الثلاثاء، 25 فبراير 2020

223-قل لي مع من تتعاطف أقل لك من أنت


قل لي مع من تتعاطف أقل لك من أنت
د/ منى زيتون
الاثنين 24 فبراير 2020
منشور الثلاثاء 25 فبراير 2020

سبق أن ناقشت أمر التعاطف في مقال سابق، ذكرت فيه أن هناك خللًا ما في بوصلة كثيرين من أفراد مجتمعاتنا العربية في توجيه تعاطفهم في كل قضية اجتماعية، وكثيرًا ما نجد من يتعاطفون مع الطرف غير المستحق له؛ ذلك أنه كثيرًا ما يبعد السلوك التعاطفي عن المنطق بل ويجافيه، ويقوم على الهوى وآفة الرأي الهوى!
والتعاطف كما أعنيه هو إظهار التقدير بقول أو فعل لشعور الآخرين؛ فأنا أتعاطف معك عندما أظهر لك أنني أقدر تقديرًا حقيقيًا ما تمر به، وليس بأن أسمعك أو أضع نفسي محلك أو أظهر استجابة انفعالية -حتى لو كانت ودودة- لمشاعرك.

في هذا المقال أحاول تصنيف أحوال البشر فيما يخص التعاطف، فللتعاطف مستويات وحالات عديدة، وأشهرها من خلال خبراتي الميدانية الأصناف الخمسة التالية.

التعاطف الإنساني
هو أول أنواع التعاطف وأعمها وأندرها في الوقت ذاته. إنه نوع التعاطف الذي يكون مع جميع البشر والمخلوقات دون تمييز، ولا يتذكر صاحبه سوى أنه إنسان فلا يتنبه لديانة أو لجنسية أو لأي انتماء كان.
وهذا تعاطف من بلغوا درجة عالية من النمو والسمو الروحي، تجعلهم يتعاطفون مع الخُطاة كما يتعاطفون مع الصالحين، وتبلغ بهم الرحمة بالحيوان وسائر المخلوقات أشدها.

اللا تعاطف
على العكس من النوع الأول للتعاطف الذي يتصف به الرحماء نجد نقيضه الذي يميز قُساة القلوب، وهؤلاء لا يكاد يعنيهم سوى أنفسهم وأقرب الأقربين منهم، وكأن الأرض خُلقت لهم وحدهم.
ولا يتوقف الأمر لدى أغلبهم عند حال اللامبالاة بل قد يتعدى معهم إلى الشنآن والشماتة في المكروبين. هؤلاء هم الشانئون لكل البشر صالحهم وطالحهم، أصحاب نظرية "لا دخان دون نار".
وأمثال هؤلاء لا تاريخ لأحد عندهم، فلو عاشروك سنينًا وأحسنت إليهم فيها أشد الإحسان ثم وجدوا من يطعن فيك لظنوا فيك ما يقول بلا روية ولا دليل! وربما ساهموا في الإشاعة عنك!
واللا تعاطف كسمة يختلف عنه كحال، ففي بعض القضايا لا يلزم أن تتعاطف فيها مع أحد الطرفين في القضية عندما يكون كلاهما مخطئًا ونال عقابه؛ كما في أزمة المدعو محمد رمضان والطيار الذي تم فصله لسماحه له بدخول قُمرة قيادة الطائرة واللعب في أزرارها في استهتار بالغ بأرواح البشر.

التعاطف مع صاحب الحق
وهذا هو صنف التعاطف الوحيد الذي لا ينافي ويجافي العقل بتاتًا، بل يماهيه ويتماشى معه دائمًا. هو تعاطف العقلاء والحكماء، وهو أيضًا التعاطف الذي وصف الله سبحانه وتعالى به المؤمنين ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
وقد كان هذا هو صنف التعاطف السائد بين المسلمين في عصرهم الذهبي، حتى أن الخليفة قد يجد قاضيه يحكم عليه، وابن الوالي يجد الخليفة يقتص منه، ويجعل الحق عليه، ويقف مع ابن واحد من أهل الذمة ضده.
وهؤلاء المتعاطفون مع إقامة الحق يدركون أثر العقاب في استقامة المجتمع وزجر الملتوين ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، فلا تأخذهم شفقة بالمخطئ أيًا كان، ويضربون على يده وإن كان ذا قربى. بشر كالسيف لا يخرجهم عن الحق لومة لائم، وإن غضب منهم الجميع. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب عندما قال: لم يُبق لي الحق صاحبًا.

التعاطف الفئوي
وهذا النوع كسابقه يكون لجماعة دون أخرى، لكن مع الفارق الكبير، فالتعاطف مع الحق تعاطف الحكماء العادلين، الذي يدور مع الحق ولا يثبت على طائفة محددة دومًا سواء كان الحق معها أو عليها، وأما التعاطف الفئوي فتعاطف المتعصبين المتطرفين. وسبق أن تحدثت عن التعصب تفصيلًا في مقالات عديدة، والأمر أوضح من أن يحتاج لتكرار.
ولا يختلف الأمر كثيرًا باختلاف موضوع التعصب؛ فالتعصب اتجاه عام في الشخصية يظهر لدى الشخص ويطبقه في شتى الميادين سواء كان الحق مع طائفته أو عليها؛ فليست النقطة المحورية هي محتوى اعتقاده؛ فنجده يتعصب رياضيًا لناديه، ويتعصب لدينه أو لطائفته الدينية، ويتعصب للجماعة التي ينتمي إليها سياسيًا، وكل منهم يفرح في مصاب من ينتمي لفئة أخرى بينما يذوب إنسانية زائفة عندما يتعلق الأمر بأفراد جماعته، ولا يمانع في الكذب لتبرير تعصبه الأعور ذاك عندما تكون طائفته وجماعته على باطل.
ينظر الواحد منهم إلى انتماء صاحب الرأي قبل أن ينظر في الرأي ذاته، ويفرق تمامًا معه بين إن كان من يُقيّمه أهلاويًا أم زملكاويًا، مسلمًا أم مسيحيًا، سنيًا أم شيعيًا، إخوانيًا أم سيساويًا أم ثوريًا.

التعاطف المرآوي
وهذا هو الصنف الذي يَخفى أمره على كثيرين، والذي دفعني لكتابة المقال، ويختلف عن الصنف السابق الفئوي، فهنا يكون التعاطف مع من يشبهك كفرد وليس من ينتمي لجماعتك.
ولنفهم هذا الصنف من التعاطف أكثر لا بد من وضع بعض المسلمات عن اقتراف الخطأ والاعتذار عنه أمام أعيننا، وأولها أن كل البشر يرتكبون أخطاء ولكن ليس كلهم يرتكبون خطايا.
ومن يخطئ خطأ كبيرًا في حق نفسه وحق مجتمعه، ويرغب في إعادة الانخراط في المجتمع، وأن يتقبله المجتمع دون إعادة تذكير بما اقترفه عليه أن يعلن اعترافه بخطئه، ويعد بأنه سيكون إنسانًا نظيفًا، وسيغير من نفسه.
لكن المشكلة إننا شعب لم يعتد أفراده الاعتذار، وإن اعتذروا فغالبًا يكون اعتذارهم مشروطًا؛ فيقدمونه عندما يتأكدون أنه سيُقبل! بمعنى تفضل أو تفضلي بالاعتذار فقد سامحناكم!
وقد يصدر الاعتذار عن المخطئين عندما تضيق في وجوههم ويكتشفون أن مرور الزمان لم يجعل ما اقترفوه يمر مرور الكرام وإنهم مضطرون للاعتذار!
وأحيانًا يكون الاعتذار مقرونًا بإسقاط؛ فمن يظهر التأسف يرفض الإقرار أنه هو المخطئ الوحيد، ويحاول أن يرمي الخطأ على غيره أو يقول إن الجميع يخطئون لكن ستر الله يغطيهم؛ والمعنى الدفين الموجه لباقي أفراد المجتمع أنكم أنتم أيضًا غالطون، وهي حالة من التبجح عالية بدلًا من إبداء الندم.
وكل ما سبق هي أشكال من الاعتذار الزائف عديم القيمة! فالاعتذار هو اعتراف بالذنب، ويجب أن يتم كمبادرة من المخطئ وإلا فقد معناه، كما يجب ألا يتم التلكؤ في تقديمه، ولصاحب الحق قبوله أو عدم قبوله، وإن كان أصحاب النفوس الكريمة لا يتأخرون عن العفو في حال صدق الاعتذار والمبادرة به وعدم التلكؤ أو محاولة جعله مشروطًا.
وعودة إلى التعاطف مع الخُطاة والمعتذرين، لنجد انتشارًا مزعجًا وكثيفًا لفئة ينتهزون أي إشاعة تُطلق عن شخصية محترمة بالمجتمع للسخرية منه وإطلاق النكات والفكاهات الماسخة عنه؛ وكأن ما قيل عن هذا الشخص حقيقة رغم عدم وجود أي دليل على صحة ما أُطلق من إشاعات، ورغم وضوح كيديتها في أحايين كثيرة. والعكس تمامًا يكون حالهم إن كان التطاول على خاطئين متلبسين بالجُرم، خاصة إن قدموا اعتذارًا من نوعية الاعتذارات الزائفة أعلاه!
وكثيرًا ما تساءلت لماذا يتلقى الخاطئون خطأ واضحًا غير قابل للبس، تعاطفًا كبيرًا من تلك الفئة ذاتها التي تسارع في جلد من لا يستحقون الجلد؟! ولا يكتفون بالسكوت عن الإشاعات التي تطلق على أي أحد كما المحترمون من أبناء المجتمع؟!
إنه التعاطف المرآوي، تعاطفك مع من يشبهك، مقترنًا بحسد من يختلف عنك ويعلوك قيمة.
وهنا أوضح أن التعاطف مع صاحب الحق الذي لا يصدر إلا عن العادلين، هو أيضًا شكل من التعاطف المرآوي، فكأن الحق بداخلهم مرآتهم التي يرون فيها. دمتم عادلين.

الثلاثاء، 11 فبراير 2020

222-تأملات في الفقر والغنى

تأملات في الفقر والغنى
د/ منى زيتون
الاثنين 10 فبراير 2020
منشور الثلاثاء 11 فبراير 2020
مُستل من كتابي "نحو مجتمع عربي متحضر"

ناقشت أثر تفشي الفقر في المجتمع في مقالات سابقة مثل "شح الموارد وأثره في تغير السلوكيات" و "التواء المنحنى الجرسي وهلاك الأمم". وهذا المقال هو مزيد من التأملات في أحوال ومشكلات المجتمع التي تنشأ من تباين المستوى الاقتصادي لأفراده، وتجاور ذوي الثراء وذوي الفاقة.

العزل الطبقي؛ لماذا يرتاح الأغنياء في أحياء خاصة بهم؟!

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135].

كلما قرأت هذه الآية الكريمة استوقفني قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، فكأنه تعالى يلفتنا إلى أنه ليس الغني فقط من يمكن أن يجد من يحيد عن الحق لأجله، بل قد يوجد بيننا من يتعاطف مع الفقير حتى وإن كان الحق عليه! رغم أننا مأمورون بمخالفة الهوى وإتباع الحق وأن ندور معه حيثما دار. ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:26].

ذلك أن الأغنياء صنفان، فمنهم أبناء الأصول ومنهم محدثو النعمة ناهبو المال العام، وكذلك الفقراء صنفان فمنهم أصحاب الأصل الطيب رغم ضيق ذات اليد ومنهم طبقة قليلة الأصل يملؤها حقد طبقي على الأغنياء، ولا يُستثنى من ذلك أصحاب الأيادي البيضاء عليهم؛ لذا فالمشكلات التي تنشأ بين شخصين من طبقتين اجتماعيتين مختلفتين قد يختلف الطرف صاحب الحق فيها.

ومنذ حوالي عقدين من الزمان انتشرت فكرة إنشاء أحياء الأغنياء الجديدة في مصر كالتجمع الخامس ومدينتي والرحاب كبديل لأحياء الأغنياء المعروفة في القرن الماضي؛ وذلك بعدما اتسعت رقعة أحياء الأغنياء القديمة في العاصمة والمحافظات، فزال الفاصل بينها وبين أحياء شعبية أو عشوائية كانت تجاورها، فالتغت خصوصيتها وسابق عزلها عنها، فسعى الأغنياء إلى عزل طبقي جديد متطرف في أقاصي القاهرة والمدن.

وانتشرت إعلانات هذه الأحياء الجديدة في الوقت ذاته الذي كان يتم الترويج لحملات تبرع للمرضى والمحتاجين، وصار كثيرون من أبناء الطبقة المتوسطة يتندرون على من يتبرعون للفقراء ولا يريدون أن يجاوروهم! فهل الأمر حقًا يستحق التندر؟!

وفقًا لنسبية أينشتين فالكون هو نسيج مترابط، ويقول قانون الجذب العام لنيوتن ‏إن التجاذب والتأثير عام في الكون، وهو بين أي جسمين ماديين يتناسب طرديًا مع ‏كتلتيهما، وعكسيًا مع مربع المسافة بينهما، ولطالما كنت أرى ذلك من منظور اجتماعي، ‏ولكن ليست الكتلة الاجتماعية هي تلك التي تحددها الأرقام التي يظهرها الميزان، فتلك ‏الكتلة المادية، وإنما قيمة الشخص هي التي تحدد كتلته التأثيرية فيمن حوله، كما أن ‏تقارب المسافة يزيد التأثير الاجتماعي، والعكس، فكلما ابتعد الناس عنا قل تأثيرهم، وإن ‏نظر أي منا للأشخاص الأكثر تأثيرًا في حياته سيجد أنهم ذوو القيمة العامة الذين يعتبرهم ‏قدوة له، وذوو القيمة الاجتماعية كالأب والأم والإخوة والأبناء والأقرباء والأصدقاء والزملاء، ‏وكذلك سيجد الجيران من بين الفئات الأكثر تأثيرًا كونهم في الدائرة القريبة منه.‏

إن تجمع الأغنياء في أحياء منفصلة في المدن -تتغير كل بضعة عقود وربما قرون- ليس وليد المجتمع المصري، بل هو نمط وتقسيم معماري معروف عبر العالم، والمحافظة عليه لا يكون فقط لأجل الاستثمار العقاري ولا للمباهاة الطبقية، بل لأن الأغنياء يكونون أكثر راحة في تلك الأحياء بمعزل عن الفقراء، وحتى أولئك الذين لا تقتلهم المغالاة ولديهم حس إنساني عالٍ ويساهمون في الجمعيات الخيرية ويجمعون التبرعات لأجل المحتاجين لا يشذون عن هذه القاعدة، ويحدث هذا لنشوء نوعيات من المشاكل الاجتماعية عند تجاور فئتين من الأفراد بينهما بون اجتماعي واسع.

وغني عن الذكر أن المجتمع الواحد يتكون من ثقافات فرعية مختلفة؛ والأغنياء بصورة عامة -وعلى العكس من الطبقات الشعبية- أكثر انعزالًا وأقل اختلاطًا وانشغالًا بأحوال الجيران، لا ينشغلون بقيل وقال، وفلان دخل وفلان خرج، وهذا سافر وهذا عاد من السفر، وهذه تمت خطبتها، وتلك لا. ورغم أن المستوى الثقافي يسهم في الانتماء إلى ثقافة فرعية ما لكن يبقى للمستوى الاجتماعي الاقتصادي تأثيره، فما يراه الأغنياء يصح من منظورهم قد يختلف الحكم عليه تمامًا من منظور من ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية الشعبية.

حُكي لي قريبًا عن أزمة حدثت في حي من أحياء القاهرة الراقية القديمة؛ حيث احتاجت إحدى الشقق لإصلاح أمر طارئ يتعلق بالسباكة والصرف، ولما كان رب الأسرة مديرًا كبيرًا في أحد البنوك، وليس من السهل أن يأخذ إجازة طارئة وقتما يشاء، والأبناء يلزمهم الذهاب إلى مدارسهم، فقد اتفق رب الأسرة مع عمال على أن يقوموا بإتمام مهمتهم في إصلاح السباكة في وجود زوجته، ولم تستغرق عملية الإصلاح تلك سوى سويعات من نهار أحد الأيام، وكان باب الشقة مفتوحًا أثناء اشتغال العمال. وما حدث يعد في عُرف أي فرد ينتمي لطبقة راقية في المجتمع أمرًا عاديًا، لكن بالنسبة لزوجة صاحب كُشك بالمنطقة لم يكن عاديًا على الإطلاق؛ إذ أخذت تتحدث مع كل من يشتري منها -وعلى مدار أسبوع- عن كيف تسمح السيدة فلانة لنفسها بأن تبقى وحدها في الشقة مع العمال أثناء عملهم؟ ولماذا لم تطلب من إحدى جاراتها أو منها هي أن تبقى معها طيلة اليوم؟! واستمر ذلك اللت حتى وصل إلى أسماع زوج السيدة، وكاد أن يتأذى صاحب الكشك من ورائه وينقطع رزقه من المنطقة، لولا أن تأسف واعتذر نيابة عن زوجته طويلة اللسان.

والمشكلة الفائتة ربما لم تنشأ عن حقد طبقي، ولكن من اختلاف مفاهيمي واضح، ‏ومحاولة السيدة الشعبية إلزام من ليسوا من طبقتها الاجتماعية بمفاهيمها. وإن كنا نلحظ أن ‏أسلوب بعض الفقراء في تحقيق تقدير الذات هو الانتقاص من الأغنياء، وقيمهم وأخلاقهم، ‏وإن كانت هذه القيم لا علة حقيقية فيها!  ما يعني أنه تقدير للذات قائم على خداع النفس!‏

لكن مشكلة أخرى كرمي القمامة أمام منازل وفلل الأغنياء تعد أحد أشهر الأساليب المصرية لتنفيس الحقد الطبقي! وذات مرة أثناء قيام عامل النظافة بحمل كيس قمامة مُلقى بجوار منزلي وقع من الكيس إيصال سداد كهرباء، وتعجبت لبعد المسافة بين منزلي ومنزل السيدة صاحبة الكيس، وهو ما يظهره عنوان منزلها المكتوب على إيصال الكهرباء، وكأنها قد حملته كل هذه المسافة لتلقيه أمام منزلي، أو بعثت من يلقيه من أبنائها، رغم وجود صناديق جمع للقمامة أقرب إلى منزلها! ورغم أن هذه المعاملة ليست خاصة بمنزلي، فكذلك يفعلون مع باقي البيوت والفِلل بالمنطقة! فأنا أقر وأعترف أن تجاور منطقتي السكنية مع منطقة أخرى تقطنها طبقة اجتماعية أقل في المستوى الاجتماعي جعلني أكره المنطقة برُمتها.

وهذه الأمور الدالة بوضوح على أحقاد طبقية ليست مستجدة في المجتمع المصري على كل حال؛ حدثتني مرة سيدة كريمة عن أيام تأميم المصانع والشركات في بداية الستينات من القرن الماضي، وكيف فوجئوا بشماتة من كانوا يحسنون إليهم، وأخرى قالت لي: أحد الفلاحين الذين كانوا يعملون لدينا ظل يركب حماره رائحًا غاديًا أمام منزلنا الريفي، حاملًا بيديه الجريدة التي جاء بها قرار ما سُمي بالإصلاح الزراعي، مُشرِّعًا إياها. وهؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر: إن أنت أكرمت اللئيم تمردَا، وأمثال هؤلاء من قليلي الأصل قد يدفعون بعض الأغنياء الطيبين إلى إخراج زكاة أموالهم لمن لا يكادون يعرفونهم أبدًا من الفقراء أو إلى مؤسسات وجهات متخصصة لأن نفوسهم لا تطيب بإخراجها إلى من يزيدهم الكرم معهم لؤمًا!

 فلسفة الزكاة

يقودنا الحديث عن العزل الطبقي بين الأغنياء والفقراء إلى حديث آخر متعلق بالمال؛ عن الزكاة وإخراج الصدقات، فربما لو أخرج كل من وجبت عليه الزكاة حصته لاختفى كثير من الحنق الذي نلمسه من الفقراء في المجتمع والناتج عن ضيق معيشتهم.

وفلسفة الزكاة هي جزء من فلسفة الكون، فكل ما في الكون طبيعته التبدل والتغير، ولا باقي إلا الله، ومحاولة البخلاء الإمساك على المال لأجل جمع الثروة –وهو الحال نقيض الزكاة- مناقض للتغير الذي من المفترض أن يطرأ على المال، فإمساكه الزائد يجعله يعاكس الطاقة الكونية؛ فيقل ولا يزيد! على العكس من ضخه في الكون ما يجعله يدور ويعود إلى صاحبه مرة أخرى، ولعلني لست بحاجة للتذكير بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال عبدٍ من صدقة".

ومن يبخل بجزء من ماله على الفقراء يفعل ذلك في العادة إما لبخله أو لكثرة إنفاقه وشهوته الزائدة تجاه متاع الدنيا، فكأنه يبقيه لأنه يريده كله لنفسه، إما كــــمالٍ مخزون أو لامتلاك كل ما يريد، وما أكثر ما يريد! بينما الإنسان هو روح وعقل وقلب وجسد مادي، والاعتناء بالحاجات المادية فقط هو تغذية للجانب المادي منا كبشر، ما يفقد الإنسان توازنه الداخلي ويزيد معاناته ولا يسعده، ولن يجد إنسان سعادته إلا عندما يغذي روحه وعقله وعواطفه أيضًا، وليس كما يفهم من له هذا الفكر بأن السعادة أن تمتلك ثم تمتلك ثم تعاود فتمتلك، وأن يكون لديك من المال ما يجعلك تنفق وتبذخ ثم تنفق وتنفق، ولا تجد داعيًا للتوقف!

والزكاة هي الطريقة الربانية لضبط ميزان العدالة الاجتماعية فلا يعيش بعض الأفراد في حال ترف زائد بينما تعيش فئة أخرى في فقر مدقع، وتحقيق هذا التوازن وإلغاء التفاوت الشنيع بين كفتي الميزان كفيل بألا يطيح الميزان! أي بقاء المجتمع وعدم انهياره، كما أنه يحقق السعادة لكلا الطرفين، لأنه لا الوفرة المادية في الإنفاق على النفس ولا القلة يمكن أن تحققا السعادة لإنسان.

وما لا يفهمه كثيرون أن الوفرة الزائدة والفائضة عن الحد تفقد الإنسان متعته وبهجته، وكما قالوا فإن "للعبير اختناق"؛ فالوفرة تناسب حياة الإنسان في الجنان وليس على الأرض، وإصرار بعض الناس على تحقيقها لأنفسهم على الأرض لا يسعدهم، كما يقتطع من الموارد التي كان من المفترض أن يعيش عليها غيرهم من البشر، فلا هم سعدوا ولا أسعدوا غيرهم!


الأحد، 2 فبراير 2020

221-مهارات التواصل الاجتماعي


مهارات التواصل الاجتماعي
د/ منى أبو بكر زيتون
الأحد 2 فبراير 2020

صدرت الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة من كتابي "مهارات التواصل الاجتماعي.. تأملات في تأثير التواصل على العلاقات الاجتماعية". وقد أحببت أن أطلع قرائي الأعزاء على مقدمة الكتاب التي تعطي تصورًا إجماليًا عن محتواه.


مقدمة الكتاب
التفاعل الاجتماعي في مضمونه ليس سوى تبادل منظم للرسائل اللفظية وغير اللفظية بين الناس، أي إنه يحدث عن طريق وسيلتين من وسائل الاتصال هما اللغة المتحدثة (الاتصال اللفظي) Verbal Communication والاتصال غير اللفظي Non-verbal Communication، فإذا كان الاتصال اللفظي هو الكلمات الحقيقية المتحدث بها، فإن الاتصال غير اللفظي يشتمل كل السلوكيات بين الأشخاص عدا الكلمات.
ومن هنا جاء اهتمام علم النفس الاجتماعي بدراسة المهارات الاجتماعية التي تُعتبر المطية التي يمتطيها الأفراد للتواصل. تلك المهارات قد عُرّفت وصُنِّفت من قِبل علماء النفس الاجتماعي تعريفات وتصنيفات كثيرة لن أفيض فيها، ويعد أشهر تصنيف للمهارات الاجتماعية هو تصنيف رونالد ريجيو، والذي يرى فيه أن المهارات الاجتماعية هي مهارات اتصال اجتماعي وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1-   مهارات في الإرسال Skills in Sending أو ما يعرف بالتعبيرية Expressivity
وهي المهارة التي يعبر بها الأفراد عن أنفسهم، وتظهر في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فهناك نوعان من مهارتيّ التعبير هما:
أ-التعبير اللفظي (إجادة لغة الكلام) Verbal Expressivity
ب-التعبير غير اللفظي (الانفعالي) Nonverbal (Emotional) Expressivity
والفرد الذي يمتلك مهارة التعبير اللفظي هو الذي يجيد التعبير بالكلام عما يريد. يعرف كيف يبدأ محادثة ويستمر فيها وصولًا إلى إنهائها بعد تحقيق الغرض منها، أما الفرد الذي يمتلك مهارة التعبير الانفعالي فهو الذي يكون قادرًا على إرسال الرسائل غير اللفظية كتعبيرات الوجه ولغة الجسد وغيرها للتعبير عن نفسه من خلالها.
2- مهارات في الاستقبال Skills in Receiving أو ما يعرف بالحساسية Sensitivity
وهي المهارة التي يفسر بها الفرد الرسائل التي يبعثها الآخرون، وتظهر أيضًا في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فيكون هناك نوعان من مهارتيّ الحساسية هما:
أ-الحساسية اللفظيةVerbal Sensitivity ، وتعني فهم مغزى ما يقول الآخرون، وكذلك فهم ما وراء سلوكهم اللفظي.
ب-الحساسية غير اللفظية (الانفعالية) Nonverbal (Emotional) Sensitivity، وتعني القدرة على فهم وتفسير الانفعالات والمشاعر المُضمّنة في الرسائل غير اللفظية التي تُرسل للفرد من الآخرين.
3-  مهارات في التحكم والضبط والتنظيم Skills in Regulating or Controlling أو ما يعرف بالضبط Control
وهو المهارة التي بها يصبح الأفراد قادرين على تنظيم عملية التواصل في المواقف الاجتماعية، وتظهر كذلك في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فيكون هناك نوعان من مهارتيّ الضبط هما:
أ-الضبط اللفظيVerbal Control ، ويعني لعب الدور الاجتماعي المناسب، وضبط الاتجاه والمحتوى خلال الحديث.
ب-الضبط غير اللفظي (الانفعالي) Nonverbal (Emotional) Control، وهو الكفاءة في ضبط الانفعالات.
ودائمًا وأبدًا فإن كل الناس يشتكون من كل الناس! فمن تراهم السيئين ومن الجيدين بيننا؟! علمتني الحياة أن مشاكل البشر أغلبها اجتماعية وليست نفسية؛ فنحن في كثير من الأحيان لا نفهم الآخر ولا يفهمنا الآخر، وهذا سبب أغلب مشاكلنا. ولا بد أن نعترف بوجود المشكلة أولًا كي نواجهها ونكون قادرين على حلها. وليتذكر كل منا أن ما في داخله سيبقى في داخله؛ فالناس تتعامل مع سلوكياته الظاهرة سواء كانت أفعالًا أو أقوالًا.
والتأثير الاجتماعي للشخص يعتمد على قدرته على التآزر بين جميع المهارات اللفظية وغير اللفظية. والدراسات النفسية والاجتماعية تؤكد على الدور الكبير والفعَّال لمهارات الاتصال الجيدة في اكتساب السلوك الاجتماعي المناسب، وتقبل الآخرين والتفاعل معهم، وتكوين الصداقات، والحفاظ على العلاقات، وتحقيق التكيف الاجتماعي، وترتبط كذلك بتكوين مفهوم إيجابي عن الذات وتقدير ذات مرتفع، وهي تؤثر في بيئة التعلم، وتؤدي إلى الكفاءة في العمل، ومن ثم تحقيق النجاح الاجتماعي للصغار والكبار على السواء، وإجادتها تساعد الفرد على تحسين علاقاته المهنية والشخصية إلى حد بعيد.
وعلى العكس من ذلك، فإن نقص مهارات التواصل يرتبط بأشكال عديدة من الأنماط السلوكية غير التوافقية، بدءًا من جُناح الأطفال وتسربهم من المدرسة، وتعرضهم لصعوبات أكاديمية في كافة المراحل الدراسية، وصولًا إلى الفوبيا الاجتماعية والاكتئاب والشعور بالوحدة النفسية وبعض مشاكل الصحة العقلية لدى البالغين. وغالبًا ما يفتقدها ضحايا إساءة المعاملة والانتحار وأطفال الشوارع الهاربين من منازلهم.
إن النجاح في العلاقات الاجتماعية يستلزم زيادة الوعي وقوة الملاحظة لسلوكيات الأفراد الذين نتعامل معهم. ولا شك أن كل منا يشكل تجربته الذاتية في الحياة من خلال خبراته، لكن الإفادة من خبرات الآخرين يثرينا، وتعلم ما يلزمنا عن مهارات التواصل ربما يجنبنا الوقوع في كثير من المشاكل.
وقد أثبتت الدراسات وجود فروق دالة بين الثقافات في مهارات التواصل الاجتماعية، لكن تبقى أقوى الفروق بين البشر فيها تُعزى إلى اختلاف الجنسين؛ فمهما كان حجم الفروق الفردية أو الثقافية بين البشر تبقى للفروق بين الجنسين كلمتها الأعلى فيما يخص إشكاليات التواصل بينهم، وتسبب تلك الاختلافات مشاكل التواصل الشائعة بين النساء والرجال.
ولأن تجاهل الفروق بين الجنسين وإرجاع مصدر مشاكل التواصل إلى الفروق الفردية أو الثقافية فقط يسهم في تعميق المشاكل وزيادة النزاعات بين النساء والرجال في العلاقات المهنية والشخصية، وزيادة الضغوط على الأفراد، وليقيني أن علينا زيادة الوعي بتلك الفروق وفهم الأساليب الذكرية والأنثوية في التواصل، وليقيني أيضًا بأن كثيرين بحاجة لتعلم التعبير عن أنفسهم وفهم الآخرين بنجاح، كي ينجحوا في التعامل مع الآخرين، وأن كثيرين بحاجة لتصحيح كثير من المفاهيم المتعلقة والمتسببة في مشاكل بالتواصل، لأجل ذلك كله كان هذا الكتاب.
وقد حرصت على عدم صياغة محتوى الكتاب صياغة أكاديمية، فخلا من التنظير غير اللازم؛ فهو تأليف إبداعي، كتبته مستحضرة المعلومات مما تعلمته من دراساتي السابقة وخبراتي دون الرجوع للمراجع والتوثيق إلا في مواضع يسيرة أوردت فيها اسم أصحابها، واستخدمت الأسلوب العلمي المتأدب، لأن هدفي منه رفع درجة الثقافة النفسية لدى القارئ غير المتخصص، وأتمنى أن أكون بالفعل قد أسهمت في هذا.
د/ منى زيتون


السبت، 7 ديسمبر 2019

220-شيوع التقليد في المذاهب الفقهية السُنية


شيوع التقليد في المذاهب الفقهية السُنية
د. منى زيتون
أحد مقالات كتابي "التطرف الديني"
منشور على المثقف، السبت 7 ديسمبر 2019

لم يعرف المسلمون المذاهب الفرعية في الفقه قبل القرن الثاني الهجري؛ حيث كان مسلمو القرن الأول يأتسون بالنبي صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم، وقل ما يسألونه إن لم يتبين لهم الحكم، فلم يسألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، وكذا كانوا يسألون أمراءه على البلاد، ثم بعد وفاة النبي صاروا يسألون الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، ثم الصحابة عامة، ثم كبار التابعين ممن صحبوا الصحابة وتتلمذوا عليهم، وكان عامة الناس يسألون الأقرب إليهم مكانًا ومن يظهر لهم علمه دون التقيد بقول واحد.
ثم تكونت وتبلورت مذاهب فقهية كثيرة في القرون الهجرية الأولى. كان أشهر المذاهب المنسوبة لأئمة أهل السنة مذهبي الإمام أبي حنيفة والإمام سفيان الثوري بالكوفة، ومذهب الإمام مالك بن أنس بالمدينة، ومذهبي الإمام الشافعي والإمام الليث بن سعد بمصر، ومذهبي الإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي ثور ببغداد، ومذهب الإمام الأوزاعي بالشام، ومذهب الإمام سفيان بن عيينة بمكة، ومذهب الإمام إسحاق بن راهويه بنيسابور، وغيرها، إلا أنه بعد قصر الظاهر بيبرس تعيين القضاة من المذاهب الأربعة المعروفة؛ وهي الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، صارت هذه المذاهب هي المذاهب التي عليها أهل السُنة في كافة الأمصار منذ أن حُصر التقليد فيها وإلى عصرنا الحاضر. ولم يعد لباقي المذاهب أتباع بين الناس، واقتصرت المعرفة بفقه أصحابها على علماء أهل السُنة، كما تعددت مذاهب الشيعة وأشهرها الجعفرية والزيدية.
وكانت هناك ظروف أحاطت بكل إمام من أئمة المذاهب الأربعة ساعدت على نشر مذهبه حتى قبل قرار بيبرس، فأبو حنيفة استقطب تلاميذ كُثر أشهرهم القاضي أبو يوسف الذي تولى منصب القضاء للخلفاء المهدي والهادي والرشيد، وكان يختار القضاة من المذهب الحنفي، فسعى طلبة العلم في العراق وغيرها للانتساب للمذهب الحنفي طمعًا في ولاية القضاء وعلو الشأن. وكان للحظوة التي نالها الإمام مالك عند المنصور حتى نادى المنادي في الناس (لا يُفتينَّ أحد ومالك بالمدينة)، وعزمه على نسخ الموطأ وبعث نسخه للأمصار، ثم الحظوة للإمام لدى الخلفاء من بعده سببًا في انتشار مذهب الإمام مالك في المدينة، وكان الإمام الشافعي من تلاميذ الإمام مالك ولمّا كان بمصر كان يُكثر من الثناء عليه، كما نزل ضيفًا في مصر على عبد الله بن عبد الحكم وكانت له مكانة بين المالكية، لذا احتفى به المالكية هناك، ما ساعد على نشر مذهب الشافعي. أما الإمام أحمد بن حنبل فقد صبر وتجلد وضُرب في محنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق ما أعلى مكانته بين الناس، ثم تحولت الخلافة إلى المتوكل الذي كان على عكس المأمون ضد كل أفكار المعتزلة، فأكرم الإمام أحمد ولم يعد يتخوف أحد من اتباع مذهبه. وإن كان مذهبه قد تكون بعد وفاته بعقود، وبه كثير مما لا تصح نسبته إليه.
ويمكن ملاحظة أن الانغلاق الفكري قد أصاب الأمة تدريجيًا، فأبو حنيفة هو أول ‏الأئمة الأربعة ونجده أكثرهم انفتاحًا من حيث الطريقة والمحتوى. يقول عنه الإمام أبو زُهرة في "تاريخ المذاهب الإسلامية" (ص337): "كانت طريقة أبي حنيفة في درسه تشبه طريقة سُقراط في محاوراته، فهو لا يُلقي الدرس إلقاء، ولكن يعرض المسألة من المسائل التي تعرض له على تلاميذه، ويُبين الأسس التي تُبنى عليها أحكامها، فيتجادلون معه، وكل يدلي برأيه، وقد ينتصفون منه ويعارضونه في اجتهاده، وقد يتصايحون عليه حتى يعلو ضجيجهم، وبعد أن يُقلب النظر من كل نواحيه يُدلي هو بالرأي الذي أنتجته المحاورات، ويكون ما انتهى إليه هو القول الفصل، فيُقرّه الجميع، ويرضونه"أهـ. كان الإمام أبو حنيفة منطقيًا في تشريعاته يدور مع مقاصد الشارع فإن انتفت الشبهة انتفت ‏التهمة، مثلًا في عقود الإشهار كالزواج أباح شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول بعكس ‏عموم القاعدة بعدم جواز ذلك، واستخدامه للمنطق ومراعاة المقصد في تقرير آرائه الفقهية دفع كثير من ‏الجهلاء لزندقته والافتئات عليه قديمًا وحديثًا بأنه يخالف الشرع وهم لا يسوون غرزة في نعله.‏
ويلي الإمام أبا حنيفة في الانفتاح والسماحة طريقةً ومحتوى، الإمام مالك ثم الإمام الشافعي ثم الإمام أحمد بن ‏حنبل. إنه ليس مجرد ترتيب زمني بل ترتيب يُعبر عن التطور السلبي الذي طرأ على طريقة ‏تفكير الأمة، ومع ذلك فهؤلاء الأئمة كلهم كان فيهم خير. يكفي أن أحدهم كان لا يخشى أن ‏يخالف من سبقه ويجرؤ على التفكير بشكل جديد فيما يعرض أمامه من مسائل. لذا كان لدينا ‏علم فقه رصين له قيمة لا زلنا نستفيد مما قرره فقهاؤه الأُول في معاملاتنا إلى يومنا هذا.‏
وكان آخر المذاهب ظهورًا هو المذهب الحنبلي، وهو أكثرها تشددًا، لكن أشد الانغلاق الذي حل هو غلق الآراء الفقهية على أصحاب المذاهب التي تكونت، وشيوع التقليد، بحيث يُلزَم كل شخص برأي الإمام الذي هو على مذهبه، ما أدى لإغلاق باب الاجتهاد المطلق في جميع مسائل العبادات والمعاملات، فلا قول يعلو على أقوال أصحاب المذاهب.
يحكي لنا الولي الدهلوي في "الإنصاف" (ص68-69) كيف تدرج الناس في الانتساب إلى المذاهب، فيقول: "اعلم أن الناس كانوا في المائة الأولى والثانية غير مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه، وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج، غير أن أهل المئة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله، كما يظهر من التتبع، بل كان الناس على درجتين: العلماء والعامة، وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو بين جمهور المجتهدين لا يُقلِّدون إلا صاحب الشرع. يقول الدهلوي: قال ابن الهمام في آخر التحرير: "كانوا يستفتون مرة واحدًا، ومرة غيره، غير ملتزمين مفتيًا واحدًا"أهـ. وأقول: يشذ عما حكاه الدهلوي، سُنة أهل بغداد في القرن الرابع، حيث أجمعوا على التقليد الخالص لما شاع عندهم أنه مذهب أحمد بن حنبل.
ومع تتابع القرون، وزيادة العلماء، تفاوتت طبقاتهم، والأشهر أن طبقات العلماء في الفقه تتفاوت، فهناك المجتهدون، وهناك المقلدون، وكل جماعة تتفاوت فيما بينهم، فأما المجتهدون؛ فهناك المجتهدون مطلقًا (المستقلون وهم الأئمة الكبار أصحاب المذاهب كأبي حنيفة ومالك والشافعي، والمنتسبون لهم غير المستقلين عن مذاهبهم)، كما أن هناك طبقة من المجتهدين في المسائل في المذهب الواحد. وأما المقلدون فتتفاوت طبقاتهم إلى (أصحاب التخريج- أصحاب الترجيح- القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف- من لا يُفرِّقون بين الغث والسمين).
ويوضح الدهلوي (ص74) أنه بناء على ما قرره العلماء، فالاجتهاد المُطلق نوعان:
·        اجتهاد مطلق مستقل: وقد فُقِد من رأس الأربعمائة، فلم يمكن وجوده.
·        اجتهاد مطلق منتسب غير مستقل: وهو باق إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى، ولا يجوز انقطاعه شرعًا لأنه فرض كفاية، ومتى قصّر أهل عصر حتى تركوه أثموا كلهم وعصوا بأسرهم.
ويُقسم الدهلوي الخاصة من العلماء إلى مجتهد مطلق (مستقل- غير مستقل)، ومجتهد في البعض. قال (ص70): "وبعد المئتين ظهر فيهم التمذهب للمجتهدين بأعيانهم، وقلّ من كان لا يعتمد على مذهب مجتهد بعينه"أهـ. وقد قسمهم الدهلوي إلى:
·        المجتهد المطلق المنتسب غير المستقل: أي المنتسب إلى صاحب مذهب في الجملة. من أهل التخريج والترجيح، فله اختيار وترجيح يُخالف الراجح في مذهب الإمام الذي ينتسب إليه.
·        المجتهد في المذهب: لا يصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق، وقد يوجد له استدراكات على إمامه بالكتاب والسُنة وآثار السلف والقياس، لكنها قليلة بالنسبة إلى موافقاته.
ونخلص إلى أنه وحتى قرون متأخرة نوعًا لم يكن الاجتهاد قد أُغلِق بابه نهائيًا، ولكن كان الغالب التقليد، لكن أصبح يُحصر من وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق ضمن المذهب الفقهي الأقرب له الذي كان عليه قبل أن يجتهد، ويُنسب إليه. سواء حصره أصحاب المذهب أو حصر هو نفسه، رغم اعترافهم أنه أعلى من أن يكون مجتهدًا في المذهب. وللإمام السيوطي كتاب عن (نصرة المجتهدين).
ومن أشهر من حصروهم ونسبوهم إلى مذهب إمامهم رغم وصولهم رتبة الاجتهاد المطلق، من متقدميّ الحنفية أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبا أبي حنيفة، وقد انقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب الإمام أبي حنيفة بعد المائة الثالثة، ومن متقدميّ الشافعية ممن يُعدّون مجتهدين مطلقين منتسبين في مذهب الشافعي، الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري، وإمام الأئمة أبو بكر ابن خزيمة، وغيرهم ممن عدّوهم في أصحاب الشافعي. يقول التاج السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص102) "قلتُ: –أي السبكي-: المحمدون الأربعة محمد بن نصر ومحمد بن جرير –يعني الطبري- وابن خزيمة وابن المنذر من أصحابنا، وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي، المخرِّجين على أصوله، المتمذهبين بمذهبه، لوفاق اجتهادهم اجتهاده، بل قد ادعى من هو بعد من أصحابنا الخلص كالشيخ أبي علي وغيره أنهم وافق رأيهم رأي الإمام الأعظم فتبعوه ونسبوا إليه لا أنهم مقلدون، فما ظنك بهؤلاء الأربعة فإنهم وإن خرجوا عن رأي الإمام الأعظم فى كثير من المسائل فلم يخرجوا فى الأغلب، فاعرف ذلك، واعلم أنهم فى أحزاب الشافعية معدودون، وعلى أصوله فى الأغلب مخرجون، وبطريقه متهذبون، وبمذهبه متمذهبون"أهـ. مع ذلك ينفي السبكي (ص127) إدخال ما خالفوا فيه باجتهادهم في المذهب. يقول: "لأن المحمدين الأربعة ابن جرير وابن خزيمة وابن نصر وابن المنذر، وإن كانوا من أصحابنا، فربما ذهبوا باجتهادهم المطلق إلى مذاهب خارجة عن المذهب، فلا نعد تلك المذاهب من مذهبنا، بل سبيلها سبيل من خالف إمامه فى شيء من المتأخرين أو المتقدمين"أهـ. ويؤكد السبكي على ذلك مرات كثيرة في ترجمة الطبري، منها قوله: "إنه وإن كان مجتهدًا مطلقًا معدود من أصحابنا"أهـ.
ولكن الدهلوي في (الإنصاف) (ص75) يقول عن الطبري: "أما من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق المستقل، فإنه يخرج بذلك عن كونه شافعيًا، ولا تُنقل أقواله في كُتب المذهب، ولا أعلم أحدًا بلغ هذه الرتبة من الأصحاب إلا أبا جعفر بن جرير الطبري، فإنه كان شافعيًا ثم استقل بمذهب"أهـ. وأقول: قد كان المذهب الجريري مذهبًا فقهيًا متبِّعًا بالفعل في وقت من الأوقات، ولكنه درس بعد أن حُصرِت المذاهب الفقهية في الأربعة المتبوعة، وضم متأخرو الشافعية الطبري إليهم، واعتبروه من أصحابهم.
ومن الشافعية أيضًا ممن وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق المنتسب، في طبقة تالية، إمام الحرمين الجويني والإمام الغزالي، أما من متأخري الشافعية، فأشهرهم: الإمام ابن دقيق العيد، والإمام العز بن عبد السلام، والإمام تقي الدين السُبكي، والإمام البُلقيني. يقول التاج السبكي في ترجمة والده الفقيه المجتهد تقي الدين السبكي (ج10، ص153) "أحيا إمامة الشافعي، بنشر مذهبه، ونصر ذي النسب القرشي في علياء رتبه، وقام بالاحتجاج لإمام بني المطلب في الائتمام بشريعة سيد بني عبد المطلب وإقامة الحجة في سبب تقديمه"أهـ. ويصف الصفدي التقي السُبكي في (أعلام العصر) (ج3، ص418) بـ "أوحد المجتهدين"، حيث كانت تُكتب تلك الكلمة للسبكي على أحكامه القضائية –ليس هو من يكتبها-. ومع ذلك نرى الصفدي ينظم الشعر في سعد الإمام الشافعي أن يُعد التقي السُبكي من أصحابه.
وورد في (الإنصاف) للدهلوي (ص73) عن سبب عدم استقلال السُبكي بالاجتهاد المطلق بعيدًا عن نسبته إلى الشافعي "قال الولي أبو زرعة: قلت مرة لشيخنا الإمام البُلقيني: ما تقصير الشيخ تقي الدين السُبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ وكيف يُقلِّد؟ قال أبو زرعة: ولم أذكره هو –أي شيخه البلقيني- استحياء منه، لِما أردتُ أن أرتِّب على ذلك، فسكت البلقيني، فقلتُ -أي أبو زرعة-: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قُدِّرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خرج عن ذلك لم ينله شيء من ذلك، وحُرِم ولاية القضاء، وامتنع الناس من استفتائه، ونُسب إليه البدعة، فتبسم –أي البلقيني- ووافقني على ذلك"أهـ. ويُعقب الدهلوي قائلًا: "أما أنا فلا أعتقد أن المانع لهم من الاجتهاد ما أشار إليه، حاشا منصبهم العليّ على ذلك، وأن يتركوا الاجتهاد مع قدرتهم عليه لغرض القضاء أو الأسباب. هذا ما لا يجوز لأحد أن يعتقده فيهم، وقد تقدم أن الراجح عند الجمهور وجوب الاجتهاد في مثل ذلك، كيف ساغ للولي نسبتهم إلى ذلك؟! ونسبة البُلقيني إلي موافقته على ذلك"أهـ.
وأقول إن ما دوّنه التاج السُبكي في ترجمة الإمام الطبري، يوضح أن سبب عدم إعلان أبيه التقي السُبكي الانفلات من المذهب ليس المناصب كما ظن أبو زُرعة والبُلقيني، بل ربما هو يرى أن التمذهب ديانة، وأن في هذا تضييق لهوة الخلافات بين المسلمين، خاصة بعد أن حُصِرت المذاهب السُنية في أربعة مذاهب منذ عهد الظاهر بيبرس، خاصة وأن تمذهبه لم يمنعه من الاجتهاد في مسائل. وقد تولى السُبكي قضاء الشافعية لأنه بالأساس شافعي مع مخالفته له في نحو مائة مسألة، وحتى من نازع في أن السُبكي إنما وصل لرتبة الاجتهاد في المذهب (الشافعي) وليس الاجتهاد المطلق، فإن هذا لا ينفي اجتهاده، وهو على كل حال رأي ضعيف لم يقل به إلا قلة.
ويشرح الدهلوي في (الإنصاف) (ص93-94) الأسباب التي أدت بعد ذلك إلى أن دبّ التقليد في صدور العلماء والعوام. يقول: كان سبب ذلك:
·        تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، فإنهم لمّا وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى، كان كل من أفتى بشيء نُوقض في فتواه، ورُدّ عليه، فلم ينقطع الكلام إلا بالمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة.
·        جور القضاة، فإن القضاة لمّا جار أكثرهم ولم يكونوا أمناء، لم يُقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه، ويكون شيئًا قد قيل من قبل.
·        جهل رءوس الناس، واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث، ولا بطريق التخريج، وهذا ظاهر في أكثر المتأخرين، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيهًا.
ويختم الدهلوي كلامه فيقول: "وفي ذلك الوقت ثبتوا على التعصب"أهـ.
وقد كان من أشد المتضايقين من هذا الوضع الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، المتوفي سنة 456هـ، فصنّف الباب السادس والثلاثين في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" تحت عنوان "في إبطال التقليد"، وناقش فيه دعاوى المقلدين وأورد الروايات الكثيرة للرد عليهم. والملاحظ أنه كان يتكلم تحديدًا عن تقليد الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي دون غيرهم، ولم يأت على سيرة باقي الأئمة أصحاب المذاهب كالإمام أحمد وأبي ثور وكبار أصحاب أبي حنيفة ومالك إلا مرات معدودة، ما يدل على أن تلك المذاهب الفقهية الثلاثة كانت الغالبة لدى الناس حتى قبل إصدار الظاهر بيبرس لقراره الشهير بتخصيصها –إضافة للمذهب الحنبلي- ليكون القضاة من بين علمائها.
وأورد هنا بعضًا مما أورده ابن حزم. يقول:
·     وليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة -نعني التقليد- إنما حدثت في الناس وابتديء بها بعد الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة، وبعد أزيد من مائة عام وثلاثين عامًا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن قط في الإسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدًا على هذه البدعة، ولا وجد فيهم رجل يقلد عالمًا بعينه فيتبع أقواله في الفُتيا فيأخذ بها ولا يُخالف شيئًا منها.
·     قال أبو محمد: وهذا أقبح ما يكون من التقليد وأفحشه، كالذي يفعل مقلدو مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ فإنهم إنما يأخذون من الحِجاج ما وافق مذهبهم وإن كان خبرًا موضوعًا أو شغبًا فاسدًا، ويتركون ما خالفه وإن كان نص قرآن أو خبرًا مسندًا من نقل الثقات.
·     والعجب أنهم ينسون التقليد ويقولون إن المقلد عاص لله، ويقولون لا يجوز أن يؤخذ من أحد ما قامت عليه حجة، ويقولون ليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، ثم إنهم مع هذا لا يفارقون قول صاحبهم بوجه من الوجوه.
·     ويكفي من هذا أن كل ما ذكرنا من الفقهاء الذين قُلدوا مبطلون التقليد، ناهون عنه، مانعون منه، مخبرون أن فاعله على باطل. وقد حدثنا حمام عن الباجي عن أسلم القاضي عن المازني عن الشافعي أنه نهى الناس عن تقليده وتقليد غيره.
·     هذا وهم يقرون أن الفقهاء الذين قلدوا مبطلون للتقليد وأنهم قد نهوا أصحابهم عن تقليدهم، وكان أشدهم في ذلك الشافعي فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار والأخذ بما أوجبته الحجة حيث لم يبلغ غيره، وتبرأ من يقلد جملة، وأعلن بذلك نفعه الله به وأعظم أجره، فلقد كان سببًا إلى خير كثير. فمن أسوأ حالًا ممن يعتقد أن التقليد ضلال، وأن التقليد هو اعتقاد القول قبل اعتقاد دليله، ثم هم لا يفارقون في شيء من دينهم، وهذا مع ما فيه من المخالفة لله عز وجل، ففيه من نقص العقل والتمييز عظيم. نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة، فكل شيء بيده لا إله إلا هو.
·     وقد حدثنا أحمد بن عمر العذري...... حدثني الهيثم بن جميل قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قومًا وضعوا كتبًا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا ونأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: صح عندهم قول عمر، قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يُستتابون.
·     وقال أبو حنيفة: "علمنا هذا رأي من أتانا بخير منه قبلناه منه".
·     ثم إنا نقول إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم يصحبه من الله عز وجل معجزة، ولا ظهرت عليه آية، ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ ولا بالولاية، وأعجب من ذلك إن كان من التابعين فمن دونهم.
·     فليت شعري كيف قصرت عقولكم عن فهم ما افترض الله تعالى عليكم تدبره والأخذ به، واتسعت عقولكم للفهم عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وما أمركم الله تعالى قط بالسماع منهم خاصة دون سائر العلماء، ولا ضمن لكم ربكم تعالى قط العون على فهم كلامهم كما ضمن لكم في فهم كلامه إنه لا يكلفكم إلا وسعكم.
وذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" (ج3، ص469) ‏"وقد فرّق أحمد بين التقليد والاتباع، فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتّباع أن يتّبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو بعد في التابعين مخيَّر. وقال أيضًا: لا تُقلدني ولا تُقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا"أهـ.
وقال السيد سابق في "فقه السُنة" (ج1، ص8): "بذل أئمة المذاهب الأربعة أقصى ما في وسعهم في تعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم به، وكانوا ينهون عن تقليدهم، ويقولون: لا يجوز لأحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، وصرّحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح؛ لأنهم لم يكونوا يقصدون أن يُقلَّدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم، بل كان كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله. إلا أن الناس بعدهم فترت هممهم، وضعفت عزائمهم، وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه، ويُعول عليه، ويتعصب له، ويبذل كل ما أُوتي من قوة في نُصرته، ويُنزل قول إمامه منزلة قول الشارع، ولا يستجيز لنفسه أن يُفتي في مسألة بما يُخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يُخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ. وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واُعتبر كل من يخرج، عن أقوال الفقهاء مبتدعًا لا يُوثق بأقواله، ولا يُعتد بفتاواه. وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية، ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب، والانصراف، عن الاجتهاد، محافظة على الأرزاق التي رُتّبت لهم!!"أهـ.
وأورد ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص989) (‏1887) "قال عبد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تُقاد وإنسان يُقلد". هذا، وقال ابن عبد البر: ولم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا".
وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (ج3، ص453): "والمصنفِّون في السُنة، جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله، وبين زلة العالِم؛ ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالِم قد يزلّ ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، ويُنزَّل قوله منزلة قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمّه كل عالم على وجه الأرض، وحرّموه، وذمّوا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زلَّ فيه وفيما لم يزلّ فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد، فيُحلّون ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، ويُشرّعون ما لم يشرّع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منفية عمن قلّدوه، فالخطأ واقع منهم ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "اتقوا زلّة العالم، وانتظروا فيئته". ومن المعلوم أنّ المخوفّ من زلة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخف من زلة العالم على غيره"أهـ.
وغير ذلك من الأقوال الكثير مما قاله أصحاب الأئمة عن أئمتهم، وما سرده العلماء من أدلة، كأمثال ما رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"، وابن القيم في "إعلام الموقعين"، والتي تؤكد بطلان التقليد وعدم جواز التعبد بمذهب معين. أما اتِّباع رأي ثبت عليه حجة فمسوغ في الشرع، على ألا يكون الحامل على الأخذ به والتعصب له أنه قول فلان صاحب المذهب الذي أُقلده.
لكن للدهلوي حكم في (الإنصاف) عن تقليد العوام لإمام بعينه، فيرى أنه قد يكون واجبًا، وقد لا يكون واجبًا. يذكر (ص79) "إذا كان إنسان جاهل في بلاد الهند أو في بلاد ما وراء النهر، وليس هناك عالم شافعي، ولا مالكي، ولا حنبلي، ولا كتاب من كتب هذه المذاهب، وجب عليه أن يُقلِد لمذهب أبي حنيفة، ويحرم عليه أن يخرج من مذهبه، لأنه حينئذ يخلع ربقة الشريعة ويبقى سُدى مهملًا، بخلاف ما إذا كان في الحرمين، فإنه متيسر له هناك معرفة جميع المذاهب، ولا يكفيه أن يأخذ بالظن من غير ثقة، ولا أن يأخذ من ألسنة العوام، ولا أن يأخذ من كتاب غير مشهور"أهـ. ولا شك أنها حالة خاصة لا يصح تعميم حكمها.
وجاء في (جامع بيان العلم وفضله) (ج2، ص983) (‏1874) عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اغد عالمًا أو متعلمًا، ولا تغد إمعة فيما بين ذلك"، وعنه قال: "كنا نعد الإمعة في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المُحْقِب دينه الرجال"أهـ. قال المحقق: قال ابن الأثير في "النهاية" (ج1، ص412): "الذي يُقلد دينه لكل أحد، أي يجعل دينه تابعًا لدين غيره بلا حجة ولا برهان ولا رويّة". وروى ابن عبد البرّ أيضًا في (جامع بيان العلم وفضله) (ج2، ص984) (1878) وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي: "الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق"أهـ. جعلني الله وإياكم من المتعلمين على سبيل النجاة، وأبعدنا عن أن نكون من جملة الهمج الرِعاع.
وأقول: فماذا لو رأى أئمتنا ما آل إليه الحال من انعدام الاجتهاد في عصرنا إلا فيما ندر، مع وجود مستحدثات كثيرة تستوجب من الفقهاء الإفتاء فيها، ولكن اقتصر اجتهادهم على البحث عما يشابهها في فتاوى أئمة المذاهب، وقصُرت رتبة معظمهم أن يجتهدوا فيها اجتهادًا يوفق بين نصوص الشريعة ومقاصدها وظروف العصر؟!
وأقول أيضًا: إن كتب التاريخ والتراجم قد حفظت لنا من الروايات الكثير التي تؤكد أن كبار أئمة المذاهب كانوا يأخذون في أحايين بآراء أئمة المذاهب الأخرى، ولا مجال هنا لسرد بعض تلك الروايات، ولكنّا انتقلنا إلى عصور صار العوام ممن لا يفهمون الأدلة التي بُنيت عليها الأحكام يتعصبون أكثر من الأئمة الذين قرروا الأحكام بأنفسهم!!؛ إذ أن الجانب الأهم للموضوع، هو تأثيرات ذلك التقليد والتعصب المذهبي على الأمة الإسلامية ككل؛ حيث أصبح رافدًا دائمًا للخلافات ومنبعًا للتطرف بين مذاهب أهل السنة، وبينهم وبين الشيعة. وصدق ربيعة بن أبي عبد الرحمن "ربيعة الرأي" الفقيه المشهور، فيما حكاه عنه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص989) (1885) قال: "الناس عند علمائهم كالصِبيان في حجور أمهاتهم، ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا"أهـ.‏
يقول السيد سابق في "فقه السُنة" (ج1، ص9): ‏"كان من آثار ذلك التقليد أن اختلفت الأمة شيعًا وأحزابًا، حتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي –خطأ واضح، والصحيح الحنفي بالشافعية-، فقال بعضهم: لا يصح؛ لأنها تشك في إيمانها –تقول: مؤمنة إن شاء الله، فاعتبره بعض المتهوكين شكًا-، وقال آخرون: يصح قياسًا على الذمية، كما كان من آثار ذلك انتشار البدع، واختفاء معالم السُنن، وخمود الحركة العقلية، ووقف النشاط الفكري، وضياع الاستقلال العلمي، الأمر الذي أدى إلى ضعف شخصية الأمة، وأفقدها الحياة المنتجة، وقعد بها عن السير والنهوض، ووجد الدخلاء بذلك ثغرات ينفذون منها إلى صميم الإسلام. مرت سُنون، وانقضت القرون، وفي كل حين يبعث الله لهذه الأمة من يُجدد لها دينها، ويوقظها من سُباتها، ويوجهها الوجهة الصالحة، إلا أنها لا تكاد تستيقظ حتى تعود إلى ما كانت عليه، أو أشد مما كانت"أهـ.
ودائمًا نجد ارتباطًا بين التطرف والتقليد، حتى أن المتطرفين يغيرون في المصطلح ليوافق رغباتهم في التقليد والالتزام بمذهبهم وإن خالف الجمهور. يقول عبد الله الجبرين في مقدمة تحقيقه لشرح الزركشي الحنبلي على مختصر الخرقي (ص40): "وبالجملة فنحن لا نُلزم بما في هذا الكتاب لكونه قول الإمام أحمد، كما لا نقول بالتقيد بما في كتب الحنابلة، كالمحرر والمقنع والعمدة والهداية ونحوها، لكن لمّا كان هذا الشرح الذي بين أيدينا يعتني بإيراد الأدلة الشرعية وذكر التوجيهات وما يرجح به كل قول وما له أو عليه، ويناقش ما يرد عليها من اعتراضات وأجوبة ضعيفة، أصبحت له هذه الميزة الشريفة، مما يكون مرجحًا له على الكثير من المؤلفات في هذا المذهب وغيره، فإن الواجب على المكلف إذا لم يكن معه أهلية وقدرة على معرفة كل قول بدليله من الكتاب والسنة أن يرجع إلى أهل العلم أو مؤلفاتهم التي تعتني بالأدلة والأصول الشرعية، وليس هذا تقليدًا، فإن التقليد المذموم هو التقيد بقول شخص بعينه، لا يخرج عنه في التحليل والتحريم بغير دليل، أما هذا فهو اقتداء بمن يحتج بالأدلة الشرعية"أهـ. فهل باقي الأئمة يحللون ويحرمون بغير دليل؟! وكما نرى فالخاتمة تناقض ما بدأ به، وليس هذا بغريب عليهم.