السبت، 27 فبراير 2021

248-الدولة المصرية وإهدار مفهوم الملكية الخاصة للمواطنين

 

الدولة المصرية وإهدار مفهوم الملكية الخاصة للمواطنين

د/ منى زيتون

السبت 27 فبراير 2021

وعلى المثقف، الأحد 28 فبراير 2021

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/953736

في مقال سابق بعنوان "اضطراب الشخصية المتعدد كحل سياسي" تطرقت إلى قضية تقمص الرئيس السيسي لبعض الشخصيات التاريخية لتخرجه من ورطاته وعثراته المتلاحقة سياسيًا ‏واقتصاديًا!‏

شرحت في ذلك المقال مفهوم هذا الاضطراب وأسبابه، وذكرت فيه أن السيسي يتبادل تقمص شخصيتين رئيسيتين منذ عرفناه؛ هما شخصية الخديو إسماعيل، وشخصية الرئيس السادات. ثم ذكرت أنه عندما تلاحق الضغوط كلا الشخصيتين اللاتي يتم تبادل تقمصهما ولا يمكن لأيهما تخفيفها عن النفس فإن ذلك يدفع الفرد إلى الهروب إلى شخصية ثالثة وربما رابعة لتخفيف أو تجنب الضغط النفسي الذي تضعه فيه سلوكياته.

وكان ذلك المقال بمناسبة استقبال مصر وفد من القبائل الليبية والتي فُسرت بمحاولة التدخل العسكري المصري في ليبيا، وقلت إن التاريخ لا زال يذكر لعبد الناصر اجتماعه بوفد قبائل اليمن ليعطوه تفويضًا بالتدخل العسكري في اليمن. وكان المقال متزامنًا أيضًا مع قرارات السيسي المتفرقة بشأن مخالفات البناء ونزع الملكيات الخاصة، وقلت وقتها إنه أصبح معنا عمر المختار، وأيضًا جمال عبد الناصر!‏

وربما كان علينا أن نحمد الله تعالى لأنه لولا نكسة 1967 التي تُذيل تاريخ عبد الناصر لكانت شخصية جمال عبد الناصر هي الشخصية الرئيسية التي يتقمصها السيسي؛ فهو الضابط الثائر مثله، والذي تحالف مع الإخوان ثم غدر بهم مثله، والذي يرى في نفسه زعيمًا ذا كاريزما مثله! وإن كان أي مدقق سيرى البون الشاسع بين الشخصيتين، خاصة في مسألة الكاريزما، فكاريزما السيسي متوهمة لا وجود لها سوى في عقله.

لكن يمكنني الجزم بأن نكسة 1967 لم تلغِ حالة الإعجاب والتقمص لدى السيسي بشخصية عبد الناصر، ولكنها جعلته يكتفي بمحاكاته جزئيًا في بعض سياساته الداخلية مع تخوف وحذر من تقليده في سياساته الخارجية خشية أن تدور الأيام عليه، فتخوف السيسي من إرسال جنود مصريين إلى اليمن، وتخوف أيضًا من التدخل العسكري في ليبيا، وهذا من حسن الحظ. والقول ذاته صحيح بأن السيسي أيضًا يحذر من أن تسوقه السلوكيات التي يحاكيها لدى عبد الناصر في سياساته الداخلية إلى أن تنقلب الأوضاع داخليًا عليه، ولعل حالة عدم الاستقرار التي سادت الشارع المصري في الربع الثالث من سنة 2020 اعتراضًا على قراراته بهدم المباني غير المرخصة قد زادت تخوفه من أن يحذو حذو ناصر تمامًا.

وهنا يجدر بي أن أشير إلى أنه ليس كل بناء يُبنى دون ترخيص هو عدوان من المواطنين على الرقعة الزراعية أو تخطي لسيادة القانون، فكثير من الأراضي التي تعتبرها الدولة أراضٍ زراعية ليس لها مسقى لتُروى منه؛ لأن الترع والقنايات التي كانت توصل مياه الري إليها تم ردمها منذ عقود. وهناك حي في محافظة الشرقية بُني على أكتاف المواطنين وبأموالهم، وكانت تُعطى تراخيص البناء فيه للمواطنين في أواخر القرن العشرين، ثم أوقف الحي تراخيص البناء لاستغلال المواطنين بإجبارهم على تحمل تكاليف إدخال المرافق إلى مبانيهم، وهو ما حدث، ثم يأتي الحي ذاته اليوم يطالب المواطنين بدفع غرامات لترخيص مبانيهم التي بُنيت تحت سمع وبصر الحي! والأدهى والأمر أن طالب الحي أحد الحاصلين على ترخيص بالبناء منذ حوالي ربع قرن بسداد غرامة البناء دون ترخيص! وبرج بالكامل كان مرخصًا للبناء من أرضه لسمائه تم هدمه ضمن حملة الإزالة، ودون إنذار، فأصابت صاحبه جلطة ومات من فوره.

فلم تكن حملة نظام السيسي بشأن تراخيص البناء هي قراراته الأولى التي تظهر رغبته في التعدي على الملكيات الخاصة للمواطنين وكأن ليس لأحد أن يملك في مصر غيره أو بإذنه، وكأن كل ما في مصر ملك للدولة –والتي يراها مساوية لنفسه؛ فالدولة= السيسي- وله أن يتصرف فيه كما يشاء، محاكيًا ومقلدًا بذلك جمال عبد الناصر، وكان السيسي قد أصدر قبل سنوات قرارات خصت الاستيلاء على ملكيات ‏الإخوان تحديدًا فيما يشبه التأميم الناصري لأموال فئة الباشوات، وقرارات أخرى لنزع الملكية الخاصة عن سكان مناطق كثيرة بدعوى المنفعة العامة، وادعاء ملكية الدولة لمناطق أخرى كجزيرة الوراق وغيرها ومحاولة نزع ملكيتها من سكانها، وإلغاء تطبيق مبدأ "التقادم المكسب للملكية" على أرض الواقع، وعدم الاعتراف به.

ولن أتكلم كثيرًا عن تأميم عبد الناصر وما أحدثه من خلل وتغير في تركيبة المجتمع المصري، لأن السيسي لا يقلده بحذافيره، فعلى الأقل كان ناصر يبني صروحًا صناعية عملاقة مملوكة للدولة، ولكن السيسي لا يهدر فقط الملكية الخاصة للمواطنين، بل ولا يبقي ملكية عامة ذات قيمة وتدر دخلًا للدولة، فكل ما عدا القصور والطرق والكباري يعاديه ويفسده، فلم يسلم منه حتى الشجر، ورأينا مؤخرًا إفساده مصنع الحديد والصلب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقانون الإيجار القديم الممتد رغمًا عن أنف المالك بأمر من الدولة هو مثال آخر على إهدار الدولة للملكية الخاصة للمواطنين؛ حيث قامت الدولة بتأبيد العقد، ثم بتوريثه لورثة المستأجر، وكأن الدولة قد حولت العقار من ملك للمالك إلى وقف خيري يجري على المستأجر وورثته من بعده، في سابقة لم يسمع بها العالمين من قبل عبد الناصر، ولا زالت المهزلة مستمرة ولا حياء لدى المسئولين ولا المستأجرين!

وبدءًا من مارس 2021 تسعى الدولة المصرية إلى إجبار المواطنين على تسجيل ملكية وحداتهم العقارية بالشهر العقاري عن طريق ربط إدخال ونقل المرافق للعقار بوجود عقد مسجل في الشهر العقاري يثبت الملكية. وهو إجراء يبدو ظاهريًا منطقيًا ومتعارفًا عليه في دول العالم كافة، كما كان عُرفًا سائدًا لدى المصريين حتى عهد عبد الناصر، ثم بدأ المصريون منذ الستينات من القرن العشرين يلجأون إلى عقود البيع الابتدائية وعقود الإيجار الصورية -لوحداتهم التي يملكونها- عوضًا عن التسجيل في الشهر العقاري، ولعل في هذا ما يدعو العاقلين للتساؤل عن أسبابه. فهل السبب كان التهرب من دفع رسوم تسجيل الوحدة أم أن هناك أسبابًا إضافية قل أن يتكلم عنها أحد؟

المتعارف عليه شرعًا وقانونًا أن العقد المدني هو شريعة المتعاقدين، وأن للعقد طرفين لا ثالث لهما هما من يحددان بنوده، وبالنسبة لعقد البيع فطرفاه هما البائع والمشتري، والمفترض قانونًا أن يقوما بالتوجه إلى مكتب الشهر العقاري التابع له العقار لتسجيل ما اتفقا عليه في عقد البيع والتوقيع عليه أمام موثق العقود، والذي تقتصر وظيفته على الإشهاد وأخذ التوقيعات ووضع الأختام الرسمية التي تؤكد صحة العقد، فموثق العقد ليس طرفًا من أطراف التعاقد، وهو أمر بدهي لم تكن هناك حاجة بي لذكره لولا الانقلاب المفاهيمي الذي حدث لدى موظفي الدولة منذ الستينات، والذي جعلهم يظنون أنفسهم شركاء للمواطن في ملكه!

إن المشكلة الكبرى التي تواجه المواطنين والمقاولين في مصر عند بيع وحدات عقارية في بناء كبير هي توزيع حصص الوحدات (الشُقق والمحلات) في أرض العقار، وذلك لأن مساحات الوحدات قد تختلف ومن ثم تختلف حصتها في الأرض، كما أن مساحة الأرض غالبًا ما يُترك جزء منها لا يتم البناء عليه، وكثيرًا ما يخصص المالك هذه الأرض التي لم يُبنَ عليها كحديقة خاصة له إن كان يسكن في العقار، ولا توزع مساحتها على باقي السكان، بل توزع عليهم فقط حصتهم في مساحة الأرض التي تم البناء عليها، وأحيانًا ما يضيف المالك تلك المساحة الإضافية إلى حصة وحدات الدور الأرضي ترغيبًا للمشترين في شرائها باعتبارها فللًا صغيرة ذات حديقة خاصة، وأحيانًا يضيف المالك مساحة إضافية في أرض العقار لبعض الوحدات التي لا تطل على واجهة أو تقع في الدور الأخير ترغيبًا للمشترين، وكل هذه الممارسات المشروعة للمالك -باعتبار أن من حكم في ماله ما ظلم- قد صارت في خبر كان منذ أصبح موثقو العقود يضعون أنوفهم في بنود العقد ويغيرونها!

ومن أقسى ما سمعت في هذا السياق أن مقاولًا حصل على ترخيص بناء لبرج من تسعة طوابق، وبنى أول ستة طوابق منه، وباعها وأعطى المشترين عقودًا ابتدائية، فسارعوا إلى تسجيلها، وكان بناء الطوابق الثلاثة الأخيرة لم يتم بعد، فقام موظفو الشهر العقاري بإعادة تحصيص وتقسيم أرض العقار على الشقق التي تم بناؤها فقط فزادوا في حصصها، ولم يراعوا حصص ما لم يتم بناؤه، ما أدى إلى أن شقق الأدوار الأخيرة لم يصبح لها نصيب في أرض العقار وفقًا لعقود الشهر العقاري، وكأن أصحابها يملكون الهواء فقط، فليس لهم نصيب في الأرض رغم أن حصصهم في الأرض مثبتة في العقود الابتدائية!

ولأجل قيام موظفي الشهر العقاري بذلك التلاعب وخيانة الأمانة دون أن يلتفت إليهم أحد فهم يطلبون من المواطنين تقديم "التماس" بقبول تسجيل حصص وحدات العقار في الأرض ويوقعونهم عليه! كما يسجل موثقو العقود في العقد المشهر مساحة حصة الوحدة في العقار بالأسهم وليس بالأمتار كي لا يلحظ أحد تلاعبهم.

إن هذه المشكلة بالإصرار على تعديل حصص وحدات العقارات في الأرض وفقًا لما يراه موظفو الشهر العقاري تتسبب في عزوف كثيرين عن تسجيل وحداتهم والاكتفاء بدعوى صحة التوقيع. والحل ببساطة ليس أن تربط الدولة إدخال المرافق إلى العقار بتسجيله في الشهر العقاري، بل الحل يكمن في أن يعرف موثقو العقود في مصلحة الشهر العقاري حدودهم ولا يتخطوها، ويتفهموا أنهم ليسوا أحد أطراف العقد فلا يعدلوا في حصص الوحدات من الأرض التي اتفق عليها طرفا العقد، والتي تحددت قيمة الوحدة العقارية على أساسها، ولا يعدلوا في أي بند آخر، بل يسجلوا بنود العقد كما اتفق عليها طرفا التعاقد.

وينبغي اعتبار أي تغيير من موثق العقود في بنود العقد الابتدائي بين المالك والمستأجر أو في بنود توكيل المالك للمستأجر بالبيع إخلال بالأمانة من موثق العقود يُعاقب ويُجازى عليه، ونظرًا لأن هناك الآلاف من عقود البيع التي أشهرت في مصر عبر أكثر من نصف قرن قام موثقو العقود بالتلاعب في حصص الوحدات في أرض العقار، فالحل الأمثل هو عدم إلغاء هذه العقود وتعديل القانون بحيث يمكن للمواطن –بائعًا كان أم مشتريًا- التقدم بطلب تصحيح لحصة الوحدات العقارية مصحوبًا بالعقد الابتدائي أو توكيل البيع الصادر من البائع للمشتري، وأن تُضاف "استمارة تصحيح" حمراء اللون وصورة من العقد الابتدائي أو توكيل البيع إلى العقد المُشهر ذي اللون الأخضر، ويتم إعلام جميع الأطراف بذلك التصحيح بواسطة خطابات مسجلة. ويمكن أيضًا إضافة استمارة إلى العقد المُشهر لكل وحدة عقارية تُسمى بـ "استمارة تقسيم أرض العقار على الوحدات"، يوقع عليها مالك العقار الأول، على أن تشمل حصص الوحدات المبنية والمعتزم بناؤها، مع ذكر اسم المشتري صاحب الوحدة التي يتم تسجيلها، ولا يلزم ذكر أسماء أصحاب الوحدات الأخرى، مع تحديد ملكية جزء الأرض التي لم يتم البناء عليها –إن وجدت- في تلك الاستمارة. والأهم أن تفهم الدولة أن هناك ما يُعرف بـ "الملكية الخاصة".

الأربعاء، 17 فبراير 2021

247- المادة والطاقة

 المادة والطاقة

د/ منى زيتون

الأربعاء 17 فبراير 2021

وعلى المثقف، الخميس 18 فبراير 2021

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/953501

مزيد ومنقح ضمن مقالات كتابي "نحو مجتمع عربي متحضر" و "تأملات في كتاب الله"

 

مما لاحظته من خلال تدبري في أحوال الناس أن جماعات من الناس كالعلماء والفلاسفة والمتصوفة يظنون أنهم يتناقضون تمامًا في فهمهم ونظرتهم عن الكون، بينما الحقيقة أنهم جميعًا –وإن كان البادي اختلافهم- قد يقولون الكلام عينه ويرون الرأي ذاته بطريقة أو بأخرى. فإن كان بعضهم يدعي أنه يتحدث بالمنطق وبعضهم يرى بالحدس، فعن نفسي أرى أنه ليس مستحيلًا أن تكون شديد المنطقية وشديد الحدس في الآن ذاته، وهذا ما أفعله لأكتشف بناءً عليه الرابط بين أفكار قد يبدو ظاهريًا ألا رابط بينها!

تحولات المادة والطاقة

لطالما شغلني التدبر في خلق الكون والكائنات، وكنت قد كتبت مقالًا سابقًا بعنوان "الله الخلاق" أدون فيه أفكاري بشأن خلق الأنواع الحية، ولكن هناك قضية أخرى أراها ذات أهمية في توصيف عملية الخلق، وهي قضية "تكافؤ المادة والطاقة" من المنظور العلمي، مع ما ترتبط به من مفاهيم ومعتقدات لدى القدماء.

علمونا ونحن صغار أن الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، ولكنها تتحول من صورة إلى صورة أخرى، فبعد أن آكل ثمرة فاكهة تتحول الطاقة الكيميائية المختزنة في تلك الثمرة إلى طاقة حركية عندما أحرك أطرافي وينبض قلبي وتتحرك أمعائي ونحوه، وإلى طاقة حرارية تبقي الحرارة ثابتة في جسدي.

ونعرف أيضًا أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث، وأن شخصًا يموت فلا تفنى مادة جسده ولا تفنى عناصره –وإن فني هو كإنسان-، بل تتحلل مادة جسده إلى عناصر تعود إلى التربة لتدور دورة جديدة في الطبيعة، ولتدخل تلك العناصر في تركيب مواد أخرى. ونعلم أن للعناصر دوراتها المختلفة في الطبيعة، والله سبحانه وتعالى أوجد منذ اللحظة الأولى لخلق الأرض ما يكفي من الموارد فيها؛ فلا شيء يزيد ولا شيء ينقص ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10].

إذًا فكل ما يحدث في الكون منذ لحظة الخلق الأولى وانتهاءً بختام الحياة وحلول القيامة هو تحولات في المادة وتحولات في الطاقة.

ولكن الأهم أن هناك تحولات ما بينهما؛ فمادة تتحول إلى طاقة وطاقة تتحول إلى مادة، وأن هناك تكافؤًا بين المادة والطاقة، وفقًا للمعادلة الشهيرة التي نتجت عن نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين [ط = ك.س² (بالإنجليزية: E=mc²)‏] أي أن طاقة المادة تساوي حاصل ضرب كتلة المادة في مربع سرعة الضوء. وكانت هذه المعادلة سببًا في اكتشاف الطاقة النووية (طاقة الانشطار النووي). وببساطة يمكن القول إنه من الثابت علميًا أن كتلة المادة –أي مادة- قابلة لإطلاق وتحرير طاقة منها. كما أن بمقدورنا أن نصف الشمس بأنها أكبر مفاعل اندماج نووي تصدر الطاقة الضوئية والحرارية عن طريق تحول المادة.

وهذا من منظور العلم، أما من المنظور الميثولوجي وحكايا القدماء فطالما اعتقد القدماء أن الحسد والحقد –كطاقة سلبية- لا يؤثران وحسب على طاقة ومادة جسد من توجهت إليه تلك الطاقة السلبية، بل هما يأكلان –مادة- جسد صاحبهما فيصيبه بعض سمه، وكان العرب يضعون النحافة الشديدة على رأس العيوب في المرأة "شرهن النحيفة الجسم القليلة اللحم"، ويحذرون لأجل ذلك من تزوج المرأة شديدة النحافة تخوفًا من أن نحافتها الزائدة دالة على سوء طبعها وكاشفة لنواياها الشريرة تجاه الآخرين، وربما أيضًا كاشفة لعدم رضاها وشدة تبطرها وكثرة شكايتها مما يلزم ومما لا يلزم، ولم يعرفوا أنه في نهاية الزمان ستصير هذه النحافة الشديدة شديدة المرغوبية لدى كثير من النساء! لكن تلك النظرة البدائية –على بساطتها- كانت ثاقبة في استكشاف العلاقة بين طاقة الجسم ومادته، وأن تحرر الطاقة من المادة ينقص كتلتها! وإن كان حديثهم عن هذا النقص اختص بالطاقة السلبية لدى النساء لأن النساء في البيئة البدوية لم يكن يعملن خارج المنزل أعمالًا تستهلك الطاقة.

طاقة الحروف والكلمات

قديمًا تحدث العرب عن أن للحروف طاقات، وقسموا حروف العربية الثمانية والعشرين إلى أربع طاقات أساسية؛ نارية وترابية وهوائية ومائية، وكل مجموعة تضم سبعة حروف، فالنارية (أ، هـ، ط، م، ف، ش، ذ) والترابية (ب، و، ي، ن، ص، ت، ض) والهوائية (ج، ز، ك، س، ق، ث، ظ) والمائية (د، ح، ل، ع، ر، خ، غ).

ولكل حرف منها وزن للطاقة يؤثر في طاقة الكلمة التي يدخل فيها. فأول حرف ناري (الألف) يكون ميزانه الأعلى (7)، والحرف الناري الذي يليه (الهاء) يكون ميزانه أقل درجة (6)، وهكذا في كل مجموعة حروف. وعليه فلوزن أي كلمة، نراجع طاقة ووزن الحروف المكونة لها، وترتيبها فيها.

والكلام إجمالًا يحمل طاقة يصعب توصيف نوعها بلغة العلم، فهل يمكن أن نصفها بأنها موجات ميكانيكية لأنها أصوات؟ وهل طاقة الكلام هي ما يحدثه الصوت الصادر من تضاغطات وتخلخلات في الوسط المحيط به بغض النظر عن المحتوى؟! وماذا عن الكلام المكتوب الذي نقرأه وإلا فلماذا نقرأ القرآن، ولماذا يقرأ أصحاب الديانات الأخرى كتبهم؟! وماذا عن الدعاء؟ ولماذا نحفظ صيغًا معينة كالاستغفار والتسبيح للتعبد بها؟

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن علينا أن نقول الخير أو أن نصمت، وأن نتفاءل ونستبشر بالخير، وكان يعمد إلى تغيير الأسماء غير الحسنة، وعلم النفس يؤكد على النصائح ذاتها بأن نكون إيجابيين قدر ما يمكننا وأن نحدث أنفسنا بأننا قادرون على فعل ما نتمنى أثناء سعينا إليه، وأن نوجه الكلمات الإيجابية إلى أبنائنا ونتوقف عن نعتهم بالفاشلين المقصرين.

وتوجد تجارب أُجريت على الماء وعلى النباتات يقوم تصميمها التجريبي على توجيه كلمات إيجابية أو سلبية لقطرات الماء أو للنبات، ودراسة التغيرات الحادثة فيها بعد إرسال هاتين النوعيتين المتعاكستين من الكلمات إليها.

وأظهرت نتائجها أن ترتيب جزئيات الماء –كما ظهر تحت المجهر- تغير وصارت بلوراته مختلفة بحسب الطاقة التي أرسلت إليه، فالكلمات الإيجابية كـ (حب، سلام) أدت لتشكل بلورات ماء رائعة الجمال، والكلمات السلبية كـ "حرب" أدت إلى تشكل بلورات غاية في القبح. والنبات الذي أُطلقت في حقه كلمات المديح من نوعية "أنت نبات جميل" نما ورعرع، بينما النبات الذي وجهت إليه سهام النقد وعدم التقبل، فقيل له إنه نبات قبيح ذبل!

وكنت أتمنى أن يشمل التصميم التجريبي قراءة نصوص دينية كآيات من القرآن الكريم على الماء لنرى تأثير القرآن على شكل بلوراته.

وهذه التجارب تثبت أن للكلمات وللحروف طاقة، كما تثبت أيضًا أن التغير لا يقتصر على تحولات المادة والطاقة والتحولات ما بينهما، فالطاقة –إيجابية كانت أو سلبية- تؤثر في تشكيل المادة، حتى مع ثباتها كمادة وعدم تحولها إلى طاقة، أو إلى مادة أخرى، أو حتى تبدل حالتها؛ فالماء السائل الذي أُجريت عليه التجارب بقي ماءً سائلًا فلا هو صار لبنًا ولا هو تبخر أو تجمد.

طاقة الأرقام

ما لا يكاد يعرفه أغلب العرب المعاصرين أيضًا أن النظام الرقمي وعلم الجبر هما ‏هديتا العرب إلى العالم؛ فالعرب هم الأمة الوحيدة التي اعتبرت الأرقام الأولية تسعة (1، 2، ‏‏3، 4، 5، 6، 7، 8، 9)، وقالوا إن الأرقام تدور في تسعات وتنتظم في عشرات؛ فبعد ‏التسعة أرقام الأولى تدور تسعة ثانية ثم ثالثة إلى ما لا نهاية (10=1، 11= 2، 12=3، ‏‏.......). أما ما عداهم من الأمم فكانوا يستخدمون الترقيم الروماني، والذي توجد فيه ثلاثة ‏أرقام أولية فقط (1، 5، 10) ولكنه تميز بأنه كان نظامًا رمزيًا، ورموزه ‏‎(I, V, X)‎‏ وتتشكل ‏منها كل الأرقام، والنظام الروماني الرقمي كانت تنتظم أرقامه فيما يشبه الحزم، ولا يمكن ‏تطويعه لإجراء أي عمليات حسابية منه.‏

وكانت عبقرية الخوارزمي العالم المسلم الذي اتصل بالعرب بسبب دينه أنه وضع ‏رموزًا لتلك الأرقام الأولية العربية التي كانوا يعبرون عنها بالكتابة فقط، فكانت رموزه ‏‎(1, 2, ‎‎3, 4, 5, 6, 7, 8, 9)‎، واخترع اللا شيء وأسماه الصفر ووضع له رمزًا هو الآخر ‏‎(0)‎، ثم وضع ‏نظام خانات الآحاد والعشرات والآلاف ليعبر عن الأرقام الأكبر من الأرقام التسعة الأولية، ‏وكان هذا النظام الرقمي العربي السبيل لتطوير العمليات الحسابية؛ فأمكن من خلاله إجراء ‏عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة، كما أمكن التعامل مع الكسور والأرقام العشرية، ‏حتى تمكن البشر في عصرنا من حساب الثوابت الكونية على دقتها.‏

وكما أن لكل حرف طاقة، فلكل رقم من الأرقام التسعة الأولية طاقة، فالرقم (1) ‏رقم الاستقلالية والقيادة ويعبر عن البدايات، والرقم (2) رقم التوازن والانسجام في العلاقات ‏‏والشراكات، والرقم (3) رقم العمل الجماعي والتواصل الاجتماعي الناجح وتأخر الاستقرار، ‏والرقم (4) رقم ‏الاستقرار والإدارة والبناء والتنفيذ، والرقم (5) رقم السفر والتعلم والانفتاح ‏والتكيف، والرقم (6) رقم الجمال والإخلاص والدفء والطيبة والبحث عن العلاقات ‏الناجحة، ولكن مع فشل في وضع ‏حدود صحية في هذه العلاقات. وهو رقم التناقض لأنه ‏مثلثان أحدهما ينظر لأعلى والثاني ينظر لأسفل!‏ والرقم (7) رقم الحدس والفلسفة والروحانية ‏والتأمل العميق، والرقم (8) رقم المال والوفرة والتجارة والاقتصاد، والرقم (9) رقم ‏الإنسانية ‏والحقوقية والمساواة والوصول للهدف؛ فهو رمز الاكتمال لبدء دورة جديدة بعده، وهو رقم ‏الاستمرارية ‏فكل ما يأخذ الرقم (9) في حياتنا يبقى ويستمر طويلًا كونه رقم الاكتمال.‏

ولكل رقم أكبر من الأرقام الأولية طاقة تُشتق من طاقات الأرقام الأولية المكونة له، ‏ومن طاقة الرقم الأولي الذي يتبعه، فرقم (91) على سبيل المثال طاقته تشتق من طاقة ‏الرقمين (1، 9) وطاقته الأولية (1) لأنه بداية دورة رقمية تسعية جديدة، بعد أن اكتملت ‏الدورة التسعية السابقة عليه برقم (90). ورقم (53) طاقته تُشتق من طاقة الرقمين (3، 5) ‏وطاقته الأولية (8).‏

والأرقام الأولية التسعة تتفاعل مع طاقات الطباع الأربعة لتعطي معانٍ ودلالات ‏أعمق، وربما كان لنا حديث عنها في مقال آخر.‏

ضبط طاقة المادة

عُرف عن الصينيين القدماء نظرتهم إلى المرض على أنه تغير في مسارات طاقة الجسم، وكانوا يلجأون لعلاجات مثل استخدام نوع من الأحجار الكريمة والوخز بالإبر في مواضع خاصة بالجسم، لإصلاح طاقة العضو العليل. كما اشتهر عن المصريين القدماء استخدامهم لما يُعرف بـ "ثالوث الأحجار المقدسة" لصد الطاقات السلبية والشريرة من سحر وحقد وحسد وغيرها عن جسم من يرتديها، وهذا الثالوث يتكون من حجر العقيق الأحمر، وحجر الفيروز السيناوي وحبذا لو كانت فيه عروق من نحاس، وحجر اللازورد الأزرق الغامق وكانوا يسمونه حجر إيزيس أو حجر العفة. ونجد هذا الثالوث مطعمًا لأغلب المجوهرات الأثرية التي عُثر عليها، كمقتنيات الفرعون توت عنخ آمون.

وكان ولا زال المتدينون -على اختلاف دياناتهم- يعتقدون أن لتأدية العبادات تأثيرها الإيجابي على طاقة مادة أجسامنا، وهناك تجارب أُجريت على بعض الرهبان من ديانات غير إبراهيمية قاست طاقات أجسامهم قبل وبعد الصلاة، وكان التغير في مستويات الطاقة في أجسامهم واضحًا.

وكما هو ملحوظ أن العبادات ترتبط بمواقيت زمانية وأخرى مكانية، والمواقيت المكانية عند المسلمين ترتبط بالكعبة المشرفة في مكة المكرمة والتي نتوجه لها عند صلاتنا، وبالكعبة وجبلي الصفا والمروة ومنى وعرفات والمزدلفة والمواقيت المكانية المنصوص عليها للإحرام للحج والعمرة. والدراسات عن الكعبة وموقعها بالنسبة لخطوط الطول ودوائر العرض ومجالها الطاقي ونسبتها الذهبية والطواف حولها في اتجاه عكس عقارب الساعة بشكل مماثل لحركة الالكترونات حول النواة، وغيرها دراسات كثيرة، وإن كانت بحاجة للمزيد والمزيد من البحث.

ومن المواقيت الزمانية لأداء العبادات ما يرتبط بدورة الأرض حول الشمس فيتكرر الحدث مرة كل عام كقدوم شهر رمضان وموسم الحج وموعد إخراج الزكاة لكل مسلم، وهي أيضًا ترتبط بدورة القمر حول الأرض لتحديد الأهلة، ومنها ما يرتبط بدورة الأرض حول نفسها وتعاقب الليل والنهار كالصلوات الخمس، وموعد الإمساك والإفطار في يوم الصوم.

وارتباط العبادات اليومية عند المسلمين بتعاقب الليل والنهار وتحديدًا بموضع الشمس في دائرة الأفق بالنسبة للأرض والاختلاف في مستويات الطاقة الكونية الذي يحدث خلال اليوم والليلة دال على أن الصلاة في المواقيت الخمسة لها دورها في ضبط طاقة الجسم وتناسقها مع طاقة الكون، خاصة طاقة الشمس والقمر؛ فالصلاة تحمل أجسامنا بطاقة إيجابية، كما أنها أيضًا تخلص أجسامنا من الشحنات السالبة (الالكترونات) المتراكمة على أجسامنا، خاصة وأن صلاتنا كمسلمين تلزمنا بأن نسجد على سبعة أعضاء على الأرض، لتأخذ منا الأرض تلك الالكترونات السالبة، والتي تُعرف بالكهربية الساكنة. وعلى هذا فالصلاة تغير طاقة مادة الجسم تغيرًا للأفضل، مثلها في ذلك مثل الوضوء وقراءة القرآن والدعاء، وهناك علماء بصدد دراسة أثر التدليك بالماء عند مواضع الوضوء من الجسم على إصلاح مسارات طاقة الجسم، والنتائج مبشرة.

وأما بالنسبة للصيام فهو يسهم في تحرير الطاقة من مادة الجسم لإنقاص كتلته، ولعله لم يبق أحد لم يسمع بصيحة الصيام المتقطع يومين أسبوعيًا، لست عشرة ساعة متواصلة في كل يوم، والذي يعتبر محاكاة لنظام الصيام التطوعي الأسبوعي لدى المسلمين، وبعض الناس يداومون عليه يوميًا كحال المسلمين في صيام شهر رمضان متواصلًا.

ودون قطع للسياق فقد كنت كلما سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: "لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ وَأَخَّرُوا السُّحُور" أتساءل: ما الذي يمكن أن يجعل أحدًا يؤخر إفطاره أو يعجل سحوره فيطيل مدة صيامه عامدًا؟! ولكن بعد ظهور صيحة الصيام المتقطع لست عشرة ساعة والتي يداوم عليها بعض الشباب والشابات طوال العام وحتى في رمضان، فقد فهمت أننا الآن قد زال عنا الخير.

وعودة إلى موضوعنا، فأقول إنه قد ثبت للعلماء أن هناك مصدرين يمكن للجسم أن يحصل على الطاقة من أيهما، وهما الجلوكوز الناتج عن هضم الطعام المأكول المهضوم توًا، والطاقة الناتجة من خلال حرق جليكوجين الكبد والدهون المخزنة في الجسم التي زادت عن حاجته في وقت سابق، والحالة الفسيولوجية المثالية أن يمكن للجسم التبديل بين مصدري الطاقة، فيتعاقبان تعاقب النهار والليل بكل أريحية، فحين يأكل الإنسان يهضم الجسم ما أكله ويستخدمه كطاقة، وحين ينتهي هذا الوقود يبدأ الجسم مباشرة في حرق الدهون المختزنة، وهذا التعاقب يُبقي طاقة الجسم ثابتة فلا صداع يحدث ولا خمول، كما أن تحرير الطاقة من الدهون ينقص كتلة مادة الجسم الزائدة أولًا بأول، ويحافظ على وزن مثالي.


وعملية حرق الدهون تزيد مع ارتفاع مستوى هرمون الليبتين في الدم، وتصل لأعلى مستوياتها الطبيعية في الليل، خاصة أواخر الليل ووقت السحر، ولكن نظام الحياة الحديثة يسمح بالكثير من السهر ما يسبب الجوع والأكل ليلًا، فكأنه لم يعد ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10]، ومن ثم يرتفع مستوى هرمون الإنسولين وينخفض مستوى هرمون الليبتين في الدم وتقل قدرة الجسم على حرق الدهون المختزنة، ومع استمرار الأكل ليلًا وكذا الإكثار من تناول الكربوهيدرات (النشويات والسكريات) يختل نظام تبادل مصدري الطاقة الطبيعي، ويصبح هناك مصدر وحيد يعتاد الجسم استخدامه للحصول على الطاقة، وهو الجلوكوز الناتج من الطعام المهضوم، ما يبقي الإنسان في حالة جوع دائمة كلما نفذ هذا الجلوكوز رغم وجود دهون مختزنة يمكنه تحرير الطاقة منها. إلا أن الحال لا يكون كذلك عندما ينام الإنسان ثم يقوم الليل بالصلاة، فلا يأكل بل يتعبد، فإن هذا ليس من شأنه إفساد نظام تبادل مصدري الطاقة في الجسم.

وضبط طاقة مادة أجسامنا كما يتأثر بالصلاة والصوم ومواعيد تناول الطعام، فهو يتأثر بذكر الله اليومي الذي ينبغي أن يداوم عليه كل مسلم ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: 25-26].

وهناك أوقات يلفتنا ربنا إلى الذكر فيها، وبعضها يفضل فيها الذكر بصيغ محددة؛ يقول تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 17-18]. ومن مأثور الدعاء قولنا: "سبحان الله بكرةً وأصيلًا"؛ والأصيل هو آخر ساعة قبل غروب الشمس﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ والبكرة هي آخر الوقت قبل شروق الشمس﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ فيُسن فيهما الذكر بالتسبيح.

وبالنسبة للطعام، فلأن موعد الوجبتين الرئيسيتين هو وقت العشاء ووقت الظهيرة فالذكر بالحمد مسنون في هذين الوقتين﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾، ومما اعتاد الناس عليه من قديم أن يحمدوا الله بعد أن يفرغوا من طعامهم.

ومن المأثور أيضًا أن الجسم السليم يطلب الراحة ليلًا فينام، والأرق ليلًا علامة على اعتلال الجسم وخلل طاقته، كما أن هناك ثلاثة أوقات من النهار لها علاقة بالنوم؛ ويُسمى النوم فيها بالحيلولة والقيلولة والعيلولة، فنوم الحيلولة هي أن ينام الإنسان بكرةً وبعد شروق الشمس، والنوم في هذا الوقت يحول بين العبد ورزقه، والسعي في الأرض منذ بُكرة الصباح صحة للبدن، أما نوم القيلولة لساعة بين الظهر والعصر فهو من السُنة فيرتاح الإنسان من العمل وقت الظهيرة وقد يغفي غفوة بسيطة ويأكل وجبة خفيفة، وهو مفيد لصحة الجسم، والدراسات العلمية الحديثة أثبتت ذلك، وهو ما دفع كبريات الشركات حول العالم أن تخصص ساعة راحة للعاملين فيها وقت الظهيرة، وخصصت بعضها حجرات للقيلولة بها أرائك مريحة تساعد على راحة الجسم بدلًا من الأثاث المكتبي، وأخيرًا فإن النوم بين العصر والمغرب يسبب اعتلال البدن ومرضه، ولذا يُسمى نوم العيلولة.

مُلحة للختام

وأختم بمُلحة عن ملح الطعام، واسمه العلمي هو كلوريد الصوديوم، وربما كان أكثر المركبات شيوعًا على كوكبنا، فملايير الجزئيات منه تتواجد في مياه البحار والمحيطات، وبالنسبة للقدماء كانت له قيمة أكبر من استخدامه في تطييب الطعام، فكانوا يعتقدون في قدرته على سحب الطاقات السلبية من المادة، سواء كانت جسمًا أو مكانًا.


وكان القدماء يعتقدون أن ظهور كوكب المشتري في السماء ليلًا فأل حسن وسعد وطاقة إيجابية تبث في الكون، ويحبون أن يتعرضوا لها، ولم يكونوا قد رصدوا أقماره بعد، والتي اكتشف جاليليو أكبر أربعة أقمار منها، وتُعرف لذلك بالأقمار الجليلة نسبة إليه، وفي يونيو 2019 اكتشف تلسكوب هابل الفضائي وجود كميات كبيرة من كلوريد الصوديوم على السطح الجليدي لأحد أكبر أقمار المشتري "القمر أوروبا"، والذي يعتقد العلماء أيضًا في وجود محيطات مالحة شاسعة تحت سطحه تحتوى على كميات كبيرة من كلوريد الصوديوم. ومع مزيد من التحليل الطيفي لهذا القمر أصبح العلماء يعتقدون أن "أوروبا" عبارة عن كرة كبيرة أغلبها من ملح الطعام تدور حول المشتري!

 

الجمعة، 22 يناير 2021

246- انتصار الديمقراطية

انتصار الديمقراطية

د/ منى زيتون

الجمعة 22 يناير2021

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/952883

رأى كثير من الأصدقاء والمتابعين في اهتمامي بنتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية وتعويلي على فوز جوزيف بايدن إقرارًا بالهيمنة الأمريكية على دول العالم، وقبولًا بها، وأفرطوا في الحديث عن أن الأمريكان قد فعلوا بدولنا العربية كذا وكذا، حتى أنني لمست من بعضهم الفرحة التي لم يفلحوا في مداراتها عندما اقتحم الرعاع من أتباع ترامب مبنى الكابيتول؛ أن أراهم الله تعالى يومًا أسودًا في أمريكا!

وعن نفسي فأنا أرى أن الإقرار بأن رئيس أمريكا يلعب دورًا أساسيًا في قيادة العالم المعاصر هو إقرار بالواقع، وهو حال الأرض الذي لم يتغير عبر الأزمنة أن تكون هناك دول كبيرة محورية لمن يملكها سطوة على ما عدا دولته، ودول أصغر تتفاوت درجة قوتها وقوة تأثيرها في محيطها وفي العالم أجمع. والإقرار بقوة أمريكا وروسيا والصين وغيرها من الدول الكبرى ليس بالضرورة انبطاحًا ولا خيانة ولا تسليمًا دائمًا بكل ما يأمر به رؤساؤها، مع الأخذ في الاعتبار أن كل رئيس تكون له عهدة رئاسية ومسئول عن سياسة الدولة في فترة عهدته، ولا يُعقل أن تكره بايدن لأن جورج بوش الابن قد خرّب العراق أو لأن نظام أوباما قد دعم وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر، علمًا بأنه لا أوباما ولا بايدن من ساهم في تزوير الانتخابات لصالح مرشحهم.

وعلى كثرة المساوئ السياسية التي كانت لبعض الأنظمة الأمريكية السابقة في حق العرب فلا يُقاس أي عهد منها بعهد دونالد ترامب؛ فترامب –وعلى عكس غيره من الرؤساء الأمريكيين- ديكتاتور بكل ما للكلمة من معنى؛ يريد أن يأمر فيُطاع، وهذا ما لم يستطعه مع حكام أوروبا أو الصين، فساءت علاقة بلاده بهذه الدول إلى أسوأ درجة في تاريخها، ولم يجد من يستطيع أن يمارس معه هيمنة المتسلطين إلا الخانعين الضعفاء من حكامنا، فأجبرهم على الهرولة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، ونهب ما شاء من أموال دولنا التي يديرونها كعزبهم الخاصة، وكان المقابل أن يغض الطرف عن مصائب هؤلاء الحكام، فكانت مقايضة لم نر لها مثيلًا من قبل، وبئست المقايضة!

وفي خلال حوالي سبعين سنة هي عمر دولة إسرائيل لم نر تسارعًا في وتيرة القرارات الأمريكية التي تصب في صالحها وكأنها طرقات فوق رءوسنا مثل ذلك التسارع في عهد دونالد ترامب، والقول بأن هذه عادة جميع رؤساء أمريكا وأنه لا يختلف عنهم هو ادعاء يدل على انعدام تمييز.

ولكن الأنكى –من وجهة نظري لأنه فاتحة شر علينا لم نعهدها من قبل- هو أن حكامنا الخانعين لم يكن لهم رادع طوال فترة عهدته الرئاسية؛ ففعلوا بنا من الأفاعيل ما كان يُعد ضربًا من الخيال لو تنبأ به أحد قبل سنوات لاتهم بالخرق والخرف؛ ومن كان قد نسي فليتذكر كيف وصل الحال إلى التجرؤ على خطف الأمراء ورئيس وزراء لبنان في السعودية، ومرشحي الرئاسة في مصر وأحدهم رئيس وزراء سابق والآخر رئيس أركان الجيش السابق، وكيف تم سجن المعارضين والحقوقيين والعلماء واختلاق القضايا لهم حتى وصلت أعدادهم للآلاف، ثم التبجح أمام جماعات حقوق الإنسان في العالم بأنه ليس لدينا سجناء رأي! وبلغ السيل الزبى بتقطيع أوصال المعارضين البارزين كجمال خاشقجي، وتعذيب وقتل الباحثين الأجانب في مجال حقوق الإنسان كريجيني، وما تبع ذلك من التستر دون خجل على مرتكبي هذه الجرائم.

لذا أرى أن تعشمي في رئاسة بايدن له ما يبرره لأن هناك فارقًا كبيرًا بين أن يوجد بلطجي أبوه بلطجي مثله يشجعه ويؤازره وبين أن يكون للبلطجي أب محترم وقوي وبإمكانه أن يردعه ويرجعه عن حمقه وأفعاله الخرقاء البلهاء التي لا تليق بالعقلاء. والحوادث الأخيرة في أمريكا ذاتها تثبت أن المشكلة الرئيسية ليست في أن يحكم أخرق أحمق بل تكمن في أن يجد هذا الأحمق مساندة ودعمًا، فإن لم يجد من يسانده تم تحجيم حمقه وأمكن السيطرة عليه، وهو ما لم يجده حكامنا من ترامب ولا من جميع أشكال الحثالة البشرية التي تحيط بهم؛ وأعني فئة الطبالين والزامرين من السياسيين والإعلاميين في بلادنا، ولنتذكر ما جرى في انتخابات الرئاسة في مصر عام 2012 ثم في عام 2018 ونتحسر على حال بلادنا.

وعودة إلى يوم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد جوزيف بايدن، وكنت في مقالي الأخير "بذرة الديكتاتورية التي لم تجد لها منبتًا" الذي كتبته بعد ساعات من اقتحام الرعاع أنصار ترامب مبنى الكابيتول قد تنبأت بأن ترامب سيحاول تجهيز مفاجأة جنونية قبل مغادرته البيت الأبيض، وكعادته لم يخيب ظني، فحاول رفع مقطع فيديو على موقع اليوتيوب يثير به أتباعه من جديد قبل يوم التنصيب وتم رفضه، وأوقف الموقع حسابه مؤقتًا لمدة أسبوع، ثم قرر اللعب بآخر ورقة في يده فتصرف كطفل يخبئ ما يعتبرها لعبته كي لا يُجبر على إعطائها لغيره! وقد شاهدت وشاهد معي العالم كيف سارع ترامب بترك البيت الأبيض قبل انتهاء فترة عهدته الرئاسية بساعات في طائرة رئاسية مصحوبًا بالحقيبة النووية التي يحق له الاحتفاظ بها كرئيس حتى الثانية عشرة من ظهر يوم تنصيب خلفه بتوقيت واشنطن، ولا يملك أحد مطالبته بها حتى ذلك الوقت، وكأنه أراد أن يهرب بها إلى بيته في فلوريدا، مانعًا من تسليمها إلى بايدن في حفل تنصيب الأخير! وإن كانت وكالات الأنباء قد ذكرت أن مسئولًا دفاعيًا قد رافقه لاستعادة الحقيبة منه على أن يتم إعطاء حقيبة بديلة لبايدن ضمن مراسم التنصيب، فإن هذا التصرف كافٍ وحده لتحديد مستوى النضج الانفعالي المتدني لهذا الطفل الكبير!

وقد عرّض بايدن بترامب في خطاب تنصيبه رئيسًا، وشبهه بهتلر –مع عدم التصريح بالمشبه به- عندما تحدث عن إثارة النعرات العرقية، وأنه كرئيس لكل الأمريكيين لن يسمح بتلك الدعوات العنصرية التي تتحدث عن سيادة العرق الأبيض في أمريكا، واستعان بقس أسود ليلقي كلمة في حفل التنصيب، وغنت كل من ليدي جاجا البيضاء وجنيفر لوبيز السمراء في الحفل، فالرجل لا يفوت فرصة دون التذكير بضرورة تقدير التنوع واحترام الآخر، وهو منفتح ثقافيًا مع درجة عالية من التدين، ومشكلتنا الوحيدة معه كعرب ستكون في أنه ككاثوليكي –ولا شك- مقتنع بأن الله قد كتب الأرض المقدسة لبني إسرائيل، وأن هذا الحكم الإلهي لم يُنسخ، ومع شديد الأسف أن لا يوجد سياسي أو مفكر عربي مقرب من الدوائر الأمريكية يحاول إفهام رؤساء أمريكا أن هذا الحكم قد نُسخ عندما خالف بنو إسرائيل أمره تعالى بدخول الأرض المقدسة ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: 22] ثم أكثروا الجدال حتى قالوا: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]. ولكن مع ذلك –ومن خلال فهمي وتحليلي لشخصية الرجل- أثق أن بايدن سيحاول الحفاظ على حقوق الفلسطينيين، وهو ما رأينا بوادره في تغيير مسمى منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل إلى سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، وعودة المساعدات للأونروا.

في القرن العشرين لم يصل هتلر إلى منصبي المستشارية والرئاسة في ألمانيا على ظهر دبابة، وعانى العالم بأسره ويلات بسببه، وأمثال ترامب وهتلر يثبتون أن للديمقراطية مساوئها التي قد لا تقل عن مساوئ أعتى الديكتاتوريات، والخوف الآن أن يعود ترامب للتأثير على الرعاع من أنصاره وإثارتهم من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، ودفعهم إلى العودة لإحداث الشغب، والمفترض أن يتم حظر هذا الرجل تمامًا من استخدام جميع أشكال هذه الوسائط، لا أن يُسمح له بإعادة استخدامها بعد أسبوع من يوم التنصيب ليتسبب في زوبعة جديدة، وهو الذي خرج من البيت الأبيض مرددًا لمن وقفوا في وداعه أنه سيعود بطريقة أو بأخرى!

الخميس، 7 يناير 2021

245-بذرة الديكتاتورية التي لم تجد لها منبتًا

 

بذرة الديكتاتورية التي لم تجد لها منبتًا

د/ منى زيتون

الخميس 7 يناير 2021

وعلى المثقف، الجمعة 8 يناير 2021

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/952570 

تذهلني الطريقة التي يتعامل بها الأحمق مع أفكاره على أنها حقائق، ثم لا يلبث أن يكرر ما يقول حتى يصدق نفسه، ودون أن يبذل أدنى جهد في تفسير أو إثبات ما يعتقد صحته! ثم يُسوِّق لكلامه، ويجد من يرددونه دون وعي، ليعود فيقول: الناس يقولون، ولست وحدي من أقول!

لكن، أن يصل هذا الأحمق إلى رئاسة دولة؛ ليست كجمهوريات الموز في العالم الثالث، بل أكبر دولة في العالم، فهذا أكثر من خطير!

ولعله لم يبق مهتم بالشأن السياسي على مستوى العالم من لم يبلغه رفض الرئيس الأمريكي الجمهوري المنتهية ولايته دونالد ترامب نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي خسر نتيجتها أمام الرئيس الديمقراطي المنتخب جو بايدن، وتكراره مزاعم لا دليل عليها عن تزوير الانتخابات لصالح منافسه، ومحاولاته التي لا تكل لتغيير وقلب نتيجتها لصالحه، رغم أن الن أفوز هذه المرة كان حاسمًا وواضحًا على العكس من الحال في انتخابات رئاسية أمريكية كثيرة كانت نتيجتها متقاربة بين المرشحين، ولم يستطع ترامب إثبات أي أصوات غير قانونية، وتوالى رفض القضاة لدعاواه القانونية في الولايات المختلفة والتي لا تستند إلى أي دليل، وولايات مثل جورجيا وأريزونا التي يدعي ترامب حدوث تزوير فيها لصالح منافسه الديمقراطي هي ولايات حكامها جمهوريون!

وقد توقعت من قبل يوم التصويت الرسمي في الثالث من نوفمبر الماضي أن دونالد ترامب لا يمكن أن يستسلم ويقر بالحقيقة في حال خسارته، وتنبأت بأنه سيسارع إلى إعلان فوزه بنفسه وقبل انتهاء فرز الأصوات، وقد كان! فالرجل مغرم بأكابر الديكتاتوريين حول العالم، ويُقال إنه ديكتاتور بالفطرة في إدارته لأعماله الخاصة، ويتصور أن بإمكانه قيادة دولة كأمريكا وتطويع مسئوليها بالطريقة ذاتها، وكأنها عزبته الخاصة. ومن ثم فلا يُستغرب منه أن يرفع شعار "إما القصر وإما القبر"، ويرفض خسارته في دورة الترشح الثانية هذه، بينما كان يأمل –كما أعلنها بين أنصاره قبل الانتخابات- أن يُسمح بتعديل الدستور ليترشح لأكثر من دورتين.

ولكن كان هناك متفائلون كثر –لم أكن منهم- تصوروا أنه بعد أن صوّت المجمع الانتخابي الأميريكي في الرابع عشر من ديسمبر 2020 على نتائج الولايات حاسمًا النتيجة بفارق كبير لصالح بايدن، فإن ترامب لم يعد أمامه سوى الاستسلام للخسارة، والتفرغ للتخطيط لإخراج نفسه من أي ورطات قانونية تنتظره بعد خروجه من سُدة الحكم. وأبى ترامب إلا أن يدمر أوهامهم، ويثبت لي أن تحليلي لشخصيته كان صائبًا.

ولعل أدق ما قرأت في وصف الحماقات المتتابعة التي يرتكبها ترامب: "This is proof that even when you think it can't get any worse, it does".  وترجمتها: "هذا يثبت أنه حتى عندما تعتقد أن الأمور لن تصبح أسوأ، فإنها تصبح".

ومنذ أيام، ومع مطلع العام الجديد 2021، سرَّبت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية مكالمة هاتفية حديثة بين الرئيس ​دونالد ترامب​ وسكرتير ​ولاية جورجيا براد رافنسبيرجر، يطلب فيه ترامب من سكرتير الولاية إيجاد نحو 12 ألف صوت لقلب فارق الأصوات لصالحه مع بايدن، لكن سكرتير الولاية كان أمينًا ورفض طلب الرئيس رغم أنه ينتمي مثله إلى الحزب الجمهوري. وقد أظهرت تلك المكالمة أن ترامب لا زال مُصرًا على محاولة قلب نتائج الانتخابات عن طريق الغش، وأن الاستسلام والإقرار بالواقع بعيدين تمامًا عن فكره.

رابط أهم جزء في المكالمة

Audio Trump berates Ga. secretary of state, urges him to ‘find’ votes

https://www.youtube.com/watch?v=o3hrN0cP58Y

Full Phone Call: Trump Pressures Georgia Secretary of State to Recount Election Votes

https://www.youtube.com/watch?v=AW_Bdf_jGaA

 

مرة أخرى: البعرة تدل على البعير!

منذ بدء جولة الانتخابات الأمريكية الأخيرة بين الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطي جو بايدن وأنا ألاحظ وأكرر تسجيل ملاحظاتي عن وجود تشابه عجيب بين كثير من الحوادث التي تجري في أمريكا الآن والتي جرت في مصر ما بعد ثورة يناير 2011.

ولأن ترامب داوم على إثارة الجماهير المؤيدة له من خلال منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يدعوهم للتظاهر لأجل الضغط مثلما كان من ركبوا على ثورة يناير يفعلون، ومثلما كان مرسي يخطب في أنصاره ويذكرهم بالشرعية، فقد خرجت عدة مظاهرات تأييد لترامب في العاصمة واشنطن في أوقات حاسمة في نوفمبر وديسمبر الماضيين، أهمها مظاهرة السبت 12 ديسمبر 2020 والتي سبقت جلسة تصديق المجمع الانتخابي على نتائج انتخابات الولايات وتحديد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح من المرشحين الرئاسيين، والتي انعقدت في الرابع عشر من ديسمبر 2020، وقد حاولوا تسمية المظاهرة بالمليونية، وتصويرها من أعلى للإيهام بكثرة أعداد المتظاهرين، بينما لم يكونوا يتعدون بضعة آلاف ينحشرون في شارع بنسلفانيا وما حوله. وكل من زار واشنطون العاصمة يعرف أن المباني الرسمية الرئيسية توجد متجاورة في شارع طويل طرفه على نهر بوتوماك حيث يوجد النصب التذكاري لإبراهام لينكولن، والنصب التذكاري لحرب فيتنام، ونصب واشنطن، وفي الطرف الآخر من الشارع الطويل يوجد مبنى الكابيتول ومكتبة الكونجرس، وبعدهما المحكمة العليا، وعلى الجانبين تقع متاحف هامة كمتحف الطيران والفضاء والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي، كما يوجد البيت الأبيض، والجزر الوسطى في الشارع كلها مساحات خضراء مفتوحة يمكن استغلالها للتظاهر والاعتصام.

وبالرغم من أن المظاهرة التي سبقت تصديق المجمع الانتخابي على الانتخابات الرئاسية لم تفلح في منعه، كما فشلوا في الإيهام بكثرة أعداد المتظاهرين، فقد أعيدت الكرة مرة أخرى تزامنًا مع موعد مصادقة الكونجرس الأمريكي بغرفتيه على نتائج المجمع الانتخابي، والذي كان مقررًا له يوم الأربعاء 6 يناير 2021، وهو إجراء روتيني للتصديق على النتائج المعروفة سلفًا.

عاد الرئيس ترامب -وهو المرشح الخاسر في هذه الانتخابات- وعبأ أنصاره مرة جديدة عبر تويتر والفضائيات التي نقلت كلمته، لأجل التظاهر في واشنطن العاصمة تزامنًا مع موعد جلسة تصديق الكونجرس، ولكن لم يحضر أنصاره إلى واشنطن العاصمة للتظاهر هذه المرة بل حاصروا مبنى الكابيتول أثناء انعقاد الجلسة، وحدث إطلاق قنابل، ثم نجحوا في اقتحام المبنى، ما أدى لتعليق جلسة الكونجرس، وفرض حظر التجول في واشنطن العاصمة، وإعلان حالة الطوارئ القصوى.

والمتظاهرون من أنصار ترامب هذه المرة غوغاء بكل معنى الكلمة مظهرًا وسلوكًا –ويذكروني بمن اندسوا وسط المتظاهرين في الفعاليات التي تلت ثورة يناير 2011-، ولا يُستبعد أن يكون لأغلبهم سجلات سوابق إجرامية، ولا تُعرف بعد الطريقة التي تمت تعبئتهم وجمعهم بها، وقد خالف كثيرون منهم القانون الذي يمنع حمل السلاح في واشنطن العاصمة، ويختلفون كليًا عن متظاهري مظاهرات الياقات البيضاء التي نظمها الجمهوريون في عام 2000 لمنع استكمال إعادة فرز الأصوات في فلوريدا بغرض حسم النتيجة للمرشح الجمهوري جورج بوش الابن على حساب المرشح الديمقراطي آل جور.

وكان الحرس الوطني الأمريكي قد بدأ الانتشار في العاصمة واشنطن، قبل يومين من تنظيم المظاهرة المؤيدة لترامب، ومع ذلك لم تنجح قواته في تحصين المبنى ومنع اقتحامه! ونجحت قوات الأمن بعد اقتحام المتظاهرين في السيطرة على مبنى الكابيتول وإخلائه، واستخدموا الماء والغاز في تفريق المتظاهرين، وقامت باعتقال العشرات منهم، وقُتل أربعة من الغوغاء أنصار ترامب، ووضع الأمن متاريس بجوار مبنى الكابيتول، ثم استكملت جلسة التصديق التي انتهت فجر الخميس السابع من يناير بإعلان فوز بايدن.

ولأن ما تفعله يخبرنا من أنت، والفيلم يكاد يتكرر بحذافيره، فلا يمكن أن أنسى أنه ضمن الحوادث التي تلت ثورة يناير 2011 في مصر حدثت محاولات حمقاء لاقتحام مباني لها أعلى درجة من الأمنية والخصوصية، ويمثل اقتحامها مساسًا مباشرًا وتحطيمًا لهيبة أي دولة، مثل مبنى أمن الدولة أعقاب الثورة مباشرة -والذي كان المبنى الوحيد الذي نجحوا في اقتحامه في ظل غيبة مريبة تامة للشرطة المصرية- ومبني مجلس البرلمان المصري، ومبني وزارة الداخلية، ومبنى وزارة الدفاع! وكنت وقتها أتساءل عمن يُزين لهؤلاء الحمقى أن يقتربوا مجرد اقتراب من أمثال هذه المباني الحساسة، لأني موقنة أن الغوغاء والحمقى موجودون في كل مكان وزمان، والتساؤل الرئيسي ينبغي أن يكون عمن يحركهم.

 

ولا زال في الجراب حيل أخرى

وعودة إلى ترامب، والذي لم يكتف بالدعوة إلى التظاهر وتحريض المتظاهرين، بل حاول الإيعاز لنائب الرئيس مايك بنس بعدم المصادقة على نتائج الانتخابات باعتباره رئيسًا لمجلس الشيوخ، وهدد النواب الجمهوريين الذين لا يصطفون معه، وقال في إحدى تغريداته إنه سيتخلص منهم، ووصفهم بالضعفاء، ما دفع بعضهم لتسجيل الاعتراض على نتائج بعض الولايات الجمهورية التي صوتت للمرشح الديمقراطي بايدن على غير العادة، وقوبل اعتراضهم بالرفض وأقر الكونجرس فوز جو بايدن رغم اعتراضهم.

ومن يظن أن ترامب قد استسلم الآن فهو واهم، والجولة الجديدة من الحماقات قريبة مع موعد تسليم الرئاسة ظهيرة يوم 20 يناير المقبل، وربما في الأيام التي ستسبقها أو تتلوها! فهل يجهز لنا ترامب مفاجأة جنونية قبل مغادرته البيت الأبيض؟ وهل ستكون داخلية أم خارجية؟ أعتقد أنه لو استطاع لفعل.

كما ولن ينتهي الأمر بتسلم بايدن الرئاسة، وستكون شهوره الأولى فيها مرهقة؛ لأن من يخططون من وراء ترامب ستزعجهم -ولا شك- قرارات بايدن المستقلة، ويبدو أنهم لا يُقدرون خطورة ورعونة ما ينفذون من سيناريوهات لم تكن لتصلح إلا في دول العالم الثالث، وأنهم بهذا يدقون مسامير قد تؤدي إلى أن تنهار أمريكا وينهاروا معها!

***************

**إضافة يوم (30 يناير 2021)

المظاهرة التي سبقت اقتحام مبنى الكابيتول يوم 6 يناير 2021 مظاهرة ممولة من قبل بعض كبار ممولي وجامعي التبرعات لحملة ترامب 2020

https://www.wsj.com/articles/jan-6-rally-funded-by-top-trump-donor-helped-by-alex-jones-organizers-say-11612012063


الجمعة، 11 ديسمبر 2020

244-أنت.. اطرق بابي

 

أنت.. اطرق بابي

د/ منى زيتون

الجمعة 11 ديسمبر 2020

https://www.almothaqaf.com/a/araa2019/951878


لا زال العالم يعيش أصداء رفض دونالد ترامب الإقرار بخسارته في الانتخابات الرئاسية الأمريكية أمام جو بايدن، في سابقة تاريخية؛ فلعلها أول مرة في التاريخ يدِّعي فيها رئيس في السلطة حدوث تزوير في الانتخابات لصالح منافسه!

ولكن الأغرب كان تصريح مايك بومبيو وزير خارجية أمريكا بأنهم يعملون على نقل سلطة سلس لولاية ثانية لترامب، ثم قيام بومبيو برحلة عجيبة مُريبة إلى عدد من دول العالم وفقًا لطلبه، بدأت بفرنسا، وحطّت في إسرائيل وأماكن أخرى، ليقابل بعدها نيتنياهو ولي العهد السعودي، ويُغتال أحد أهم علماء الذرة الإيرانيين، وتشير أصابع الاتهام إلى إسرائيل مثلما أشارت لها في انفجارات طهران ومرفأ بيروت الصيف الماضي، ويزور السيسي فرنسا في محاولة لتبييض وجه ماكرون بعد أزمة إعادة نشر الرسوم الكارتونية المسيئة للرسول، ولا أدري لماذا يراودني شعور أن هذه الزيارة هي حلقة ضمن سلسلة الحلقات التي بدأت بزيارة بومبيو لفرنسا، وأن لها مآرب أخرى.

وأخبار عن تحقيقات فيدرالية في أمريكا مع نجل بايدن وكذا مع صهر ترامب حول مخالفات مالية وضريبية، وترقب للتصويت الرسمي بعد أيام على النتيجة النهائية للانتخابات الأمريكية مع تجديد ترامب للمحاولات القضائية التي تهدف لتبديل نتيجة الانتخابات لصالحه، واحتمال كبير لدفع أنصاره للتظاهر في العطلة الأسبوعية قُبيل إعلان النتيجة الاثنين المقبل، وربما حاولوا الاعتصام في ساحة "الحرية" قرب البيت الأبيض.

وتخبط كبير في تعامل السلطات المصرية مع ملف حقوق الإنسان وسجناء الرأي ما بين إفراج عن محتجزين طال احتجازهم تزامنًا مع إعلان النتائج الأولية للانتخابات الأمريكية التي أشارت لفوز بايدن، ثم احتجاز آخرين مع إصرار ترامب على أنه الفائز، ثم الإفراج عن هؤلاء المحتجزين حديثًا بعد دفاع سكارليت جوهانسن عنهم، وإعادة محاكمة لرئيس وزراء مصر الأسبق والمرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق في قضية تافهة لا وزن لها سبق وأن تمت تبرئته منها، وتصاعد حدة النقد والاتهامات الموجهة من الإعلام المصري ضد المنظمات الدولية لحقوق الإنسان وبالأخص "منظمة العفو الدولية"، وفق منطق الأب الظالم الذي يضرب أطفاله ويرفض أن يمنعه أحد من عدوانه عليهم؛ يعني "عيالنا وبنربيهم، ما دخلكم؟!". وبعد أن بدا أمل أن السلطات السعودية سيلين جانبها مع النشطاء الحقوقيين فوجئ العالم بتوجيه اتهام بالضلوع في الإرهاب إلى لُجين الهذلول أشهر ناشطة حقوقية سعودية، وأخيرًا فقد بدأ إعطاء لقاح كورونا سيء السمعة للراغبين في بعض الدول. وهي حوادث متزاحمة تناسب كثيرًا ختام سنة كبيسة لن تُمحى من الذاكرة كـ 2020!

ووسط هذا الزخم من المساخر والمكائد التي نعيشها على كوكبنا البائس وفي عالمنا المجنون، حيث يبدو أن كثيرًا من المؤامرات تُحاك في الخفاء بحيث نشعر بوجودها ونرى بعض خيوطها ولا نفهم حقيقة كُنهها -وإن كنت أشعر أنها فاشلة على المدى القريب! وأن المتآمرين سيضطرون إلى وضع سيناريو بديل يتناسب مع التغير الذي حدث رغمًا عنهم وأخفقوا في منعه-، فقد قررت أن أريح رأسي من متابعة ما يجري في العالم الحقيقي وأتابع مسلسلًا تليفزيونيًا! فاخترت تحميل حلقات مسلسل تركي نال شهرة واسعة في الشهور الأخيرة واسمه "أنت.. اطرق بابي". وبعد أن شاهدت عددًا من حلقات المسلسل أشعر أنه كان خيارًا موفقًا لم أندم عليه. ولم أكتب اليوم قطعًا لأحكي قصة المسلسل، بل لأعلق من منظور علم النفس الاجتماعي على بعض مما لفتني فيه، والذي لا ينتبه له المشاهد غير المتخصص عادةً.

الشخصيات الرئيسية في المسلسل كثيرة ومتنوعة ومساحات أدوارها متقاربة، باستثناء البطل والبطلة الرئيسيين، لكن الآخرين يبقون مع ذلك أبطالًا وليسوا ممثلين ثانويين، وهذا التنوع في حد ذاته جميل، ورغم أن أغلب حوادث المسلسل تدور في بيئة عمل إلا أنه يركز على العلاقات الشخصية بين أبطاله، والحبكة النفسية الرئيسية للمسلسل تقوم على الضبط الانفعالي الزائد الذي يتم تربية أغلب الأطفال الذكور عليه في الشرق بحيث يعجزون بدرجة كبيرة عن التعبير عن مشاعرهم الإيجابية عندما يكبرون. كان هذا واضحًا في شخصية "ساركان" بطل العمل الرئيسي، وشخصية "إنجين"، مع الاختلاف الظاهري الكبير بينهما؛ فأحدهما يبدو كإنسان آلي لا يهتم سوى بالعمل، والآخر يعرف كيف يستمتع بحياته، ولكنه مع ذلك لا يختلف كثيرًا عن صديقه في كبت مشاعره وعدم قدرته على التصريح بها.

ومن أبرز المشاهد التي لفتتني ولم أر مثيلًا له في أي عمل درامي؛ مشهد إنجين وهو يصطحب حبيبته "بيريل" إلى صالة لعب البولينج -وذلك بعد أن ساعدت صديقته في التقريب بينه وبين "بيريل"، حتى أنها أخبرتها صراحة أنه يحبها- وعندما انزعجت "بيريل" من خياره لقضاء الوقت معها في صالة رياضية في أول مرة يخرجان فيها معًا، صارحها بأنه كان يتكلم منذ سنوات عن علاقته بها أمام أصدقائه الذين يشاركونه لعب البولينج، ويريدهم أن يروها معه ليتباهى بها أمامهم! علمًا بأن هذه العلاقة -وحتى قبل أيام- لم يكن لها وجود سوى في خياله! وقد سبق وأشرت في عدد من المقالات إلى مسألة اختلاق العلاقات الوهمية مع النساء وإيهام الأصدقاء بكونها حقيقية، والتي أصبحت وسيلة كثير من الشباب للشعور بالمرغوبية والقبول والتغطية على إخفاقهم في التعبير عن مشاعرهم وتكوين علاقات حقيقية ناضجة.

في المقابل كانت هناك شخصية "فريد" الذي يعبر عن مشاعره بيسر نحو من أحبها، ولكن لم يجد تقديرًا منها، حتى أجبرته كرامته على هجرانها. وكانت شخصيات الفتيات في المسلسل أيضًا متنوعة وتمثل حالات لمشكلات التواصل الاجتماعي في العلاقات الشخصية، ومن أهمها شخصية "سيلين" التي أحبت "ساركان" ولم تحب طريقة تعامله معها، فلجأت للأحلام وتمنت أن يعاملها بلطف ويعطيها الاهتمام الذي تريده منه، ولم تجبره على تغيير طريقة تعامله معها على أرض الواقع، ولما يأست –لأن سلبيتها لم تحدث فرقًا- قررت الانفصال عنه بإرادتها، وصُدمت بعد انفصالهما لمّا رأته يعامل فتاة أخرى "إيدا" بالطريقة التي طالما تمنتها منه، لأن الأخرى لم ترضخ لطريقته اللامبالية في التعامل معها والتي حاول فرضها عليها. والعجيب أن "سيلين" وجدت الاهتمام من شخص آخر "فريد" قدّرها وأحبها وطلب الزواج منها، ولكنها بقيت مصرة في أعماقها على أنها تريد الاهتمام من ساركان وليس من غيره، حتى خسرت خطيبها.

أعجبني أيضًا لدى صنّاع العمل أنه لا يوجد حرص على خلق شخصية الشرير، ما جعل القصة أكثر اقترابًا من الأرض على عكس قصص الصراع الحدي المعهودة بين الخير والشر. كان هناك شرير واحد في الحكاية "كاهان" أخرجوه سريعًا من بينهم، أما الباقون فهم بشر طبيعيون تتقاطع مصالحهم وتصدر عنهم سلوكيات قد تضر بالآخرين دون قصد، ولكل منهم وجهة نظره في الأسباب التي جعلته يسلك على هذا النحو، يجعلنا عرضها نرى كيف تبدو القصة من وجهة نظر الآخر وكيف يرى نفسه مصيبًا رغم ما جرّه من مشكلات على غيره.

لم أكمل مشاهدة حلقات المسلسل التي عُرضت بعد، كما لا زالت هناك حلقات أخرى يجري تصويرها وعرضها أسبوعيًا تباعًا، ولكن يبدو لي أن شخصية بطل العمل الرئيسي ستبقى كما هي، فالبطل "ساركان" يبدو ظاهريًا جاف المشاعر بينما هو شديد الرومانسية، وشديد الغيرة على حبيبته، وشديد الاهتمام بها وبكل من حوله، وشديد الحرص على ألا يشعرهم بذلك، وأن يبدو في نظرهم ذلك الإنسان الذي لا يهتم سوى بالعمل، وستستمر هذه الملامح في شخصيته سببًا رئيسيًا في صراع القط والفأر مع حبيبته، والذي تتولد منه حوادث المسلسل.