الأربعاء، 12 يونيو 2019

180-سبل الوقاية والعلاج من التطرف الديني


سبل الوقاية والعلاج من التطرف الديني
د/ منى زيتون
الأربعاء 12 يونيو 2019

لأن الفهم العميق لمنشأ وأسباب المشكلة أول خطوات العلاج، فإن تحديد كل الأسباب والعوامل التي قد تُشكل مجموعة منها سببًا في نشوء التطرف، ومحاولة تكوين صورة عقلية عن الظروف التي ينشأ في ظلها التطرف، وملاحظة كل المستجدات في الأسرة والمؤسسات التعليمية والإنتاج الثقافي والإعلامي، كل هذا يساعد في تطوير استراتيجية متكاملة لعلاج التطرف وضبط عدد الأفراد الذين يلتحقون بركابه.
ولا بد من مشاركة مؤسسات كثيرة، وأن تكون الجهود منظمة لمواجهة الخطر المتعاظم من التطرف، فالقضية خطيرة والخطب جلل. لكن القضاء على التطرف تمامًا يبدو شديد الصعوبة، ومع ذللك يجب العمل على تقليص تلك الظاهرة لتخفيف آثارها السيئة على الأفراد والمجتمعات.
كما أن الوقاية خير من العلاج، ولا بد من برامج وقائية تقوم على أسس البرامج العلاجية نفسها؛ فلا ننتظر وقوع البلاء لنشرع في علاجه؛ ذلك بأن نهدف لخلق دوافع داخلية لدى الأفراد تكفي لمنعهم من اعتناق أفكار سلبية تتسبب في تدمير أنفسهم وتدمير الآخرين. كما يجب الاهتمام بإكساب الآباء مهارات الاكتشاف المبكر لمشكلة التطرف لدى أبنائهم قبل تفاقمها.
ومن أهم الطرق التي تنطوي عليها الاستراتيجية المتكاملة لعلاج التطرف
طرق نفسية
نظرًا لأن الإرهاب يعد الآن ظاهرة عالمية، وقد أصبح مناظرًا لحالة حرب تؤثر على البشر في جميع أنحاء العالم، ترى الكاتبة أن دورنا كمربين وعلماء نفس وعلماء اجتماع يتعاظم في التعامل مع هذه ‏الظاهرة، من خلال بحث العوامل التي ساعدت على بروزها، والمبادرة بعلاجها علاجًا جذريًا بشكل ‏مخطط ومدروس، وفي تعليم أبنائنا من أجل أن ينشأوا النشأة الصحيحة التي تبعد عنهم خطر الانغراس في ‏الإرهاب.‏
ولا شك أن الوقاية والعلاج من التطرف جزء هام من الاهتمام بسلامة الصحة النفسية للنشء، وتحقيق التوافق النفسي والاجتماعي لهم.
تبدأ عملية العلاج بتشخيص وتقييم الحالة على المستوى الفردي، لتحديد المرحلة التي وصل إليها المتطرف، والأسباب التي أوصلته إليها؛ مما يساعد في تقييم مستوى الخطورة، واتخاذ القرارات، وتحديد الطرق الأنسب للعلاج، ونوع المراقبة اللازمة لمنع العودة إلى التطرف.
ولعل من أهم الأسس التي يستند إليها العلاج النفسي للتطرف:
·        تفكيك الاتجاه التعصبي للتطرف.
·        العلاج السلوكي–المعرفي ‏Cognitive Behavioral Treatment‏ واستراتيجيات التعلم الاجتماعي كلعب الأدوار والنمذجة.
·        استراتيجيات تعديل السلوك القائمة على مبادئ التعزيز.
1-تفكيك الاتجاه التعصبي للتطرف
يعتبر التطرف من الاتجاهات التعصبية. يذكر لامبرت ولامبرت (في إبراهيم الشافعي، 2006، ص 307) أنه من المسلم به بين الباحثين في علم ‏النفس الاجتماعي أن الاتجاهات تكون سهلة التعلم والاكتساب في مراحل الحياة الأولى، إلا أنه بمرور الوقت تزداد ‏عملية الاكتساب تعقيدًا وتشابكًا، حيث ترتبط هذه الاتجاهات بإشباعات وطموحات معينة، بما يؤدي إلى اندماجها ‏في الشخصية، بحيث تصبح جزءًا من شبكة تضفي النظام والطابع الخاص على شخصية الفرد، وهذا يزيد من صعوبة ‏تعديل أو تغيير الاتجاه، إلا أن المحاولات الجيدة التخطيط لتعديل الاتجاهات غالبًا ما تنجح.‏
ويرى رسل وآخرون ‏(Russell et al, 1985, p. 132)‏ (في إبراهيم الشافعي، 2006، ص ‏‏307) أن هناك حلقة مفرغة أو ما أُطلق عليه قديمًا دائرة الفساد أو الاعتلال، هي المسئولة عن صعوبة تعديل وتغيير الاتجاه التعصبي، وأنه لكي يتم تغييرها بنجاح؛ فلابد من كسر هذه الحلقة المفرغة؛ بإدخال تغيير في عنصر أو ‏أكثر من عناصرها.‏
وكأي اتجاه تعصبي يكون له ثلاثة مكونات (معرفي- انفعالي- سلوكي)، ولا بد من محاولة اكتشاف أو خلق عدم اتساق بين المكونات الثلاثة في القضية التي تسبب التطرف، والعمل على كسر الاتجاه بتعزيز حالة عدم الاتساق تلك.
وتنطلق نظريات التعلم جميعًا من مسلمة محددة فيما يتعلق بالاتجاه التعصبي مؤداها: "أن الاتجاه ‏التعصبي اتجاه مكتسب ويخضع في اكتسابه لأساليب ومحددات وقوانين التعلم، فليس هناك دليل فسيولوجي ‏أو نفسي على أن التعصب فطري، ولكن هناك استعداد للتعصب" (حامد زهران، 1984، ص 178).
بينما يرى علماء نفس آخرون كالفيلسوف الفرنسي بول ريكور، أن التعصب يعبر عن ميل طبيعي موجود لدى جميع البشر، وكل شخص في نظره وكل فئة وجماعة ‏تحب أن تفرض عقائدها وقناعاتها على الآخرين، وهي تفعل ذلك عادة إذا ما امتلكت القوة والسلطة ‏الضرورية. كذلك يرى المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف أن التعصب هو الموقف الطبيعي للإنسان وليس ‏التسامح، والتسامح في نظره شيء مكتسب ولا يحصل إلا بعد تثقيف وتعليم وجهد هائل تقوم بها الذات على ‏ذاتها. كذلك يرى المؤرخ التونسي محمد الطالبي أن الإنسان بطبيعته كائن متعصب، وأنه حيوان عدواني في ‏جوهره، كما نبّه إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته، ويضيف الطالبي ولكن الإنسان يصبح متسامحًا بالضرورة عن ‏طريق الذكاء أولًا، وعن طريق العقل ثانيًا، لأنه مضطر للعيش في المجتمع والتعامل مع الآخرين يوميًا، ‏ومن ثم فلا بد من تدجين مشاعره العدوانية لأنه لا يستطيع أن يعيش في حالة حرب كل يوم (زكي الميلاد، ‏‏2008).‏ وأقول: إن هذا هو دور المعالج النفسي، ليصلح ما أفسدته التنشئة.
2-العلاج السلوكي المعرفي ‏Cognitive Behavioral Treatment
يعتبر العلاج السلوكي المعرفي ‏Cognitive Behavioral Treatment من أفضل طرق العلاج النفسي في حالات التطرف، ويقوم على مساعدة المريض في إدراك وتفسير طريقة تفكيره السلبية؛ كي يستطيع مواجهة تلك الأفكار والمكونات المعرفية والمعتقدات الخاطئة لديه، التي قادته/أو يمكن أن تقوده لأعمال وتصرفات عنيفة، بهدف تغييرها إلى أفكار ومعتقدات وقناعات أكثر إيجابية وعقلانية وواقعية، فالأفكار والمفاهيم الخاطئة هي إشارات ذاتية داخل الفرد، يُعتبر تحديدها أولى الخطوات اللازمة للعمل على تصحيحها وتعديلها. ومن خلال العرض في مقالات سابقة أعتقد أننا يجب أن نكون قد أدركنا التأثير القوي للاعتقادات في السلوك المتطرف؛ فكل سلوك يفعله الإنسان عامدًا إنما ينبع من اعتقاد ما في عقله.
يعتمد العلاج السلوكي المعرفي ‏Cognitive Behavioral Treatment‏ ‏على الإسهامات التي قدمها كل من ألبرت إليس Albert Ellis في العلاج العقلانى الانفعالي، وطريقة ميكنيبوم ‏Meichenbaum في إرشاد الذات في تعديل السلوك.
يعتقد ألبرت إليس أن الأفكار غير العقلانية، عندما يتعلمها الفرد، تتسبب له في حدوث الاضطرابات الانفعالية والسلوكية. ويعتمد العلاج العقلاني ‏الانفعالي الذي صممه إليس على المبدأ القائل أن الاستجابة الانفعالية ‏لأي موقف تعتمد على ‏تفسيراتنا العقلانية/اللا عقلانية الخاصة لهذا الموقف. من ثم، ينبغي تشجيع المرضى ‏على التعبير عن أفكارهم اللاعقلانية التي تحدث ‏انفعالات غير ‏مرغوبة، لمساعدتهم على التعرف ‏على تلك ‏الأفكار لأجل تعديلها.‏ وأصبح ذلك المبدأ نواة العلاج السلوكي المعرفي؛ فنتائج السلوك ليست آلية (مثير يؤدي إلى استجابة)، بل هناك أفكارًا تتوسط وتتحكم في صدور تلك الاستجابة؛ فالسلوك المرضي هو نتاج لتفكير غير منطقي، وتعلم معتقدات لا عقلانية. والعلاج يجب أن ينصب على تغيير تلك الأفكار والمعتقدات. لذا يعتبر إليس أبو العلاج السلوكي المعرفي، وأحد قادة التحول المعرفي في علم النفس المرضي.
وقد سار ميكينيبوم في نفس اتجاه إليس، فأكد على أهمية الإرشاد الذاتي في تعديل تلك الأفكار اللاعقلانية، ومن ثم تعديل السلوك. والإرشاد الذاتي عند ميكينبوم يتركز على الحديث الداخلي Inner-speech أو المحادثة الداخلية Inner dialogue والتخيلات Images، التي يقوم بها المريض مع نفسه لأجل تغيير الشعور والتفكير، ثم السلوك. وكل فرد مسئول عن مراقبة ذاته وتقييم أعماله. فعندما يحدث تفاعل بين الحديث الداخلي للفرد وبنيته المعرفية وأفكاره ينشأ عن ذلك تغير السلوك. وكلما تغير ما يُحدِّث به الفرد نفسه تتغير الانفعالات والاعتقادات والبنية المعرفية له، ويظهر هذا في تعديل سلوكه. ولكن ينبغي ملاحظة أن تعديل البنية المعرفية لا يعني إحداث تغيير شامل في البنية المعرفية الأولى للفرد.
إذن، يقوم العلاج المعرفي السلوكي على افتراض وجود صلة بين المعرفة والسلوك. وإحدى المدارس الهامة في العلاج المعرفي السلوكي هي مدرسة "إعادة البناء المعرفي" التي تفترض بأنه طالما أن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا، فإنه إذا غيّرنا ‏من ‏تفكيرنا فإن ‏سلوكنا سوف يتغير. تركز مدرسة إعادة البناء المعرفي على ‏تغيير عمليات التفكير ‏المشكلة بتعليم المرضى ‏التفكير المنطقي والعقلاني، وتعديل التفكير ‏الاندفاعي، ‏بتعليمهم أن يتوقفوا ‏قبل القيام بالسلوك، و‏يفكروا في عواقب سلوكهم وتأثيره على أنفسهم وعلى الآخرين.
بينما المدرسة الأخرى المقابلة في العلاج المعرفي السلوكي ‏هي مدرسة "المهارات المعرفية"، التي تقوم على الافتراض المعاكس بأن سلوكنا يتحكم في تفكيرنا، وأن وجود قصور لدى المريض في قدرته على التجاوب مع المواقف الضاغطة والسلوك على نحو مناسب هو ما يتسبب ‏في حدوث المشاكل. يقوم العلاج من خلال تعليم المرضى المهارات الاجتماعية، التي تمكنهم من التعامل ‏بنجاح مع ‏المواقف الضاغطة، أي ‏أنهم سيظهرون سلوكيات مقبولة والتي ‏بدورها تؤدي إلى أفكار ‏مقبولة.‏ ترتبط تلك المدرسة بالتعلم الاجتماعي لألبرت باندورا، وتركز على استخدام فنيات لعب الأدوار والنمذجة والتدريب على مهارات حل المشكلات كأساليب للعلاج.
ومن مميزات العلاج السلوكي المعرفي سهولة تدريب الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، وسهولته في التطبيق لوضوح الخصائص المطلوب ملاحظتها وقياسها لدى المتطرف، وهو علاج قصير المدى، ويمكن تطبيقه في كثير من البيئات كعلاج فردي أو جمعي (جماعة من المتطرفين يلتقون في نفس الجلسة لتبادل الخبرات حول الأسباب التي قادتهم للتطرف)، ويمكن أن يشارك أفراد من أسرة المتطرف في جلسات العلاج (علاج أسري)، ولكن في مراحل متقدمة منه. وهو قليل التكلفة عند التطبيق، والأهم أنه يرتبط بالأسباب التي أدت إلى التطرف، ومن ثم فإن احتمالية انتكاسة من تلّقوا هذا العلاج أقل من أنواع أخرى من العلاجات.
وتحدد الكاتبة مبادئ ‏رئيسية مطلوبة لتطبيق العلاج  السلوكي المعرفي الفعال في علاج التطرف
·        التركيز على كلا البعدين السلوكي والمعرفي.
·        تحديد الأهداف والمهام المطلوبة في كل جلسة.
·        التدريب الكافي للمعالجين والمرشدين والإشراف المنضبط عليهم.
·        يفضل الاستعانة بدليل إرشادي.
·        يفضل أن يتم العلاج داخل مؤسسات علاجية.
وهناك العديد من الأساليب العلاجية التي تُستخدم خلال العلاج المعرفي السلوكي منها:
·        تحديد الأفكار التلقائية والعمل على تصحيحها: وهي تلك الأفكار غير المعقولة التي تسبق مباشرة أي انفعال غير سار‏. يركز المريض على تلك الأفكار والصور التي تسبب له ضيقًا لا مبرر له، أو تدفعه إلى سلوك سلبي ‏انهزامي. من أشهر الفنيات التي تساعد المرضى على تحديد أفكارهم التلقائية السلبية: مناقشة حوادث الخبرات الانفعالية واستخدام التخيل لإعادة الخبرة الانفعالية.
·        المراقبة الذاتية: حيث يقوم المريض بملاحظة وتسجيل ما يقوم به في مفكرة، أو نماذج معدة مسبقًا من المعالج. ‏
·        المتصل المعرفي: حيث يُطلب من المريض أن يُوضح كيف يرى نفسه مقارنة مع الآخرين.
·        الجدل المباشر مع المريض: تُستخدم المواجهة المباشرة لآراء المريض‏ عندما يكون لدى المريض شعور بالرغبة في الانتحار، ويُفضل عدم استخدام الجدل إلا عند الضرورة.
·        التعريض المستمر للمثيرات التي تسبب ‏التطرف: ومنه أنواع، فهناك التعريض التخيلي، والتعريض المتدرج، والتعريض في الواقع‏.
·        التخيل: تخيل المواقف غير السارة والسارة يجعل المريض يدرك التغيير في محتوى أفكاره التي أثرت في مشاعره، ويمكن أن يغير مشاعره إذا ‏غير أفكاره‏.
·        الواجبات المنزلية: كل واجب منزلي هو تجربة لاكتشاف بعض العوامل المعرفية المتعلقة بالمشكلة ‏التي يواجهها المريض، مثل تسجيل الأفكار الآلية، والاتجاهات المختلّة وظيفيًا غير العقلانية، أو إجراء تجربة سلوكية أو معرفية لها ‏أهداف محددة ومتعلقة بمشكلته‏.
·        صرف الانتباه: يُستخدم فقط لأهداف محددة وقصيرة المدى‏، حتى لا يستخدمه المريض بعد ذلك كأسلوب لتجنب الأعراض. يمكن صرف الانتباه عن طريق التركيز على شيء معين أو الوعي الحسي بالبيئة المحيطة أو بعض التمرينات العقلية أو بتذكر الحوادث السارة.
·        ملء الفراغ: قد يكون باستطاعة المريض أن يفهم سر كدره الانفعالي إذا أمكنه أن يتذكر ويسترجع الأفكار ‏التي وقعت له خلال الفجوة التي لا يعيها بين المؤثر والاستجابة الانفعالية‏.
·        الأسئلة السُقراطية والاكتشاف الموجه: عن طريق جمع الأدلة المنظم لصالح أو ضد اعتقادات المتطرف، بطريقة تشبه الطريقة العلمية لفحص ‏الفروض. ويتم فحص هذه الفروض باستخدام الأسئلة السُقراطية.
·        وقف تدفق الأفكار الخاطئة‏: يتعلم المتطرف كيفية وقف تدفق وتزايد هذه الأفكار، كي يستطيع أن يتعامل معها بشكل أكثر ‏فاعلية‏. يُستخدم هذا الأسلوب عندما تكون للأفكار الخاطئة تأثير متزايد، ونجد أن الفكرة الخاطئة ربما تستدعي فكرة أخرى‏.
·        اختبار الدليل: تستخدم تلك الفنية‏ من أجل مساعدة المتطرفين على اكتشاف المنطق الخاطئ الكامن وراء تفسيراتهم ‏ومعتقداتهم المشوهة؛ إذ يُطلب من المتطرف أن يقدم الدليل المؤيد أو المعارض لمعتقداته ‏وتفسيراته للحوادث، وأن يقوم بتسجيل الدليل المؤيد أو المعارض في العمود المخصص ‏لذلك.
·        الحوار الذاتي: الحوار مع النفس عند أي نشاط معين من شأنه أن ينبه الفرد إلى تأثير أفكاره السلبية على ‏سلوكه، وحديث المريض مع نفسه وما يحويه من انطباعات وتوقعات عن المواقف التي تواجهه ‏هو السبب في تفاعله المضطرب.‏
·        التعرف على أساليب التفكير الخاطئ غير الفعال: عادة تحدث أخطاء في الفهم والتفسير لدى المتطرف مما يشوه صورة الواقع، ويثير الاضطرابات السلوكية لديه.‏ من أشهر تلك الأخطاء المبالغة، والتعميم الزائد، والمقياس الثنائي (إ‏ما أبيض أو أسود)، والتجريد الانتقائي كأن يعزل الشخص خاصية معينة من سياقها العام ويؤكدها في سياق آخر. التدريب على هذه الفنية تحديدًا يجعل الانتكاس صعبًا.
·        التعرف على أخطاء الحكم والاستنتاج: الاستنتاج العشوائي أو الخطأ في الاستنتاج هو الوصول إلى استنتاجات دون أدلة كافية، أو ‏بأدلة واهية لا تتفق مع الواقع الموضوعي.‏ يتم تدريب المتطرف على ضرورة عدم التسرع في إصدار الأحكام، والقرارات قبل التبين والتحقق من الأمر‏.
·        لعب الأدوار: تتيح هذه الفنية الفرصة للتنفيس الانفعالي وتفريغ الشحنات والرغبات الظاهرة والمكبوتة، ويتم ‏ذلك من خلال تمثيل سلوك أو موقف اجتماعي معين كما لو أنه يحدث بالفعل، على أن يقوم ‏المعالج بدور الطرف الآخر من التفاعل والحوار والمناقشة.‏ كما يستخدم لعب الدور في مساعدة الأفراد على ممارسة السلوكيات التي يرغبون في أن تنمو ‏لديهم، كي يصبحوا أكثر وعيًا لانفعالاتهم وأسلوب تفاعلهم مع الآخرين.‏
·        النمذجة: تعتمد هذه الفنية على نظرية التعلم الاجتماعي‏ لباندورا. يتم عرض النماذج المرغوب تعلم سلوكها أمام المتطرفين، فيقومون بتقليدها بعد ملاحظتها، مع تعزيز أدائهم ‏للسلوك.
·        التدريب على حل المشكلات: يُستخدم تسلسل حل المشكلات ‏كأساس للعلاج. بدءًا من تحديد المشكلة، وحتى وضع الحل المختار موضع التنفيذ، ثم تقويم فاعليته. ‏يُعتقد أن التدريب على حل المشكلات يمكن أن يغير ‏السلوكيات المضادة ‏للمجتمع عند المتطرفين والمرتبطة بالمواقف المشكلة، ‏ويزودهم بالمهارات الاجتماعية ‏المطلوبة، والتي تؤثر على الطريقة التي ‏يسلكون بها في المواقف المتشابهة؛ ومن ثم ‏تتأثر أفكارهم ومشاعرهم. "سلوكنا يغير تفكيرنا".‏
ومن خلال خبرتها، ترى الكاتبة أن أهم الأفكار التي ينبغي التركيز على تكوينها لدى المتطرفين لتفكيك عقيدتهم التجسيمية هي:
·        التجزئ والتبعيض يضاد الوحدانية مثل الشرك تمامًا؛ فالله تعالى واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له، ولا يقبل التجزئ، وليست له أعضاء.
·        الله ليس جسمًا ولا ينبغي له.
·        المضاف ليس صفة، وما يُضاف لله إنما هي إضافة تشريف، أو لإيصال صورة بيانية بليغة.
·        هناك فرق بين التوقف والتفويض، وبين الأخذ بظاهر النص.
·        من ثبت إيمانه بيقين لا يُكفَّر بشك.
·        الناس تُحاسب على سلوكها وليس اعتقادها.
·        الكافر لا يُقتل بكفره.
·        لا عصمة إلا للأنبياء.
·        سب الله ورسوله فقط هو ما يُخرج من الملة.
·        سب الصحابة ذنب عظيم، ولكن لا يُقتل فاعله.
3-استراتيجيات تعديل السلوك
تعديل السلوك هو تغيير السلوك غير المرغوب عن طريق برنامج علاجي، وهو نوع من العلاج السلوكي يعتمد على التطبيق المباشر لمبادئ التعلم والتعزيزات الإيجابية والسلبية.
ترتكز الاستراتيجية على نظرية سكنر في التعلم، وتحديدًا مبدأ أن تعزيز السلوك الإيجابي يعمل على تقويته وزيادة احتمالية حدوثه، بينما عدم التعزيز أو العقاب يؤدي إلى إضعاف ‏السلوك السلبي.‏ بناءً عليه، يعتمد برنامج تعديل السلوك بشكل أساسي على استجابات وردود أفعال المحيطين بالفرد تجاه سلوكه.
وأنواع الحوافز التي تُستخدم مع المتطرفين لإعادتهم إلى الطريق القويم تكون حوافز اجتماعية ومادية مؤثرة وذات قيمة للمتطرف، بغض النظر عن وجهة نظر المعالج فيها. وعلى المعالج وضع جداول للتعزيز يحدد فيها نوعية الحافز والكمية المناسبة منه ومتى يتم استخدامها.
وينبغي ملاحظة أن السلوك المراد تعديله قد يزيد في بداية تطبيق البرنامج، لكن الإصرار يؤدي إلى تحقيق الغرض، خاصة مع الالتزام بجدول التعزيز والحرص على العقاب المناسب في كل مرة يصدر فيها السلوك غير المرغوب فيه.
قبل البدء في تعديل أي سلوك يجب إجراء دراسة شاملة للظروف التي أدت إليه (ما يسبق السلوك)، وتحديد السلوكيات المطلوب تعديلها إجرائيًا (ما هو السلوك)، وأخيرًا تحديد وظيفة السلوك (ما يحدث بعد حدوث السلوك).
وفي حال ما إذا كان لدى المتطرف عددًا من السلوكيات غير المرغوبة، فلا يمكن تعديلها دفعة واحدة؛ لذلك علينا التدرج واختيار السلوك الأصعب أو الأكثر خطورة وأهمية؛ للبدء بوضع برنامج تعديل له.
لكن يعيب استراتيجيات تعديل السلوك تعاملها الآلي مع السلوك؛ فهي تعمل على إحداث تغيير فيه دون أي اعتناء بالأفكار المرتبطة به، وهل لا زالت موجودة في عقل الفرد أم لا.

طرق تربوية
1-تنمية مهارة التفكير الناقد
يشير حسن زيتون (2010، ص 166) إلى أهمية تنمية مهارة التفكير الناقد، والتي لعل من أبرزها:
·        التفكير بشكل ناقد يجعل الشخص أكثر صدقًا مع نفسه، وأكثر قدرة على أن يتعرف على ما لا يعرفه. لن يخاف أن يعترف أنه على خطأ، ويمكنه أن يتعلم من أخطائه، وستكون معتقداته خاصة به؛ وليس ما يقرره الآخرون له، مما سيجعله أكثر استقلالية.
·        يساعد التفكير الناقد الفرد أن يتخيل نفسه مكان الآخرين، ومن ثم إمكانية أن يفهم وجهات نظرهم، وأن يطور قدراته على الاستماع لهم بعقلية منفتحة، حتى وإن كانت وجهات نظرهم مخالفة له.
·        تتحسن قدرة الفرد على استخدام عقله بدلًا من عواطفه.
·        يساعد التفكير الناقد الفرد على صنع القرار الحكيم في الحياة اليومية والبعد عن التطرف.
·        يُحسِّن التفكير الناقد قدرة الفرد على البحث الجاد في كثير من الأمور.
·        ممارسة التفكير الناقد تنمي قدرة الفرد على المناقشة والحوار، والقدرة على التواصل والتفاوض مع الآخرين.
ومما سبق، فإن من أول ما ينبغي أن نهدف إليه كوقاية؛ هو تنمية مهارات التفكير لدى الشباب، عن طريق إدراج هذا المقرر (العملي) في كافة الجامعات، وإتاحة دورات تطبيقية يقدمها متخصصون لهؤلاء الشباب في ذلك المجال، فالشباب بحاجة إلى تعلم التفكير قبل اكتساب المعلومات. وكذلك استخدام تلك الدورات كجزء من البرامج العلاجية للتطرف.
2-تطبيق مباديء التعلم الاجتماعي
هناك مبادئ هامة في التعلم الاجتماعي ينبغي الانتباه لها كأسس للوقاية والعلاج من ظاهرة التطرف الديني. وهي:
·        إذا تغيرت الأفكار تغيرت السلوكيات؛ لذا يجب تعزيز مفاهيم التدين السليمة لدى النشء.
·        عرض نماذج دينية وتاريخية تؤكد على السلوكيات المرغوبة للتدين السمح تعطي مزيدًا من التعزيز.
·        الناس يتعلمون فعل ما يقومون بملاحظته في سلوك الآخرين، فيجب أن نكون منتبهين إلى تقديم نماذج واقعية من السلوك المرغوب أمامهم، والإقلال ما أمكن من نماذج السلوك غير المرغوب.
·        ما يتأثر به المراهق المصري هو النماذج المصرية، ومن ثم فإن أي مزاعم تُلقى عن عدم القدرة على التحكم في الأفلام الأجنبية التي يمكن للمراهقين مشاهدتها عبر الانترنت ليس ذا بال؛ لأن ما يؤثر فيهم أكثر ويقلدونه هو السلوكيات التي يقوم بها أفراد من مجتمعهم، وهذا يلقي عبئًا كبيرًا على الإعلام والرقابة على المصنفات الفنية.
·        التركيز على الحملات التي تتم ضد عرض النماذج السلوكية غير المرغوبة المليئة بالعنف هو أمر ضروري، لتحويل التعزيز الإبدالي لدى المراهقين الذين يقلدونها إلى عقاب.
·        يجب أن يتلّقى المراهق عقابًا على سلوكه الشخصي السيء عند استخدامه للعنف أو الانضمام لجماعة متطرفة، وغيرها من السلوكيات، كي يتمكن من مقارنة التعزيز في المقابل على سلوكه وأفعاله الحميدة في مواقف أخرى، وفي كلتا الحالتين يؤثر الثواب والعقاب على السلوك تأثيرًا كبيرًا. وينبغي ألا يكون هذا العقاب فقط بالحبس أو الضرب من الآباء، بل يجب أن نعي جيدًا أن إظهار الاستهجان والاحتقار لتلك السلوكيات أقوى تأثيرًا من أي عقاب آخر.
·        مراقبة الآباء والأمهات لسلوكيات جماعة الرفاق التي ينخرط فيها أي من أبنائهم؛ لأن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا، ورأي الرفاق في سلوكيات المراهق يكون أهم من رأي والديه؛ لذا يجب أن تعرف مع من يقضي ابنك أوقاته.
3-إصلاح التعليم والاهتمام بالكيف لا بالكم
الاهتمام بالإنسان وصناعة الموارد البشرية أساس قوي من أسس أي تنمية؛ لذا يجب التركيز ‏على بناء الإنسان، والذي يبدأ بإصلاح التعليم، ولو على مستوى المتفوقين ‏والاهتمام بهم، ثم ‏التوسع شيئًا فشيئًا في عمليات الإصلاح. فما لا يُدرك كله لا يُترك كله.‏
في إحدى الندوات سمعت د.مصطفى الفقي يقول إن أزمة حسني مبارك كانت في اقتناعه أن ‏التنمية في البُنيان وليست في الإنسان، وأن كل همه كان عدد الكباري المشيّدة وعدد المصانع ‏المنشأة وغيرها، مع تجاهل تام لقيمة الإنسان وضرورة الارتقاء به، حتى أفضى الحال إلى ما ‏رأينا.‏
وللبدء في الإصلاح نحن بحاجة إلى:
·        إعادة تكوين وهيكلة لنظمنا التعليمية العامة منها والفنية.
·        تنقية مناهجنا الدراسية من كل ما يسهم في تعليم كراهية الآخر وتشوه صورته، وتكريس الإنسانية وحب الآخرين من مختلف الثقافات والأديان.
·        تغيير كامل لمناهج التربية الدينية بحيث تُدرس العقيدة الأشعرية وغيرها من العقائد الإسلامية للتلاميذ من صغرهم، تحصينًا لهم من أفكار تشبيه وتجسيم الله عز وجل، وتكفير المسلمين.
·        تربية الأطفال على الانفتاح واحترام الرأي الآخر.
·        منع الغش في الامتحانات كي لا يحصل على أي شهادة إلا من يستحقها.
·        زيادة الاهتمام بالجانب العملي من الدراسة بالمدارس والجامعات، ومحاسبة من يقصر في تدريسه.
·        التعليم العام ينبغي أن يكون لمن يستحق، التعليم الأساسي فقط هو الذي كالماء والهواء، أما من يريد أن يكمل تعليمه العام فعليه أن يثبت كفاءته، وليس أن يأخذ دروسًا لحفظ ما يمكن أن يأتيه بالامتحان، وقد يغش، ويتخرج لا يفقه شيئًا، ثم يزاحم المتفوقين ويأخذ فرصهم، إن كان يمتلك وسائط.
·        ربط التعليم بسوق العمل؛ برفع قيمة الحرف في المجتمع، والاهتمام بالتعليم الفني بشكل موازي للتعليم العام، وإنشاء كليات لتعليم الحرف تعليمًا حقيقيًا، وليس تعليمًا صوريًا، مثلما هو واقع الحال للأسف في المدارس الفنية التي تعطي شهادات لا قيمة لها.
·        الاستعانة في تلك الكليات الفنية بالبقية الباقية من الحرفيين المهرة لتعليم الأجيال الجديدة.

دور المؤسسات الدينية
‏ ‏هناك مسلمون يحلمون بالخلافة وﻻ يعترفون بحدود الوطن، ويرون أن من حقهم اﻻنحشار في ‏الشأن الداخلي لدولة أخرى لمجرد أنها مسلمة، مثلما نرى التدخل السافر الذي يبديه كثير من العرب في ‏الشأن الداخلي المصري، وبالمثل نرى ما يفعله المصريون بالانحشار في شئون غيرهم.
‏ ‏وهناك مسلمون انتماؤهم اﻷول واﻷخير لطائفتهم أو حزبهم أو جماعتهم، وﻷفراد الطائفة أو ‏الجماعة أولوية وحظوة لديهم مقدمة على شركاء الوطن، حتى لو كان أفراد الجماعة من بلد ‏مسلم آخر.‏
‏ ‏باختصار، لدينا مفاهيم مغلوطة تعشش في أدمغة كثيرين منا، وﻻ عجب أن يراها ‏المتنورون أدمغة تعود إلى القرون الوسطى، بينما يكون دفاع من يسمون أنفسهم بالإسلاميين ‏عن مبادئهم الرثة أن هذا هو اﻹسلام مع اتهام كل من يدعو إلى المبادئ التي جاء بها ‏اﻹسلام من حرية العقيدة للجميع وحب اﻷوطان بأنه علماني كافر!
سيرتاح المسلمون عندما يفهمون أن الإسلام منهج حياة يصلح أن يُمارس في أي أرض تسمح ‏بحرية العقيدة، وأن الوطن يختلف عن الدين؛ فنحن لسنا يهودًا نولي وجهنا نحو بيت المقدس ‏وليس لنا وﻻء ﻷرضنا، وحاشا وكلا.‏ وهذا ليس تعصبًا ضد اليهود، بل تقرير لحقيقة أن الأرض التي يولدون عليها ليست هي الوطن، بل وطنهم هو ما يعتبرونه أرضهم المقدسة، وحسب.
ولا بد من إصلاح المنابر وتصحيح الخطاب الديني لمواجهة تلك الأفكار، وتدريس العقائد المختلفة، والتعريف بالفروق بينها وبين العقيدة السلفية، ونشر قيم الإسلام الصحيحة، والتعريف بمفاهيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكيفيته الصحيحة، والاستعانة بالتاريخ في توضيح الحوادث، والتعريف السليم بمفهوم الجهاد ومفهوم الشهادة، ومواجهة محاولات التكفير ونشر العنف بين المسلمين، وتصحيح السلوكيات المنافية للإسلام والمنسوبة إليه التي انتشرت في مجتمعنا.

دور مؤسسات المجتمع المدني
لا بد أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني دورها في الوقوف ضد محاولات نشر التكفير والعنف بالمجتمع، والعمل في المقابل على نشر ثقافة الحوار مع المخالف والحرية الدينية والتسامح الديني.
لا بد من العمل على إعادة قيم المجتمع الأصيلة كالعلم والعمل والبساطة والانتماء، ومحاربة القيم الدخيلة علينا المتمثلة في الولع بالمظاهر والتكلف وفقدان الانتماء للدين أو للوطن.
الأهم أن ندرك أن جزءًا كبيرًا من حل المشكلة يكمن في أيدينا، وأن كل فرد في المجتمع بإمكانه المساهمة في حل المشكلة.

إصلاح المؤسسات الثقافية والإعلام
أصبحت برامج القنوات الفضائية عاملًا فاعلًا في نشر ثقافة التطرف.
ولا بد من إصلاح تلك المؤسسات، ومراقبة ما يُعرض فيها، واعتماد سياسة ثقافية للدولة، لأجل التركيز على نشر أدب الخلاف، والثقافة الدينية السمحة، وقيم المحبة والتسامح والإخاء، لتكون سببًا في تقريب الطوائف والأديان وكافة أطياف المجتمع، بدلًا من ثقافة الفرقة والعنف والتطرف التي تبثها تلك القنوات.
ويرى جيرولد بوست (2007) أنه إذا قبل المرء فرضية أن الإرهاب هو نوع خطير من‎ ‎الحرب النفسية، ‏يُشن عبر وسائل الإعلام، فإن المرء لا يقاومه بالقنابل الذكية‎ ‎والصواريخ، بل بالحرب النفسية المضادة. وهذا ‏يوحي بأربعة عناصر في برنامج عمليات إعلامية هي:
·                             منع الإرهابيين المحتملين من الانضمام إلى المجموعة.
·                             إحداث انشقاق في المجموعة.
·                             تسهيل الخروج من المجموعة.
·                             تقليص الدعم للمجموعة وتجريد قادتها من شرعيتهم.

الإصلاح السياسي
كي نقضي على التطرف، يجب أن تتوقف الدولة بدورها وبكافة مؤسساتها، عن استخدام العنف، وتشرع في محاربة الفساد والظلم الاجتماعي بأشكاله، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين.
توجد نماذج تاريخية كثيرة نجحت في تغيير أوضاع أسوأ وأشد فسادًا من الأوضاع الحالية في ‏بلدنا، وكلها بلا استثناء لم تشرع في تشييد مشروعات كبرى متصورة أنها نقطة البداية لتصحيح ‏الأوضاع، بل شرعت تلك النماذج التاريخية في محاربة الفساد ‏على كافة الأصعدة للبناء على أرضية سليمة نظيفة، لأنه لا يمكن أن يحدث تقدم مع بقاء ‏المرتشين، وناهبي المال العام، والحريصين على تحقيق أقصى استفادة من مراكزهم الوظيفية ‏دون حق، إضافة إلى القيادات غير الكفأة التي تحارب الناجحين ولا تهتم سوى بالظهور ‏الإعلامي. هؤلاء ممن يجثمون على كاهل المنظومة الإدارية في مصر ويعيقونها.‏ ويجب أن نفهم أن المشروعات لن يكون لها قيمة في ظل بقاء الفاسدين، وأنه لو كانت ‏المشروعات تشفع مع بقاء الفساد جاثمًا ما قامت الثورة على مبارك الذي أنشأ بنية تحتية تفتقر ‏بعض دول الخليج لمثلها.‏
كانت أولى فتن الإسلام الكبرى في عهد سيدنا عثمان بن عفان، وفسدت الأحوال السياسية، ‏فماذا كان من سيدنا علي بن أبي طالب عندما ولي الخلافة؟ لا يذكر لنا التاريخ أنه شرع في ‏تشييد مشاريع ولا سيّر جيوشًا لفتح البلدان، بل أعلن العودة لمبادئ العدل والمساواة التي أكد ‏عليها الإسلام، وأنه سيعيد الأموال التي اقتطعها بنو أمية من بيت مال المسلمين، وعزل الولاة ‏الظلمة الفاسدين الذين ضجّت منهم الأمة.‏
صحيح أن القلاقل السياسية والخصومات، ورفض معاوية بن أبي سفيان تنفيذ قرار العزل عن ‏ولاية الشام، ثم بغيه على أمير المؤمنين، وغيرها من الحوادث السياسية، قد أعاقت مساعي سيدنا ‏علي في العودة بالأمة الإسلامية إلى ما كانت عليه حتى نهاية عهد سيدنا عمر، إلا أن المؤكد ‏أن سعي سيدنا علي في سنوات حكمه القليلة كان منصبًا على تصحيح الأوضاع الفاسدة ‏لتكون مقدمة لحكمه، وواكبها تقديم الخدمات الجماهيرية التي تسعى لإقرار العدل والأمن؛ فنظّم ‏الشرطة وأنشأ دار المظالم وبنى السجون لردع من يستحق وتحقيق الأمن.‏
ونسمع كثيرًا عن عمر بن عبد العزيز، وسيرته الزكية في سنوات حكمه، والخير الذي فاض ‏على المسلمين في عهده، فهل نعرف كم قضى عمر في خلافته حتى أتم كل هذا؟ استمرت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام على أرجح الأقوال.‏
والسؤال الأهم، ما هي الخطة التي انتهجها ابن عبد العزيز حتى أصلح البلاد والعباد في تلك ‏الفترة القصيرة؟
سنجد أنها نفس الخطة التي ارتآها سيدنا علي من قبله، وهي تحقيق العدل والمساواة، ورد ‏المظالم والأموال المنهوبة إلى بيت المال، وعزل جميع الولاة الظلمة، واستعان بالبطانة ‏الصالحة كما فعل سيدنا علي، والتي كان افتقادها أكبر مصيبة اُبتلي بها سيدنا عثمان من ‏قبل.‏
ولم يهتم ابن عبد العزيز بالمشاريع والفتوحات ظانًا أنها أفضل وسيلة لتخليد اسمه كما يفعل الطغاة والمرائين ‏في كل العصور، بل على العكس أوقف كل محاولات التوسع في أطراف الدولة، وسحب ‏القوات من مناطق القتال، ومع ذلك خلّده التاريخ أكثر مما خلّد الفاتحين.‏
قد يقول قائل إن فترة حكمه كانت صغيرة، وأنها لو طالت لشرع في تشييد المشروعات وإنفاذ ‏الجيوش، ولا يعنيني صحة هذا التوقع من عدمه، ولست ضد إقامة المشروعات النافعة، لكن ‏ما أريد تقريره هو أن ما ينبغي لأي حاكم يرجو وجه الله من خلال حكمه أن يفعله ابتداءً هو ‏القضاء على الفساد وأخذ الحق للرعية والدفاع عنها، وليس التزلف للتاريخ بالتشييد والفتوحات ‏قبل أوانها.‏
وفي التاريخ الحديث هناك تجربة مهاتير محمد في ماليزيا، وكيف تحقق من ورائها تقدم عظيم ‏لأن الجرح لم يرم على فساد بل تم تنظيفه والقضاء على الفساد أولًا قبل عمليات البناء، وفي ‏المقابل تجربة أردوغان في تركيا التي ركزت على تشييد المشروعات ورفع مستوى النمو ‏الاقتصادي ونجحت في هذا، ومع ذلك تثور ثائرة نسبة كبيرة من الشعب عليه من آن لآخر، ‏لأن الفساد لا زال مستشريًا خاصة في الشرطة والقضاء، وطالما بقي الأمان والعدل غائبين ‏ستبقى نسبة الساخطين مرتفعة مهما ارتفع المستوى الاقتصادي والخدمات في الدولة، ومن ‏يدعي أن العلمانيين هم فقط الساخطون على حكمه يفتي من كيسه.‏
إن أردنا أن نتقدم ونقضي على التطرف، فلا يلزمنا فقط أن تكون لدينا العزيمة والإرادة لتحقيق التنمية، بل لا بد من ‏القضاء على كل عوامل ومسببات الفساد. لا بد من التوقف عن التمييز بين المواطنين على ‏أساس النوع (رجل/امرأة)، وعلى أساس الدين ‏‏(مسلم/مسيحي)،‏ ولا بد أن نتعلم العمل كفريق، ‏ولا بد أن نكف عن التعامل مع المؤسسات التي نعمل فيها على أنها عزبة خاصة بنا نورثها ‏لأبنائنا، ولا بد أن نختار العاملين والقادة خصوصًا على أساس الكفاءة لا غير، ولا بد من ‏محاسبة كل فاسد في موقعه وتوجيه ضربات لشبكات الفساد الضاربة في الهيكل الإداري للدولة ‏حتى تتفكك وتضعف تدريجيًا، ثم لا بد من إقامة مشروعات كبرى وجذب الاستثمار الخارجي ‏وخصخصة بعض القطاعات الخدمية لكن بعد إزاحة الفساد الجاثم على مؤسسات الدولة وليس ‏قبل ذلك.‏
كما يجب أن تتيح الدولة الفرصة للتعددية الفكرية والسياسية على أسس حقيقية، وليس بالسماح لها كديكور ديمقراطي كما كان يحدث في عصر مبارك وما قبله.

الإصلاح الاقتصادي
سبق أن ذكرنا في مقال سابق عند عرض الأسباب المؤدية إلى التطرف أن الإحصائيات توضح أن البطالة تقف كأول الأسباب في نظر الشباب التي قد تدفع شابًا إلى الانضمام إلى الجماعات المتطرفة، خاصة تلك التي تسلك سبيل العنف، كما أن الإصلاح الاقتصادي في نظرهم هو أول وأهم سبل القضاء على التطرف والإرهاب.
ولا شك أن نظرتهم تلك على بساطتها صحيحة، فمن يجد سبيلًا كريمًا للحياة لن يكره نفسه وحياته ومجتمعه؛ من ثم يجب أن تُعنى الدولة بإنعاش الاقتصاد بتشييد المشروعات التنموية، ولكن ليس قبل القضاء على الفساد كما أسلفنا، لأن الفساد أرض خربة لن تسمح بإثمار أي مشروع للتنمية، بل ستمنع إنتاجيته وتفترس عوائده، ولن تجيء من ورائه منفعة، إضافة إلى أن استمرار الفساد يعني استمرار التعيين على أساس الوسائط بتلك المشروعات، مما سيُغير قلوب الشباب أكثر، ويفقدهم الأمل في المستقبل، ليساعد على ضم المزيد منهم للمتطرفين.
وكذا على الدولة العمل على تطبيق سياسات لتضييق الفواصل بين طبقات المجتمع ورفع مستويات الطبقات الدنيا، لأن الفواصل الطبقية في المجتمع المصري قد زادت بحيث تكاد تنقرض الطبقة الوسطى، وهو مؤشر منذر بالخطر الجسيم في أي مجتمع. ومن أهم هذه السياسات الواجب اتباعها جدولة وتنظيم الأجور، ووضع حد أعلى وأدنى لها.

أساليب أمنية وقانونية (العقاب)
يقول أصحاب القلوب الرقيقة إن هؤلاء المتطرفين قد أوصلتهم عقولهم القاصرة إلى تلك المواصيل، وينبغي أن نساعدهم ونكرر ونُلح لإعادتهم إلى جادة الصواب، ونقبل توبتهم إن عادوا دون عقاب. وهذا قد يكون صحيحًا إن كانت أيديهم لم تقترف ما يستحق العقاب، كما يمكن أن يتم تأهيل المتطرف وإعادته إلى المجتمع كفرد صالح، بعد قضاء أي عقوبة مستحقة عليه على ‏جرم يكون ارتكبه.‏
وأرى أن دور أجهزة الأمن في الحرب على التطرف والإرهاب لا يقف عند القبض على الإرهابيين وتسليمهم للعدالة، بل يتعداه إلى مقاومة التطرف والإرهاب، لكن أيضًا مع استخدام أساليب العقاب لكونها ستمثل رادعًا ووقاية لكل من تسول له نفسه أن يطرق هذا الطريق.
‏يذكر جون هورجان (2008)‏ أنه في حين أن الإرهاب هو في نهاية المطاف نشاط جماعي، إلا أن تلك الجماعة ستتألف‎ ‎دائما من أفراد ‏يلعب كل منهم دورًا، ومع أن برامج مكافحة الإرهاب‎ ‎لا تميل بصورة عامة إلى التركيز على الأفراد، فإنّ فهم ‏كيفية تحول الفرد إلى فرد‎ ‎متطرف والخصائص الاجتماعية والنفسية المرتبطة بذلك، هو بالذات ما يمكن أن ‏يعطينا‎ ‎فكرة عن أنواع القوى المحركة التي يجب فهمها من أجل تطوير طرق لتشجيع فك‎ ‎الارتباط.
ووفقًا لجيرولد بوست (2007) ‏فإن برنامج الحرب المضادة على الإرهابيين ينبغي أن يتضمن: منع الإرهابيين المحتملين من الانضمام إلى المجموعة، و‏إحداث انشقاق داخل المجموعة، وتسهيل الخروج من المجموعة، وتقليص الدعم للمجموعة وتجريد قادتها من شرعيتهم.‏
ويضيف محمد الثقفي (1425هـ) أن هناك نقطة جوهرية يجب مراعاتها، وهي أن مرتكبي الجرائم‎ ‎الإرهابية هم أبناء المجتمع، وأن مفكري التنظيمات المتطرفة هم كذلك أبناء المجتمع،‎ ‎وأن وجودهم في حجر ‏المجتمع سيكون عامل مساعد على تخفيف العوامل التي دفعتهم‎ ‎للانتماء للتنظيمات المتطرفة، وارتكاب جرائم ‏إرهابية ذهب ضحيتها العديد من الآمنين‎ ‎الأبرياء، بمسوغات خاطئة تتعارض مع كافة الشرائع السماوية ‏والأعراف والقيم‎ ‎الاجتماعية. أي أن الباحث إنما يرى أن التسامح مع الإرهابيين واستعادتهم إلى المجتمع ‏الأصلي وعدم نبذهم ربما يجدي نفعًا، وذلك بدلًا من محاربتهم وتعقبهم أمنيًا.‏
وقد أشارت إحدى النتائج التي استخلصتها مجموعة عمل قمة مدريد: "سيتطلب‎ ‎تغيير ثقافة ‏الكراهية والعنف عقودًا. وفي هذا الصراع، من الضروري المحافظة على‏‎ ‎المعايير الأخلاقية الرفيعة، وذلك على ‏سبيل المثال، بتعزيز حكم القانون، وأن تصبح الدول قدوة‎ ‎في الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية. فالحياد عن ‏هذه المعايير يعني خفض مستوانا‎ ‎إلى مستوى الإرهابيين، وإلحاق الضرر بالديمقراطية المتسامحة التحررية" ‏(جيرولد بوست، 2007)‏.‏
‏ووفقًا لجون هورجان (2008)‏، يمكننا القول بصورة عامة إن الانخراط في الإرهاب عملية معقدة، تشتمل على مراحل‎ ‎متميزة يمكن ‏تلخيصها بأنها انخراط الإرهابي الفرد في عملية تدرجية من التكيف‎ ‎والذوبان في المجموعة التي تستوعبه عبر ‏مراحل يمر بها تدريجيًا.‏ وهناك عدة نتائج يبدو أنها تنبثق عن التمييز بين هذه المراحل، وإحدى هذه النتائج‎ ‎هي أننا قد نتمكن من البدء في وضع مبادرات مختلفة تصاغ كل منها لمكافحة الإرهاب في‎ ‎مرحلة مختلفة، ‏استنادًا إلى ما نستطيع أن نتحقق من أنه النقطة التي تكون فعالية‎ ‎التدخل عندها على أكثر ما تكون عليه، ‏سواء كان حيلولة دون الانخراط منذ البداية، أو‎ ‎تعطيلًا تاليًا للانخراط، أو تسهيلًا في نهاية الأمر لفك ‏الارتباط. وسيقودنا إدراك‎ ‎وجود نقاط التمييز هذه إلى إدراك احتمال وجود أنواع فريدة للتدخل يجب التوصل ‏إليها،‎ ‎وفقًا للنقطة التي نقرر أنها الأفضل لتركيز عمليات تدخلنا عليها. ورغم أن مرحلة فك الارتباط أو ‏الانفصال عن الحركة الإرهابية تظل المرحلة التي‎ ‎نفهمها أقل من غيرها، والتي يجرى حولها أقل قدر من ‏الأبحاث، فمن المفارقات أن مبادرات مقاومة الإرهاب العملية -التي تهدف ليس فقط إلى تسهيل فك الارتباط ‏أو‎ ‎الانفصال، وإنما أيضًا إلى الحيلولة دون الانخراط منذ البداية- قد تصبح أكثر فعالية‎ ‎في هذه المرحلة ‏بالذات.
وأرى أنه ربما كان الخطأ في طرق العلاج التي ننتهجها أنها لا تحاول معالجة الأسباب، فالتطرف وليد منظومة ضخمة من الأسباب؛ بينما كل محاولات العلاج ‏كانت قانونية تشريعية، فلم تعطِ النتائج المطلوبة، ولم تحقق الاندماج الإنساني بين ‏البشر، بينما الصحيح هو محاربة كل الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى التطرف ‏بتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الطرف الآخر، وتشجيع الاختلاط بين الطوائف المختلفة، ‏إضافة إلى علاج الظروف السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تسبب الكراهية بين تلك ‏الطوائف.‏
كما يرى محمد الثقفي (1425هـ) أن مقاومة الإرهاب هو أمر يتطلب تآزر كافة أنساق ‏المجتمع، ولا يجب ‏أن تُلقي هذه المهمة الصعبة على عاتق النسق الأمني في المجتمع وحده، ‏فللنسق الأمني دورًا مرتقبًا باعتبار ‏وظيفته الأساسية تحقيق الأمن والاستقرار‎ ‎للمجتمع، ولكن لا ‏يجب أن يضطلع النسق الأمني وحيدًا بالمقاومة ‏بعيدًا عن الأنساق الأخرى، فللنسق‎ ‎الديني في ‏المجتمعات الإسلامية تحديدًا دورًا مرتقبًا باعتباره النسق الأكثر ‏تأثيرًا في‎ ‎بقية الأنساق الأخرى، ‏ولأنه الحجة التي يستخدمها مفكرو التنظيمات المتطرفة،‎ ‎وكذلك النسق التربوي ‏الذي يُعال عليه ‏كثيرًا في غرس القيم التربوية النبيلة‎ ‎المنبثقة من العقيدة الدينية الصحيحة والقيم ‏الاجتماعية ‏السامية ومن خلال مؤسساته‎ ‎المختصة، وكذلك فللنسق الأسري دور رئيسي لا يستهان ‏به في هذا المجال، ‏ويظل دور‎ ‎النسق السياسي هو الدور الريادي والأساسي، باعتباره النسق ‏المحوري والموجه لبقية‎ ‎الأنساق ‏الأخرى.‏‎ ‎

وللأسف فقد أدت بعض الحوادث الإرهابية التي تمت نسبتها إلى الإسلام إلى الربط بين الإسلام ‏والتعصب لدى الغرب. يذكر سعيد عبد الله حارب (د.ت) أنه في التاريخ المعاصر برزت حركات تعصب وعنف ‏وإرهاب اصطبغت تارة بالفكرة الاشتراكية أو الشيوعية وتارة بالقومية والعنصرية وتارة بالصبغة الدينية؛ إذ لا ‏يمكن أن نتجاهل دعوات وحركات عنف مثل: الألوية الحمراء في إيطاليا، و(بادرماينهوف) في ألمانيا، وحركة ‏‏(أوم) في اليابان، والجيش الجمهوري الإيرلندي في إيرلندا الشمالية، ومنظمة (إيتا) في منطقة الباسك الأسبانية، ‏وحركة (17نوفمبر) في اليونان، والحركات الهندوسية المتطرفة في الهند، وبعض الحركات الثورية اليسارية في ‏أمريكا الجنوبية، بل إن هناك ما يقرب من 51 منظمة داخل الولايات المتحدة الأمريكية تصنف على أنها ‏حركات إرهابية؛ مما يعني أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على شعب دون غيره أو مجتمع دون سواه أو دين ‏بذاته، بل أنها تشمل كافة المجتمعات والأديان والأعراق، وهنا تبرز أهمية الإشارة إلى أن خطورة الظاهرة في ‏المجتمعات الإسلامية أنها رُبطت بالإسلام فتوصف هذه الظاهرة تارة باسم التطرف الإسلامي وتارة أخرى باسم ‏التعصب الإسلامي، مما وصم المجتمعات الإسلامية بهذه الصفة، وتولى كبر ذلك وسائل الإعلام ‏والمؤسسات والمراكز المعادية للإسلام؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتطالعنا هذه الوسائل بدراسة أو بحث أو ندوة أو ‏حديث لشخصية عامة يصف الإسلام بالتعصب والعنف والتطرف والإرهاب، مستغلًا في ذلك تصرفات بعض ‏المسلمين الذين تبنوا هذا المنهج في العلاقة بالآخرين، مما دفع بالمسلمين كافة ليقفوا موقف الدفاع عن ‏مبادئهم ودينهم وعقيدتهم في محاولة لإبراز حقيقة الإسلام ودفع التهمة عنه.‏
ولا أتفق مع هؤلاء المبررين، ممن ينفون عن المتطرفين النسبة إلى الإسلام، وأرى أن الأصوب أن نقول أن هناك ممن انتسبوا للإسلام من اعتنقوا عقيدة غريبة عنه وعن تعاليمه، ونسبوها للسلف، وقادهم اعتناق تلك العقيدة إلى تكفير كل من عداهم من البشر، حتى من هم على دين الإسلام.
وأخيرًا، فقد انحسر مد الخوارج الأوائل حتى أصبحوا في نهاية أمرهم لصوصًا سلابين. فهل سينحسر مد خوارج زماننا أم هم الفتنة التي ستسبق ظهور الدجال إن صحت الأحاديث التي تحدثت عنه وصدق وجود تلك الشخصية؟!

الاثنين، 10 يونيو 2019

179-عوامل الخطر الاجتماعية المؤدية للإرهاب


عوامل الخطر الاجتماعية المؤدية للإرهاب
د/ منى زيتون
الاثنين 10 يونيو 2019

مع تنامي ظاهرة التطرف الديني، كانت هناك محاولات من علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي في الغرب لتحديد الظروف الاجتماعية التي تحيط بالمتطرف، وتدعم وصوله إلى حد الإرهاب، ولكن كانت النتائج إلى حد بعيد محبطة. ووفقًا لموسوعة الويكيبديا، فإنه قد وُجد غالبًا أن الإرهابي سينظر ويلبس ويتصرف مثل أي ‏شخص آخر حتى ينفذ المهمة المحددة له؛ لذا فإن الاستناد على الملامح الشخصية أو ‏الجسمانية أو الاجتماعية لا يبدو مفيدًا جدًا لأن الوصف الجسماني والسلوك الاجتماعي للإرهابي يمكن أن يصف ‏تقريبًا أي شخص طبيعي.
ويشير جون هورجان (2008) إلى ما يؤكد على الرأي السابق عندما يذكر أنه بعد مرور أقل من سنة على وقوع ‏أربعة تفجيرات انتحارية منسقة استهدفت مترو‎ ‎الأنفاق في لندن في 7 تموز/يوليو 2005، خلص تقرير ‏لمجلس العموم البريطاني حول حوادث ذلك اليوم إلى القول: "ما نعرفه عن المتطرفين السابقين في المملكة‎ ‎المتحدة يظهر عدم وجود سمات مشتركة نمطية ثابتة للمساعدة في تحديد من يمكن أن يكون‎ ‎معرّضًا لأن ‏يصبح متطرفًا. والأشخاص الأربعة المعنيون هم ثلاثة من المواطنين‎ ‎البريطانيين من الجيل الثاني، الذين ‏ينحدر آباؤهم من أصول باكستانية، وواحد ينحدر‎ ‎أبواه من جامايكا. كامل بورغاس الذي أُدين في مؤامرة ‏ريسين، فشل في الحصول على حق‎ ‎اللجوء السياسي في الجزائر، وريتشارد ريد الذي أخفق في تفجير ‏الحذاء/القنبلة أمه‎ ‎إنجليزية وأبوه من جامايكا. وقد حصل البعض على مستوى جيد من التعليم، في حين‎ ‎حصل البعض الآخر على قدر أقل من التعليم. والبعض فقراء حقًا، في حين أن البعض الآخر أقل‎ ‎فقرًا. ‏والبعض اندمج جيدًا على ما يبدو في المملكة المتحدة، ولكن البعض الآخر لم يفعل‎ ‎ذلك. ومعظمهم عزّاب، ‏ولكن البعض متزوجون ولهم أولاد. والبعض من المتقيدين في الماضي‎ ‎بالقوانين، ولكن للآخرين تاريخًا في ‏ارتكاب الجرائم البسيطة"‏. وقد انطوت جميع أجزاء هذا التقرير الجدير بالملاحظة على إحساس بالإحباط، ‏بسبب‎ ‎الفشل في التوصل إلى تحديد سمات مشتركة ثابتة بين شخصية الأفراد الذين تم تجنيدهم‎ ‎في حملة "‏القاعدة" العالمية للإرهاب والتخريب في بدايات الألفية الجديدة.
كذلك يشير بست ‏(Best, 2008)‏ ‏إلى أن ما كان أكثر إدهاشًا للناس عن حوادث 7 يوليو 2005 بلندن، هو أن الأشخاص الأربعة المسئولين عن ‏التفجيرات كان لديهم إلى ذلك اليوم حياة هادئة جدًا، ولم يكن لديهم أي اتهامات سابقة!
ويصدمنا ‏فيكتوروف ‏(Victoroff, 2005)‏ حين يذكر أن مما يميز دراسات الإرهاب هو قيامها على التخمين النظري ‏المستند على تفسير شخصي لبعض الملاحظات، مع الفشل في الأخذ في الحسبان عدم التجانس العظيم ‏للإرهابيين!
لكن بالرغم من عدم التجانس الاجتماعي العظيم بين الإرهابيين والمتطرفين عامة، والذي يكاد يجمع عليه جميع الباحثين الاجتماعيين، فإنه لا يمكن إنكار وجود أسباب اجتماعية تمثل عوامل خطر اجتماعية، وقد تؤدي بأفراد أي مجتمع إلى التطرف دينيًا، بغض النظر عن الدين أو المذهب الذي ينتمون إليه، أو المجتمع الذي يوجدون فيه، ولكن بالرغم من ذلك تبقى عوامل خطر، ولا يمكن القطع أن من يتعرض لها سيصبح إرهابيًا، ومن أهمها:
1-المشاكل والضغوط الاجتماعية
لأن السرعة والتغير هما سمتا عصرنا المادي، فقد أصبح الإنسان المعاصر يعاني من كثرة المواقف الضاغطة المستمرة عبر مراحل حياته، التي يمر بها في الدراسة، ثم الزواج والعمل، والتي يفرضها عليه المجتمع.
في المجتمعات النامية تحديدًا –كسائر الدول العربية- تزيد حدة هذه الضغوط عنها في المجتمعات المتقدمة، مع تدهور أوضاع التعليم والأوضاع الاقتصادية فيها. كما تسهم الظروف التي قد تقتضي من الإنسان الانتقال إلى مجتمع آخر، تختلف قيمه وعاداته وأعرافه، مع تلك المناظرة في مجتمعه، ويكون عليه التكيف والتأقلم معها، في زيادة حجم الضغوط الاجتماعية عند البعض.
واستمرار تعرض الإنسان لضغوط المجتمع يسبب له الإجهاد العصبي، كما يؤدي إلى بعض الأمراض النفسية كالقلق والعدوانية أو الانطوائية، وغيرها، وقد تصيبه كذلك بعض الأمراض العضوية مثل ارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة والقولون العصبي من تأثير ضغوط الحياة ومشاكلها المتزايدة. ولكن الأدهى أن تلك الضغوط قد تصل به لحد التطرف الفكري!
يستخدم المتطرف هنا ميكانيزم دفاعي شهير هو التحويل، فهو يحول مشاكله الاجتماعية لقضايا عامة كي يخفف الضغط على نفسه.
والفرق بين المتطرف والمواطن الإيجابي هو أن المواطن الإيجابي يحب وطنه ويعترف بمشكلات مجتمعه، لكنه لا يرى جانبه الأسود فقط، وفوق ذلك يسعى لتجاوز تلك المشكلات والمساعدة على حلها، لكن المتطرف يكره مجتمعه ويرفضه كليةً، متصورًا أن حل مشاكله تكون بإحلاله بمجتمع بديل ينتمي لعصور مضت!
2-الانتماء لجماعة متطرفة
يعد الشعور بالهوية المشكلة الرئيسية في المراهقة؛ ودخول الإنسان مرحلة المراهقة هو بداية رحلته لفهم نفسه، وما يريد وما يمكن أن يقوم به من أدوار في المجتمع عندما يكبر.
وتلاحظ الكاتبة من متابعتها وقراءاتها للحوادث؛ أن الجماعات المتطرفة تسعى لضم الأعضاء ‏من صغار السن وخاصة المراهقين. ويفسر فؤاد أبو حطب وآمال صادق ‏(1995، ص 393)‏ ذلك حين يذكران أن ‏المراهقين قد يلجأون إلى بعض الحيل الدفاعية ضد اضطراب الهوية، ومنها الانضمام إلى الجماعات، وهي ‏من الحيل التي تفقد المراهق فرديته، وقد ينضم المراهق إلى الجماعات المتطرفة التي تصوغ المراهق في ‏قالبها من حيث السلوك والملبس والمعتقد.‏
يعد الانضمام لجماعة لها قيم وأفكار تختلف جذريًا عن قيم وأفكار المجتمع الأم، خطوة أولى على طريق التطرف الديني، ستليها خطوة أخرى بالتأكيد هي التعصب لأفكارها، وقد يليها الإرهاب! وتلعب المعرفة المضادة للمجتمع Antisocial Cognition -كاتجاه معاكس لأسلوب الحياة الاجتماعية- دورًا في تكوين وتعزيز السلوك المتطرف.
فمن النادر أن نجد شخصًا يحمل فكرًا متطرفًا يستمر في حالة الانعزال عن المجتمع الأم لفترة طويلة، لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، كما أن أعضاء الجماعات المتطرفة يسعون لاستقطاب كل من يجدون لديه استعدادًا فكريًا للانضمام إليهم، من ثم سينتهي به الأمر إلى الانضمام لجماعة تحمل الفكر ذاته الذي يحمله أو فكر مقارب له.
وتستخدم الجماعات المتطرفة مغريات متنوعة لجذب الأفراد للانخراط في الجماعة. ويشكل هؤلاء الرفاق المضادون للمجتمع Antisocial associates  دعمًا اجتماعيًا للتطرف؛ بسبب ارتباط الفرد بهم، وانفصاله اجتماعيًا عن مجتمعه الأصلي.
وقد حدد جون هورجان (2008) مجموعة من العوامل المسبقة التي تجعل المرء مهيئًا‎ ‎للانخراط في ‏الإرهاب. ومن هذه العوامل: وجود توقعات تتعلق بالانخراط في الجماعة، كالإحساس بأن لحياة‎ ‎المرء هدفًا، والمشاركة في النشاطات، والتأهل للانضمام إلى المجموعة عن طريق الأصدقاء أو‎ ‎الأسرة، أو النشوء في بيئة ‏معينة.
ويرى هورجان أنه وطالما ظل‎ ‎الالتزام والتفاني في تهيئة وضم الفرد أكثر فأكثر في ‏الحركة إيجابيًا بالنسبة للفرد، فإن ذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى تشكيل هوية جديدة، أو هوية معززة ‏بشكل‎ ‎فعال له. وإن شئنا أن نفهم ماهية "العقلية الإرهابية"، إن كان هناك مثل ذلك الأمر، فلعل‎ ‎الأفضل هو أن يُنظر إليها كنتاج لانتماء اجتماعي متزايد إلى أعضاء حركة إرهابية، وما يرتبط بذلك من انخراط في‎ ‎نشاط غير قانوني.
والسؤال الجوهري: ما السبب المنطقي لتمسك هؤلاء البشر بالجماعة إلى حد الكذب لأجل تصويب مواقفها أمام الجماهير؟ وهل هم ‏بالفعل مقتنعون بما يدّعون الاقتناع به من أفكار أم يبررون بدافع الانتماء للجماعة؟
الإجابة على هذا السؤال تتضمن بنودًا عدة؛ فيلزمنا فهم كيفية تكوين هذه الجماعات فكريًا، والكيفية التي ‏يُضمن بها استمرار الأعضاء في الانتماء إليها، حيث تُستثمر المعتقدات والمواقف الأخلاقية ‏المشتركة، وتعمل كقوة للتوحيد داخل مجتمع تلك الجماعات، ويمكنني القول إن هؤلاء الأفراد تنشأ لديهم حالة من التمركز حول الذات الجمعية للجماعة. وكثيرًا ما يتلازم اندماجهم مع أفراد الجماعة الجديدة التي انتموا إليها، بابتعادهم عن أسرهم وأصدقائهم، وكل ما ليس له صلة بحياتهم الجديدة.
ووفقًا لــجيرولد بوست (2007) فإنه ‏بالرغم من وجود العديد من العوامل والدوافع الفردية لممارسة الإرهاب، فقد وُجد أنه بدلًا من علم النفس الفردي، ‏فإن ما يبرز كأقوى عدسة مكبّرة يُنظر من خلالها لفهم‎ ‎السلوك الإرهابي هو علم نفس المجموعة والمنظمة ‏وعلم النفس الاجتماعي، مع تأكيد خاص‎ ‎على "الهوية الجماعية"، والتي يتم ترسيخها بالنسبة لبعض الجماعات ‏‏-خاصة الجماعات‎ ‎القومية/الإرهابية- في وقت مبكر جدًا.
3-تغير قيم المجتمع
ربما لا يوجد شخص يعيش على ظهر الأرض لم يلحظ التغيرات السريعة التي لحقت قيم وأعراف مجتمعاتنا الصغيرة نتيجة انفتاح العالم.
كما أنه من الملاحظ أنه بعد انتهاء الحروب، يحدث خلل قيمي في المجتمعات، قد يصل عمقه إلى أن يحتاج إلى نصف قرن لإصلاحه!
وبعد خوض مصر –تحديدًا- لأربعة حروب في ربع قرن، كان من الطبيعي أن تختل قيم المجتمع، ويصبح أفراده أكثر أنانية، خاصة وقد مر المجتمع المصري بالكثير من التحولات الاجتماعية في فترة زمنية قصيرة، جعلت من الصعب الاحتكام إلى نموذج مثالي للسلوك في المجتمع المصري، ومن ثم يسهل وقوع كثيرين في براثن التطرف، بينما يعتبرون سلوكهم ويعتبره غيرهم عاديًا!
كما أدت زيادة استهلاك الشعب المصري لسلع غير أساسية، ولم يعتد عليها في سابق عهوده، قبل تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في نهاية السبعينات، إلى تغير قيم البساطة في المجتمع، وحلّت محلها قيمة الترف؛ مما عزّز الإحساس بالتفاوت الطبقي، وزاد الفساد في المجتمع؛ لرغبة كثيرين في الثراء السريع.
وتفككت العائلات الكبيرة وضاع التماسك الاجتماعي، فلم يعد متقبلًا تحمل نفقات إقامة أحد من الأقارب أو الأيتام والتكفل به كما كان يحدث قديمًا، مع زيادة تكاليف المعيشة بسبب التطلعات.
وتغير المقبول في العلاقات بين الشباب والبنات، مع عدم القدرة على الزواج.
وزاد إحساس الشباب بالظلم نتيجة عدم توافر فرص العمل المناسبة خاصة للمتفوقين، فأصبح الحصول على المال بأي وسيلة، حتى وإن خالفت القيم، هدفًا أكيدًا لدى كثيرين.
وكما وردتنا قيم مخالفة لمجتمعنا من بلاد الغرب، أتتنا غيرها من دول عربية أخرى، نتيجة الضائقة الاقتصادية التي دفعت كثيرين للهجرة بحثًا عن فرص العمل.
ولأن بعض هذه التغيرات في قيم المجتمع تبعد به عن حقيقة الإسلام والمجتمع المسلم، فقد أدت إلى تصاعد التطرف الديني، عندما ولدت رد الفعل المعاكس؛ حيث لجأ أفراد المجتمع إلى الدين ليقدم لهم القيم التي تحميهم من الإغراءات التي زادت في مجتمعهم، ولكنها كانت في حقيقتها قيمًا تتماشى مع مجتمعات أخرى لا تأخذ من الإسلام سوى المظاهر الشكلية.
4-البحث عن التقبل الاجتماعي
ليس من الضروري أن يكون السلوك المتطرف شاذًا في المجتمع، بل قد يكون منتشرًا في المجتمع ككل؛ مثلما يسود الغش والرشوة في المجتمعات التي تفسد كليًا، أو في بعض المجتمعات الفرعية أو الجماعات المحدودة في المجتمع الكبير.
فالسلوك المتطرف يُعرف من خلال آثاره السلبية على الفرد والمجتمع، وليس من خلال درجة شيوعه أو شذوذه، لأنه قد يشيع في بعض المجتمعات الفاسدة حتى يصير السائد، مما يجعل أفراد المجتمع يتحيرون بين ما تعلموا أنه الشكل المثالي من القيم، وما هو كائن أمام أعينهم في المجتمع.
ويعتبر البحث عن التقبل الاجتماعي في المجتمع الكبير أو الصغير من الأسباب التي تدفع الفرد نحو الفكر والسلوك المتطرف، ومن ثم يشكل فهم طبيعة العلاقة بين المتطرف وأفراد عائلته وأقرانه ورموز السلطة في مدرسته أو مسجد الحي أساسًا لتفسير وصوله للسلوك المتطرف، لأنه من المؤكد أن لأحدهم أو لبعضهم علاقة باكتسابه ذلك الفكر والسلوك.
****
ولا شك أن الأسباب التي يمكن أن تنشأ عنها ظاهرة معقدة كالتطرف الديني كثيرة ومتنوعة، ولنا عودة للحديث عن أسباب تربوية تتعلق بالتطرف، نراجع فيها واقع التعليم العام والتعليم الفني والتعليم الديني، وكيف أصبح نظام التعليم ككل بما هو عليه رافدًا للجماعات المتطرفة، وأثر سيطرة الجماعات المتطرفة على الجامعات والمدارس ونقابات المعلمين، وما يمكن أن تلعبه التنشئة المتسلطة في الأسرة والمدرسة من دور كبير في بذر بذور التطرف.

الأحد، 14 أبريل 2019

178-المسئولية عن الخيانة ما بين الرجال والنساء!


المسئولية عن الخيانة ما بين الرجال والنساء!
د. منى زيتون
الاثنين 15 أبريل 2019

على غلاف العدد الأخير من صحيفة In Touch Weekly الأسبوعية، ظهرت صورة للأمير ويليام حفيد الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، وصورة أخرى لزوجته الأميرة كيت، مع عنوان صادم عن أسوأ كوابيس الأميرة؛ بخيانة زوجها لها، التي اكتشفتها مؤخرًا، وفقًا لما أوردته الصحيفة.
نشرت الصحيفة القصة الكاملة لما زعمت أنه خيانة الأمير ويليام لزوجته كيت ميدلتون، مع إحدى صديقاتها، والتي بدأت عندما كانت كيت حاملًا في ابنها الأخير لويس. لكن يبدو أن الزوجة المخدوعة تأكدت من شكوكها فقط في الشهر الماضي.
وأشارت التقارير الصحفية أن ويليام لا يظهر عليه الشعور بالذنب، بل ولم يعترف! ونفى لكيت أنه خانها كما تعتقد. ولست محققة قانونية معنية بتحري صحة الواقعة، ولكن كان هذا الخبر لافتًا؛ فالأمر أعم من أنه ابن الأمير تشارلز الذي خان أمه الأميرة ديانا في شهر العسل، واستمر في خيانته لها طيلة سنين زواجهما؛ إذ أنه بالرغم من أن الرجال عبر العالم وعبر التاريخ لديهم استعداد طبيعي لزوغان العين، لكن الملاحظ أن التبجح المصاحب للخيانة قد زاد مرة أخرى في العصر الحديث، بعد أن كانت قد تقلصت نسبته منذ منتصف القرن العشرين، مواكبًا لدعاوى احترام المرأة والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق التي سادت في تلك الحقبة.
كثيرًا ما تغضب النساء مني، وتتهمنني بانحيازي للرجال في كثير من القضايا الاجتماعية التي أناقشها في مقالاتي. وحقيقةً فإنني ربما كنت أرى النساء أكثر احتمالية لاستخدام أساليب اللف والدوران والتوقيع والكيد وغيرها من خبائث الأساليب الاجتماعية، لكن فيما يخص الخيانة الزوجية، فإنني أرى النساء أكثر إخلاصًا، ولا وجه للمقارنة بينهن وبين الرجال، بل وليت الرجال يكونوا في معشار قدر إخلاصهن، وليس هذا تحيزًا مني للنساء. وصدق من قال: إن الرجل قلبه كحبة الرمانة تسع ألف من الأحبة، إنما المرأة عندما تحب رجلًا يستحيل أن تطرف عينها على رجل غيره، بل هي تعمى عن غيره حتى لو كان خائنًا متمرسًا في الخيانة! ومن وجهة نظري، فهذا من حكمة إباحة التعدد للرجال دون النساء؛ فالله خالقنا وهو أدرى بخلقه. وليس هذا الأخير موضوع نقاشنا هنا على أي حال.
وخلاصة رأيي أنني أرى الخيانة الزوجية أكثر شيوعًا في الرجال، فقد نجد نساءً خائنات لأزواجهن، وأغلبها خيانة غير جسدية –وهذا ليس تبريرًا مني لهن-، لكن كم النسبة؟ كما أنني أرى أن مسئولية الرجال عن الخيانة أكبر في أغلب الحالات من مسئولية النساء، وهذا ينطبق عبر العالم وباختلاف الثقافات.
أحد الأصدقاء المُصر على تعادل مسئولية الرجال والنساء في أمر الخيانة، احتج على كلامي قائلًا: دائما يُذكر الرجال عندما يأتي الحديث عن الخيانة؛ ولكن أين النساء من هذا المعترك؟! وهو هنا لا يقصد خيانة زوجة لزوجها، فهو يعترف أنها نادرة ولا تُقاس أعدادها بأعداد حالات خيانات الرجال المتزوجين لزوجاتهم، بل يقصد المرأة الطرف الثالث التي تمت معها الخيانة من رجل متزوج. من وجهة نظر الأخ العزيز فإن هناك إسهامًا متبادلًا وخفيًا بين النساء والرجال في سقطة الخيانة.
بدوري أرى أن النساء اللاتي تتم الخيانة معهن بعضهن من نوعية الباحثات عن منفعة من الرجل، وهن من يُطلق عليهن فئة "المصلحجية"، سواء كانت المصلحة هدايا أو خدمات تُقدم لهن، وبعضهن صائدات رجال ساعيات في خراب البيوت العامرة، وكلا هاتين الفئتين من النساء هن من تبدأن بالمبادرة ومحاولة لفت وجذب انتباه الرجل، الذي دائمًا ما يكون رجل ناجح وصاحب مركز اجتماعي ومادي مرموق.
 لكن النسبة الأكبر من النساء اللاتي ينخرطن في علاقات خيانة لسن أكثر من ساذجات، لم يكن يعلمن بالأساس أن الرجل متزوج أو خاطب أو مرتبط، وهذا رأيته في كثير من الحالات. وبعض الرجال الخونة أيضًا يوهم الساذجة بأنه في طريقه للانفصال، أو أنه يريد أن يتزوجها مع الإبقاء على زواجه البائس الذي لن ينهيه حرصًا على الأطفال أو حرصًا على رضا أمه التي لا تريده أن يطلق الأولى التي لا يحبها ولم ينجب منها بعد، أو أن ما يؤخر ارتباطه بها هو ضيق ذات اليد وأنه ينتظر فرصة ما لتحسين دخله أو للسفر إلى الخارج ليتزوجها ويأخذها معه. وفي كثير من البلاد العربية لا زال الزواج الثاني شائعًا ولا مشكلة فيه. ولو اجتهدت لحصر مختلف الحالات التي اطلعت عليها، والأسباب المتنوعة التي يطلقها الرجال الخونة لخلق علاقات خارج إطار الزواج، لأعياني الحصر، وكأن الواحد منهم لا يكتفي بأن تكون له ضحية واحدة وهي زوجته، فيخونها مع خائنة على شاكلته، بل يُصر على أن تكون له ضحيتان!
إذًا فالمسألة نسبية، ولكن مساهمة الرجال في القضية تكون بالنسبة الأكبر، بدليل أن الرجل الخائن تتكرر منه الخيانة مرارًا، وليس منطقيًا أن الله يجعل في طريقه دائمًا نساء متلاعبات! وقطعًا هذا ليس دفاعًا عن المتلاعبات.
إن المرأة يستحيل أن تخون رجلًا تحبه ولو خطب ودها ملك، فعندما تحبك امرأة لن ترى غيرك، وربما لهذا كانت الخيانة أصعب وقعًا على الرجل لأنها تعني له أنه لم يكن مخدوعًا فقط في عفة زوجته، بل ومخدوع في استشعاره حبها له، بينما المرأة تعرف أن عيون الرجال طوامح، والرجل أكثر استعدادًا للخيانة مع اختلاف درجاتها، ولا يمنعه حبه لزوجته عن خيانته إياها! ونزوات الرجل لا تنفي حبه، ففي قلبه متسع لأخريات! وربما لهذا تكون النساء أكثر استعدادًا للمسامحة والغفران بعد فترة من حدوث الخيانة، عندما يعود لها الرجل، وبراءة الأطفال في عينيه، لتبدأ معه الحوار رافضة عودته بـ "أيظن أني لعبةٌ بيديه؟" وفي النهاية تحن إليه وتقول: "ما أحلى الرجوع إليه!".
ومن الملاحظ لي أيضًا أن الزوجة ذات الشخصية القوية تميل لإلقاء الذنب على الرجل أكثر من المرأة التي شاركته الخيانة، بينما المرأة الضعيفة –وأكثرهن كذلك- تميل إلى تحميل المرأة التي شاركت زوجها خيانته لها الذنب، صابة جام غضبها عليها وحدها! حتى وإن كانت تعلم أن زوجها معتاد الخيانة، وليست هذه سقطته الأولى.
وربما كانت هذه السلوكيات من قِبل النساء آثار غير مباشرة تسهم في تكرار حالات خيانة الرجال.

الاثنين، 1 أبريل 2019

177-علاقات مُعلَّقة


علاقات مُعلَّقة
د/ منى زيتون
الاثنين أول أبريل 2019
الثلاثاء 2 أبريل 2019
http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/935833

ذكرنا أن الكفاءة الاجتماعية لا تشمل مهارتي التعبير اللفظي والانفعالي فقط، فهناك مهارات الضبط اللفظي والانفعالي، والحساسية اللفظية والانفعالية، ونحن بحاجة لجميع مهارات التواصل لنتمكن من رؤية المواقف بيننا وبين الطرف الآخر من منظور الآخر، لندرك كيف يراها، ونفهم لماذا تأتي أفعاله وردود أفعاله على النحو الذي هي عليه، ومن ثم لننجح في تفاعلنا الاجتماعي معه.
بوجه عام، فإن التأخر في حسم العلاقات قبل الزواج تحديدًا، يعد من أشد السلوكيات قسوة؛ لأنه يُشعر الطرف الآخر أن لديك خيارات أخرى، وأنك تقارنه بغيره، مما يعني أنك غير مقتنع به تمامًا، وهذا يتنافى مع معنى الحب الحقيقي. وهذه السمة –تأخر الحسم- تتعدى فترة ما قبل الزواج لتظهر أيضًا في العلاقات بعد الزواج.
قد يكون عدم الحسم سمة في الشخص لأنه من مفرطي التفكير؛ فيحتاج وقتًا طويلًا ليُقرر، وقد يكون عارضًا لأنه تواجهه صعوبات مالية أو عائلية أو أيًا كان نوعها، وقد يتمثل تأخر الحسم في وجود مماطلة في تنفيذ القرار رغم اتخاذه؛ لافتقاد هذا الشخص الجرأة الكافية بسبب وجود صعوبات تعيقه من أي نوع. لكن في بعض الأحيان قد يكون عدم حسم أحد الطرفين مرآة وانعكاسًا لسلوك الطرف الآخر!
في كثير من الحالات تأتيني الشكاية من أحد طرفي العلاقات الزوجية أو العاطفية بأن الطرف الثاني يتعامل معه وفقًا لنمط مزدوج الوجهين كالحركة الموجية، قمة يليها قاع يليها قمة جديدة، وهكذا! أو ما يُعرف بنمط السخونة/البرودة Hot/Cold. وهناك فهم خاطئ منتشر حول من هذا نمطهم بأنهم بالضرورة متلاعبون. من خلال خبرتي رأيت بينهم متلاعبين بالفعل، لكن هناك نسبة ليست بالقليلة من بينهم يكون سلوكها الظاهري على هذا النحو رغم كونهم غير متلاعبين، ومنهم من اشتكت لي من خطيبها، وقالتها بالإنجليزية: I don’t want a person who is emotionally unavailable، وترجمتها "لا أريد شخصًا مشاعره غير متاحة!". إذًا فهي تراه شخصًا لا يفتح لها قلبه، وهذا ما يجعلها تتراجع في إظهار مشاعرها لتبدو باردة!
فكثير ممن يأخدون نمط السخونة/البرودة؛ ويُتهمون بالدخول ثم الخروج من حياة شركاء حياتهم بشكل مستمر، ما يدفعهم لهذا السلوك حقيقة هو درجة كبريائهم المرتفعة التي تجعل خطواتهم نحو الشريك محسوبة، فهم يقتربون من الشريك خطوة واحدة في انتظار أن يبادلهم التحرك ويخطو نحوهم، ولكنه إن كان عنيدًا أو ربما يفتقد الوعي الكافي برد الفعل المناسب أو لا يعطي الانتباه الكافي للعلاقات الاجتماعية، يبقى هذا الشريك ملتصقًا مكانه، منتظرًا لمزيد من الخطوات منهم، والتي لن يسمح كبرياؤهم بها، فيقررون التراجع. والكبرياء هنا للحق أراها كبرياء صحية وليست مرضية.
أما عن الطرف الآخر العنيد، فهناك حقيقةً أشخاص يجيدون فقد الفرص التي تُتاح لهم، ولا يعي الواحد منهم قيمة ما بين يديه حتى يضيع منه، وربما لو عاد إليه لكرر السلوك عينه وفقده مرة أخرى! وأغلب هؤلاء يخطئ الواحد منهم بالتركيز على نجاحه المهني فقط، أو على علاقاته مع أهله أو أصدقائه، ولا يعطي الانتباه الكافي لشريك حياته، وهذا ما يجعل الشريك يظن أن قلبه مغلقًا نحوه. وقد يكون لدى هؤلاء مشكلة أيضًا في التوازن العاطفي؛ فالأخذ والعطاء لديهم ليس متكافئًا، كما أن بعض الناس يعطون كثيرًا، ولكن ليس بالطريقة الصحيحة التي يتمناها الشريك، وسبق أن تكلمنا عن هذا الأمر في مقال "لغات الحب".
والسبب في تكرار دورات السخونة/البرودة، أنه وبعد فترة يأتي من الشريك الثاني العنيد رد فعل متأخر متجاوب مع الطرف الأول، وتأخر ردود الأفعال سمة تقترن دومًا بالعناد كما هو معلوم، فيأمل الطرف الأول ذو الكبرياء المتهم بالتلاعب في انفراج الأحوال، ويرد على خطوة الشريك العنيد بخطوة إلى الأمام من جانبه، ليُفاجأ بأن الآخر قد عاد للالتصاق مكانه ثانية، فيضيع الفرصة من بين يديه لمرة جديدة، ليتراجع الأول مرة أخرى!
وتستمر هذه الدورات إلى أن يقرر الطرف عالي الكبرياء الخروج نهائيًا من هذه العلاقة، فغالبًا يكون هو من يأخذ القرار وليس العنيد البطئ في اتخاذ قراراته؛ فمهما كانت درجة الحب فإن سوء المعاملة ستجعل الطرف الذي تُساء معاملته يصل في لحظة ما إلى الاكتفاء من كل هذا العبث الذي يسمح به في حياته، ويبتعد نهائيًا. وسوء المعاملة تجاه الآخر لا يلزم أن يكون عنفًا بل يأخذ أشكالًا عديدة، منها عدم الرغبة في ترقية النضج الانفعالي، والإصرار على سلوكيات غير ناضجة!
لذلك أقول إن وجود طرف لديه كبرياء مرتفعة، وطرف آخر شديد العناد والالتصاق في مكانه، في علاقة معًا، هو الجحيم بعينه لكليهما، وربما تنجح العلاقة فقط في حال تدخل وسيط خير بينهما، لتتحرك تلك العلاقة للأمام. وهذا احتمال ضعيف لأن ذا الكبرياء يرى أنه يفعل ما عليه، ومن ثم لن يُقدم على أن يوسط أحدًا لأنه ينتظر الخطوة من الطرف الآخر، فإن لم يكن الطرف الآخر قادرًا على أن يخطو بنفسه، فعليه هو أن يطلب المساعدة والتوسط!
إن التصاق شخص في علاقة فاشلة معلقة لا فائدة مرجوة منها يفسد حياته ويهدر عمره، سواء كان التصاقه بسبب أنه الطرف المسئول عن المبادرة، ولكنه لا يبادر! أو لأن عليه أن ينزع نفسه من تلك العلاقة ولا يفعل! أو لأن الطرف الآخر تركه بينما هو لا زال يأمل وينتظر!
كما أنه أحيانًا قد ينفصل طرفا العلاقة لأسباب قد يصلح معها الالتئام، ويبقى أحدهما أو كلاهما يتمنى اتصال ما انقطع، ولكن على أساس أن يقوم الطرف الآخر بالمبادرة، فإن كان الطرف الذي عليه المبادرة عاجزًا عن اتخاذ تلك الخطوة، فالوضع أيضًا معلق!
والتعلق في حقيقته هو رفض للحاضر وثبات في الماضي، وكثير منا يعيش بخياله في الماضي أو المستقبل، ويعجز عن التعامل مع الواقع، بينما دراسة الماضي وتفحص حوادثه ورؤيته بشكل صحيح وتجنب خداع النفس حوله ضرورة لنفكر في أخطائنا، وهو طريقنا للتعلم. نحتاج الماضي للتعلم والمستقبل للتخطيط، وليس لخلق عالمًا من الأوهام.
وهذا التعلق هو أسوأ فعل، لأنه في حقيقته "لا فعل"! وأخذ أي قرار يتعلق بالتقدم إلى الأمام، مهما كان وتنفيذه أفضل من التعلق؛ فإما أن يحرر الإنسان نفسه من قيد العلاقة الفاشلة، ويعود للانخراط في المجتمع، أو يبادر إن لم تكن العلاقة فاشلة، وكان هو الطرف الذي تلزمه المبادرة. Take action.
ولنتذكر أننا بحاجة للثقة لأجل نجاح علاقاتنا الاجتماعية، لأن مجرد شك أحد الطرفين في وجود خداع من الطرف الآخر يدمر العلاقة؛ وعدم التواصل أو التواصل بطرق مُلغزة غير واضحة يُضعضع الثقة. تواصل بوضوح. Communicate clearly.
وحل أي مشكلة يبدأ بالتخطيط الجيد لأجل تجاوزها، ثم التنفيذ بدقة وحسم وسرعة. كما أن علينا أن نبدأ بإصلاح دواخلنا، فمن المؤكد لأننا نملكها أن إصلاحها علينا هيّن، لكن الظروف الخارجية على العكس منها لا يمكننا التحكم فيها تمامًا.
والعقلاء يتناقشون لأجل تحديد أسباب خلافاتهم، لحلها من جذورها، وليس للجدال العقيم والتنازع والبحث عن الطرف المخطئ. كما أن الإنسان العاقل يكون لديه تواصل جيد بين الوعي واللاوعي؛ فهو يعي حقيقة مشاعره وليس فقط ظاهرها. يعرف ماذا يريد تحديدًا، ويفهم متى يكون عليه أن ينخلع من العلاقات الاجتماعية الفاشلة، ويعرف كيف ينتصر لنفسه بشكل إيجابي، بتوظيف طاقته في ارتقاء ذاته وحياته العملية، وليس في توجيهها نحو الغضب والإحباط.