدق من العامية، أي عامية، لذا كانت الفصحى لغة كل العلوم بدءًا من العلوم الشرعية التي هي قاعدة المعرفة، وارتقاءً في الهرم المعرفي حتى العلوم البحتة والتطبيقية.
وغني عن البيان أن العربية الفصحى هي لغة القرآن ووسيلتنا لفهمه وبيان معانيه وأحكامه. كذا هي وسيلتنا لفهم كتب الأقدمين وكُنه ما يقولون. والقرآن في المقابل لم يحافظ على العربية لفظًا فقط، بل لفظًا ومعنى.
لا أريد أن أسرف في التشاؤم لتصوير محاولة القطع مع العربية على أنها في حقيقتها هجمة على القرآن والعلوم الشرعية، وإضعاف وتقليل لأعداد متعلميهم، ولا أرى الأمر بحاجة للزج بفكرة التآمر لأن القطع مع العربية الفصحى هو في حقيقته كذلك؛ أي قطع مع القرآن وهجر لفهمه، وقطع مع علومنا الشرعية وإضعاف لها.
كما سبق وتحدثنا في مقال "نظرة على الوظيفة الاجتماعية للغة" عن أن اللغة تؤدي وظيفة اجتماعية وتمكن الناس من التواصل بدقة لا تمكنهم منها سائر الوسائط غير اللفظية للتفاعل الاجتماعي كالإيماءات وتعبيرات الوجه وغيرها؛ فاللغة هي وسيلة التواصل التي جعلت البشر أرقى الكائنات الحية.
والمقارنة بين الفصحى وأي من اللهجات العامية في أداء تلك الوظيفة الاجتماعية في المجتمع العربي على اتساعه لن يكون في صالح العامية، حتى لو أخذنا أوسع اللهجات العربية العامية انتشارًا وأسلسها وأقربها فهمًا لكل العرب، وهي ما يُعرف باللهجة القاهرية، نسبة إلى القاهرة.
تبقى العامية محدودة مخصوصة بمجتمعات أصغر من المجتمع العربي الواسع، عاجزة عن تحقيق الفهم الدقيق بين المتكلم والسامع من بيئتين مختلفتين ومجتمعين فرعيين، تجعل الغريب من بينهما يصاب بعزلة ثقافية كأنه انتقل إلى مجتمع جديد يتكلم لسانًا آخر.

العامية تتفاوت!
في عصر نهضتنا، كانت المقالات في الصحف والمجلات الثقافية بالفصحى الرصينة لكبار كتاب الوطن العربي. وكانت الإذاعة تقدم كل برامجها بالفصحى. والعوام كانوا يسمعون ويرددون القصائد الشعرية لفطاحل الشعراء مُغنَّاة مشكولة.
لكن بدأ دخول العامية إلى وسائل الإعلام من خلال التليفزيون. كانت البرامج الدينية والثقافية فقط ما تسيطر عليها اللغة الفصحى، ثم انتشرت العامية حتى في البرامج الدينية. ثم أثرت وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا في انتشار العامية. كما أن التحول الذي تم في دبلجة أفلام الكارتون للأطفال من الفصحى إلى العامية كان من سوءات المصريين، وأسهم في مزيد من تدهور مستوى اللغة العربية الفصحى لدى النشء، على العكس من الدبلجة بالفصحى التي انتهجها الشوام.
ولعل الأثر الثقافي أبعد من أن يقتصر فقط على استبدال الفصحي بالعامية، بل يتعدى إلى المحتوى الذي تحمله العامية.
فمع كل ما سبق وأشرنا إليه من أهمية الفصحى كأداة رئيسية للعلم والثقافة، لا بد من مراعاة أن العامية ذاتها تتفاوت، فما يسمى بالشعر العامي التافه في أيامنا هذه لا يقارن بأشعار الزجل في القرن العشرين، حيث كانت الألفاظ المستخدمة أكثر رقيًا. قرأنا أشعار بيرم التونسي ورباعيات صلاح جاهين، وسمعنا أغاني الشيخ سيد درويش، وقديمًا تغنى الشعراء في ريف وصعيد مصر على الربابة بالسيرة الهلالية وغيرها من السير الشعبية. وكانت كل هذه الأشعار والأزجال بالعامية. كما كان هناك شعراء مجيدون كتبوا قصائد بالعامية تغنى بها كبار مطربينا، ومعانيها الراقية لا تقل عظمة عما تغنوا به من قصائد بالفصحى.
وفي رأيي فإنه يوجد فرق كبير بين أن تسهم العامية إلى جانب الفصحى في تواصل الناس وتوصيل المعاني النبيلة إلى الطبقات الأقل تعلمًا في المجتمع، وبين أن تصبح بديلًا للفصحى، فلا غنى لنا جميعًا عن لغتنا الفصحى.