الاثنين، 29 يناير 2018

129-سلف السلفية


سلف السلفية
د/منى زيتون
الثلاثاء 6 فبراير 2018
الجمعة 26 أبريل 2019

نظرًا لارتباط العقيدة السلفية بالنسبة الأكبر من الفتن في تاريخ الإسلام القديم والحديث، فما انتشرت عقيدتهم في مكان إلا كثُرت فيه الفتن، وما خبا ذكرهم في موضع إلا واستراح أهله من الفتن؛ فيلزمنا مراجعة مصدر الأصل الأساسي في تلك العقيدة الخاص بصفات الله تعالى، الذي يوحدونه على أساسها؛ لأنه السبب الأول لتكفيرهم باقي فرق المسلمين، ومن ثم فهو أساس من أسس نشأة شجرة التطرف وتناميها؛ فقد تفرد السلفيون بعقيدة من بين هذه الأمة حول صفات الله تعالى، نتيجة طريقتهم الحروفية في الفهم والاستدلال من نصوص الكتاب والسُنة. وسنعرض لتلك المراجعة بالدرجة التي تكفينا لفهم ما يصدر عن تلك الجماعة، فليس الهدف من بحثنا نقد العقيدة السلفية بذاتها، وهناك من كتب القدماء والمحدثين الكثير مما تصدى تفصيليًا لذلك الموضوع.
وأول المراجعة يجب أن تكون للمسمى. للشهيد الدكتور/ محمد سعيد رمضان البوطي كتاب صادر عن دار الفكر بدمشق بعنوان "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي". يحاول فيه تصحيح التلبيس الذي وقع على عوام الأمة، بإيهامهم أن تلك الفئة المحددة من المسلمين هي المتمسكة بما كان عليه السلف الصالح للأمة في القرون الثلاثة الأولى، وأنهم المتّبِعون لمنهاج السنة النبوية.
هذا التلبيس الحادث مصدره حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏روى الإمام البخاري في صحيحه (3650)، عن عمران بن ‏حصين، يقول:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد ‏قرنه قرنين أو ثلاثًا - ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويَنذُرون ولا يَوفون، ‏ويظهر فيهم السمَن".‏ وأطرافه بالبخاري [2651-6428-6695]. وعلّق مصطفى البغا شارحًا الحديث "أنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب التي هي أسباب السمن، وقيل غير ذلك".
  وروى البخاري، (3651) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه،‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم ‏يمينه، ويمينه شهادته".‏ قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.‏ وأطرافه بالبخاري [2652 -6429-6658]. وعلّق مصطفى البغا، أن "هذا كناية عن التسرع في الشهادة والحلف والحرص عليها ولو لم يُطلب إليها، وهو عنوان قلة الورع والمبالاة في الدين".
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، روايات كثيرة مشابهة. ورواه الإمام الترمذي في سننه (2221- 2222-2302-2303-3859).
فبداية المراجعة أن من يُطلقون على أنفسهم مسمى السلفيين، يستغلِّون ذلك المسمى عن طريق ربطه بفكرة الخيرية المُطْلَقة في السلف الصالح، والمتمثل وفقًا للحديث في الصحابة والتابعين ثم من تلاهم من التابعين. ولهذه الفِرقة ادعاءات تطول عن موافقة عقيدتهم وفقههم لعقيدة السلف، علمًا بأنهم لا يكادون يستشهدون بكلمة من المرويات عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف، بل يُكثرون النقل من ابن تيمية وغيره من مشائخهم، والتي قد يكون فيها بعض النقول عن السلف، ولا يعودون مباشرة لكتب السلف إلا ما ندر؛ ومن ثم فإنهم في الحقيقة يأخذون برأي مشايخهم الذي غالبًا لا يكون أمينًا في النقل عن السلف، فلا يعرض الخلافات بين الأئمة. والشائع عن مشايخهم حكايتهم الإجماع على ما يلائمهم من آراء، ونقلها لهم على هذا النحو، أو على الأقل تصويب الرأي الذي يوافقهم مهما كان شاذًا، وعوام الفِرقة يُسارعون للأخذ عنهم ظنًا منهم أن هذا ما كان عليه السلف.
وقد عمل هذا الارتباط بين تلك الفئة من المتشددين المتطرفين وبين السلف على تغيير جوهر الإسلام في أذهان العوام من المسلمين وغير المسلمين، فصارت صورة الدين الإسلامي أبعد ما تكون عن كونه رسالة الرحمة التي أرادها الله له، وصار التطرف مرادفًا للتدين لدى كثيرين.
ولن أسرف في ذكر تصنيفات أتباع ذلك المذهب لأعلام الأمة ممن عاشوا في تلك القرون، ومن يعتبرونه ومن لا يعتبرونه من السلف الصالح لسبب بسيط أن هذه تنظيرات لا قيمة لها على أرض الواقع، فحقيقة الأمر أن هؤلاء لا يتبّعون أي من كبار أئمة السلف –على كثرة الاختلافات بينهم في الفروع- ممن عاشوا في القرون الأولى، بما فيهم أئمة المذاهب الأربعة، ولا حتى يتبّعون الإمام أحمد بن حنبل صاحب المذهب الذي يدّعون انتماء فكرهم إليه عقديًا وفقهيًا، فسلفهم الذي يتبعونه في أصولهم العقدية هما المجسمان مقاتل بن سليمان البلخي، ومحمد بن كرام السجستاني‏.
**************
سلفهم الأول، مقاتل بن سليمان
أما مقاتل بن سليمان المتوفي سنة 150هـ، فكان معاصرًا للإمام أبي حنيفة، ويُقال أن أبا حنيفة كتب "الفقه الأكبر" يشرح فيه عقيدة المسلمين لمّا رأى عقيدة مقاتل المجسمة بدأت تنتشر بين أهل العراق. ذكر الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص125)‏ "نُسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبّهة، وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم مُعطِّل، ومُقاتل مشبِّه". وقال ابن حبّان عن مقاتل: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يُشبِّه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث""أهـ. فبينما غالى جهم في التنزيه حتى عطّل ونفى كل الصفات عنه تعالى، غالى مقاتل في إثبات كل ما اعتقده صفات للباري حتى شبّه.
يقول عنه علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص289): "قد اختلفت الأنظار فيه: فذُكر أنه كان مفسرًا سنيًا، وقيل إنه مفسر زيدي، واعتبره الشافعي أكبر مفسر، وأن الناس عيال في التفسير عليه، ولعنه أبو حنيفة. وأجمعت الكتب على أنه كان مشبهًا ومجسمًا، وأنه أخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم تفسيره المشبهي والمجسمي للقرآن، وأنه كان ضعيفًا في الحديث، وأنه قبِل الحشو وضمّنه مذهبه"أهـ.
كما ترجم له الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج7، ص201-202) "قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة! وقال وكيع: كان كذابًا. قال البخاري: مُقاتل لا شيء البتة. وقال الذهبي: أجمعوا على تركه"أهـ. بينما رآه ابن تيمية في "منهاج السنة" (ج1، ص56) يصلح للاعتضاد والمتابعة!
يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص290-291) "وموجز القول في مقاتل بن سليمان أنه كان مشبهًا ومجسمًا. وقد احتفظ لنا التاريخ بقطع من تفسيره تثبت تمام الإثبات تشبيهه وتجسيمه، ولا شك أن مضر وكَهْمَس وأحمد الهجيمي –مشبهة الحشوية الذين قالوا أن الله جسم لا كالأجسام، وهو مركب من لحم ودم لا كاللحوم والدماء، وله الأعضاء والجوارح- قد سبقوه أو عاصروه في اعتناق التشبيه، ولكن المذهب يُرد إليه ويُنسب إليه في الأكثر. كانت المقاتلية مدرسة تفسير كبرى برعت بلا شك في التفسير، وقد كان التفسير فنًا جديدًا، ومجالًا للأخذ من مختلف الثقافات. ويبدو أن مقاتلًا كان على معرفة دقيقة بكل ما حوله من تراث، فأخذ ما يوافقه، فتأثر بالديصانية والمرقونية والمزدكية، كما تأثر بالإسرائيليات والمسيحيات، وضمّن كل هذا تفسيره. وهنا نتساءل هل كان تجسيمه فلسفيًا استند على رأي فلسفي؟ أو بمعنى أدق هل تأثر مقاتل بالرواقية، وهي أيضًا تقول أن الوجود جسم، وأن الله جسم؟ إننا نعلم أن الرواقية كانت منتشرة في الفلسفيات الثنوية وبخاصة الديصانية، فهل وصلت إلى أعماق تفسير مقاتل خلال الديصانية أو المزدكية؟ من المحتمل أن هذا قد حدث، ومن المحتمل أن الرجل قد وصل إلى التجسيم خلال تفسير قرآني بحت، مستندًا على الثقافة العامة المنتشرة في خراسان إبان ذلك الوقت وهو يفسر العرشية والكرسية، وأن الله استوى على العرش استواءً ماديًا، واستقر استقرارًا محسوسًا"أهـ. وألفت إلى أن ابن تيمية قد عدّ كَهْمَس من السلف الصالحين في مجموع الفتاوى (ج16، ص35)، كما روى عنه الإمام البخاري حديث (4473) بواسطة أحمد بن الحسن، وهو آخر حديث في كتاب المغازي بصحيحه.
وقد انتقلت مقالات مقاتل للحنابلة عن طريق أبي عاصم خشيش بن أصرم، المتوفي سنة 254هـ، بعد وفاة الإمام أحمد بثلاث عشرة سنة. يذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" للملطي (ص5) "أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي –وهو غير الإمام المحدث النسائي- من شيوخ أبي داود وابنه والعسال. كتب كتاب "الاستقامة". وكان ممن سطع نجمه بعد رفع المحنة في فتنة القول بخلق القرآن عند تقريب المتوكل العباسي النقلة. وهو يُعَدّ عندهم ثقة في الرواية، ولكنه متخبط في مسائل الدراية. فيفوه بما ينبذه البرهان الصحيح غير ساكت عما لا يعنيه"أهـ. وابن تيمية ينقل عن أبي عاصم في "منهاج السنة"، ولأن أبا عاصم كان من شيوخ أبي بكر بن أبي داود الناصبي الكذاب الذي تحنبل أواخر القرن الثالث الهجري، وكان سببًا رئيسيًا في محنة الإمام الطبري مع الحنابلة، التي خصصنا لها مقالًا كاملًا، فقد ساهم هذا في نقل مقالات مقاتل التجسيمية إلى من عُرفوا بالحنابلة.
كما ساهم في انتقال اعتقادات مقاتل للحنابلة، روايات نُعيم بن حمَّاد الخزاعي صاحب كتاب "الفتن" المليء بالعجائب والمناكير على حد وصف الذهبي، والذي تربى على يد نوح بن أبي مريم ربيب مقاتل بن سليمان –ونوح أيضًا تتلمذ على أبي حنيفة-. ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج10، ص597) نقلًا عن "تاريخ بغداد" "أن نُعيمًا كان كاتبًا لأبي عصمة –يعني نوحًا-، وكان شديد الرد على الجهمية وأهل الأهواء، ومنه تعلَّم نُعيم، وأن نعيمًا قال: كنتُ جهميًا، فلذلك عرفت كلامهم، فلمّا طلبت الحديث، عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل"أهـ. فكأن الرجل قد انتقل من الحال إلى نقيضه، فمن نفي وتعطيل الصفات الثابتة عن الله تعالى كما هو حال الجهمية، إلى إثبات كل ما يجد أمامه في حق الله، والادعاء أنها صفات دون تنزيه كما هو حال المشبِّهة.
ينقل عنه ابن كثير –وهو سلفي العقيدة- في تفسيره لآية الاستواء عن العرش بسورة الأعراف (ج3، ص426-427) "بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: "من شبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر". ثم يزيد ابن كثير: "وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى"أهـ. وهذا النفي للتجسيم معتاد ممن يثبتون الأبعاض والجوارح وغيرها بعد أن يُثبتوها! ولا يغني مع فساد عقيدتهم شيئًا. والذهبي يثبت في ترجمة نُعيم بالسير (ص610) عقيدته في إثبات ما يُعرف بالصفات الخبرية التجسيمية، ويثني على ذلك، ولا يُستغرب ذلك من الذهبي كونه حنبلي العقيدة مع ميل للتفويض أحيانًا.
ولكن الذهبي يثبت عنه أنه مُختَلف في توثيقه، وقد اتهمه يحيى بن معين عندما كان يحضر مجلسه في مصر بالكذب على ابن المبارك، وترجمته عند الذهبي محشوة بأقوال كثيرين ممن لم يعدّلوه، وكذا يثبت الذهبي في ترجمته لنُعيم في "ميزان الاعتدال" قول أئمة المحدثين فيه أنه كثير التفرد بروايات، وأهم ما ذكره الذهبي في ذلك (ج4، ص269) "قال الأزدي: كان نُعيم ممن يضع الحديث في تقوية السُنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان كلها كذب"أهـ. فالرجل اُتُهِم صراحة بأنه كاذب، يضع الأحاديث التي يُقوي بها ما يعتقده، إضافة إلى كذبه واختراعه حكايات من كيسه عن الإمام أبي حنيفة النعمان ليس لها أصل. ومنها الحديث غير الصحيح الذي أورده أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص891) (1673)، وذكر أنه لم يصححه أحد، وهو "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها على أمتي فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يُحرِّمون ما أحل الله، ويُحلُّون ما حرم الله"أهـ.
وكان نُعيم قد حُمل من مصر إلى بغداد؛ ليُمتحن في فتنة خلق القرآن، ومات مسجونًا. ورغم أنه ومن المؤكد أنه ليس بمنزلة الإمام أحمد بن حنبل، إلا أن موقفه في المحنة، ورفضه الإجابة إلى خلق القرآن قد أعلوا منزلة ما نقله من اعتقادات مقاتل التجسيمية لدى حنابلة بغداد، حتى صارت اعتقاداتهم، والتي نسبوها زورًا للإمام أحمد.
ويروي الذهبي عن ابن تيمية في كتابه "العرش" (ج1، ص126)‏ مدافعًا عن بعض ما ذكروا من مقالات مقاتل الشاذة؛ ولإعجابه حتمًا بباقي المقالات التجسيمية، "قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله. والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يُحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره وإطلاعه، كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا، وما يبعد أن  يكون النقل عن مقاتل من هذا الباب"أهـ.
**************
سلفهم الثاني، محمد بن كرام السجستاني
أما الكرامية، فهم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني، المتوفي سنة 255هـ. ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص99) "كان ممن يثبت الصفات، إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه. نصّ على أن معبوده على العرش استقرارًا، وعلى أنه بجهة فوق ذاتًا، وأطلق عليه اسم الجوهر، فقال في كتابه المسمى "عذاب القبر" أنه أحدي الذات أحدي الجوهر، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا، وجوَّز الانتقال والتحول والنزول، ومنهم من قال أنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم امتلأ العرش به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق ومحاذ للعرش، ثم اختلفوا ......"أهـ.
فاعتقاد الكرامية في صفات الله تعالى يشابه اعتقاد الحنابلة القدماء، غير أنهم خالفوهم في مسألتين، ذكرهما الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص123)، يقول: "المسألة الأولى: أنهم يبالغون في إثبات الصفات –يعني الجوارح التي أثبتها السلفية في حق الله تعالى-، ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم) و (المماسة). قالوا عنه تعالى: جسم لكن لا كالأجسام. والمسألة الثانية: أنهم يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن"أهـ.
يوضح الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص100) في شأن المسألة الأولى "أطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه تعالى، والمقاربون منهم قالوا: يعني بكونه جسمًا أنه قائم بذاته، وهذا هو حد الجسم عندهم"أهـ. وأما المسألة الثانية، فقد ذهب الكرامية –متشبهين بالمجوس- إلى تجويز قيام الحوادث بذات الله تعالى. قال الشهرستاني (ج1، ص101) "ومن مذهبهم جميعًا قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، ومن أصلهم أن ما يحدث في ذاته إنما يحدث بقدرته"أهـ. وقد ردّ عليهم الإمام الجويني والإمام الفخر الرازي، وذكر المؤرخون أن مناظرات الرازي معهم وإثباته استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى هي سبب سمّ الكرامية له.
وقد أثبت ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة" تقارب الكرامية في العقيدة من السلفية المنتسبة زورًا إلى أحمد بن حنبل، ودافع عنهم، بل وكتب كتابًا أسماه "نقض أساس التقديس"، يرد فيه على الإمام الفخر الرازي! كما ثبت عن ابن تيمية عدم إنكار لفظ الجسمية في حقه تعالى، وأنه لا يمتنع عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص134): ‏"‏وقد يُراد بالجسم ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات؛ والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويُشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم قلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد شخص بقوله: "ليس بجسم" هذا المعنى. قيل له: "هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلًا على نفيه"أهـ‏. وأساس الكذبة التي ادّعاها هو ربط مصطلح الجسم لغويًا بما يُخالف المعروف عنه في لسان العرب، وهذا الربط من ابتكار ابن تيمية. وكان اعتراض ابن تيمية الوحيد على استخدام مصطلح "الجسم" في حق الله تعالى (نفيًا وإثباتًا)، ما ادّعاه من أن ذلك بدعة، ورفض تنزيه الله بنفي أن يكون جسمًا!
 ذكر الكوثري في حاشية تحقيقه لـ "التبصير" لأبي المظفر الإسفراييني (ص134) "ابن تيمية يقول في رده على "أساس التقديس" للرازي: "فمن المعلوم أن الكتاب والسُنة والإجماع لم تنطق بأن الأجسام كلها محدثة، وأن الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة"أهـ. ويزيد الكوثري (ص135) "وقال المنبجي صاحب ابن القيم في إثبات المماسة: "قال ابن تيمية: والمعروف عند أئمة أهل السُنة وعلماء أهل الحديث أنهم لا يمتنعون عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه، بل يروون في ذلك الآثار، ويردون على من نفاه". ذكره في الأجوبة المصرية"أهـ. وكما نرى فابن تيمية لا يكتفي بالاتفاق مع معتقد الكرامية، بل ويكذب على أئمة المسلمين.
كذا ثبت عن ابن تيمية تجويزه قيام الحوادث بذات الله. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص380): "فإن قلتم لنا: قد قلتم بقيام الحوادث بالرب. قالوا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل"أهـ. وهو في هذا الموضع يقرر عقيدته لا عقيدة غيره. ويضيف (ص381) "فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسُنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ الحوادث مجمل فقد يُراد به الأمراض والنقائص، والله تعالى منزَّه عن ذلك، كما نزَّه نفسه عن السِنة والنوم واللُغوب، وعن أن يؤوده حفظ السماوات والأرض، وغير ذلك مما هو منزّه عنه بالنص والإجماع. ثم إن كثيرًا من نُفاة الصفات -المعتزلة وغيرهم- يجعلون مثل هذا حجة في نفي قيام الصفات أو قيام الحوادث به مطلقًا، وهو غلط منهم، فإنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، ولا يجب إذا نفيت عنه النقائص والعيوب أن ينتفي عنه ما هو من صفات الكمال ونعوت الجلال"أهـ. ومرة أخرى يكذب على أئمة المسلمين بادّعاء أن لا أحد منهم أنكر قيام الحوادث به سبحانه! بينما لم يثبت ذلك إلا سلفه ابن كرام.
والسلفية المعاصرون كإمامهم ابن تيمية، يعتقدون معتقديه الشاذين؛ فهم أقرب للكرامية منهم إلى عقيدة حنابلة بغداد.
ترجم لابن كرام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج11، ص523) قال: ‏"خُذل حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجُوَيْباري وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مئة ألف حديث". كما ترجم له في "ميزان الاعتدال" (ج4، ص21) قال: "وقد سُجِن بنيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أُخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات بالشام في سنة خمس وخمسين ومائتين، وعكف أصحابه على قبره مدة"أهـ. ومن هنا يتبين لنا كيف وصلت اعتقاداته لبلاد الشام، فالتقطها المقدسيون والدمشقيون، ومنهم ابن تيمية وتلاميذه، وعبد الغني المقدسي، وغيرهم.
*************
كان مقاتل بن سليمان بلخيًا؛ من مدينة بلخ، وتقع حاليًا في حدود أفغانستان، ورغم أصوله الأزدية، والأزد كما هو معروف كانوا من أفصح الناس لسانًا، وأعذبهم بيانًا، إلا أن نشأته في بلاد لا يتكلم أهلها بالعربية لن تتيح له اكتساب تلك الفصاحة وذاك البيان. وكذا فإن ابن كرام نشأ بساجستان، وهي منطقة تاريخية تقع في شرق إيران، وقسم منها يقع جنوب أفغانستان. فالفكر التجسيمي الذي أخذ به من سمّوا أنفسهم بالحنابلة أولًا، ثم سمّاهم ابن تيمية بالسلفية، ونسبهم إلى السلف، إنما ورد على الإسلام من تفسير اثنين من مفسريّ القرآن من وراء بلاد فارس، وربما كان لفهمهما الحرفي للغة العربية –كونهما لم ينشآ على العربية- الدور الأساسي في تفسيرهما لآيات القرآن الذي هو أشبه بالترجمة الحرفية، فالمراد بوجه الله عندهما هو وجه، وكأني بهما لو كانا ينطقان بالإنجليزية لترجماها "the face of Allah". إضافة إلى تأثرهما بالثقافة العامة في بلاد فارس المشبعة بالفلسفات الثنوية والإسرائيليات. وفرق كبير بين تفسير مقاتل وابن كرام، وبين تفسير الطبري والزمخشري –وهو معتزلي- والفخر الرازي للقرآن، وهم أيضًا فُرس، وكذا تفسير القرطبي وهو أندلسي، ولكن الأخيرين أتقنوا اللغة، وتسلّحوا بالبيان، وعرضوا لتفسيرات اللغويين، ونقلوا الشعر لتقرير المعنى، مع العلم بأقوال الصحابة والتابعين، وشتان بين الفريقين.
فهذان هما سلفهما القديم عقديًا، أما سياسيًا فهم أمويو الهوى والمشرب، ونصبهم وكراهيتهم لآل البيت لا تخفى على أحد، حتى وصل الحال بابن تيمية أن يفتي بحرمة شد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحكي كذبًا إجماع أئمة المسلمين على هذا، وكان سبب سجنه الأخير الذي مات فيه. ولعل من أوجه التشابه بينهم وبين الأمويين لجوئهم إلى سمْ مخالفيهم، والتشنيع بالأكاذيب عليهم، وسنرى من ذلك الكثير عند مراجعة فتنهم عبر التاريخ.
والسلفية أيضًا إضافة إلى تجسيم وتشبيه الله سبحانه بخلقه بنسبة الجوارح إليه، هم أتباع وتلاميذ مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب التي كانت لها مخالفات لجموع المسلمين وأهمها، تقسيم التوحيد وما يقولونه في الألوهية والربوبية، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتكفير وتضليل المسلمين ممن لا يتبعون عقيدتهم في الله سبحانه وتعالى، ومن يريد الوقوف على حقيقة ما يعتقدون فعليه بهذين الشيخين فهما إماما المذهب الحقيقيين.

جذور الفكر التجسيمي في الإسلام
ينبغي مع ذلك أن نلفت أن مقاتلًا وابن كرام ليسا أول من قالا بالتجسيم والتشبيه. يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج2، ص173) "أجمع مؤرخو الفكر الإسلامي القدامى، شيعة، وسُنة، ومعتزلة، على أن هشام بن الحكم هو أول من قال إن "الله جسم"، وأن مقالة التجسيم في الإسلام إنما تُنسب إليه، فهو أول من أدخلها أو ابتدعها، كما نُسب إليه التشبيه أيضًا. وثمة خلاف بين التجسيم والتشبيه. ونحن نعلم أن مقاتل بن سُليمان نادى أيضًا بالتجسيم، كما نادى بالتشبيه، غير أن مقاتلًا وصل إلى آرائه خلال تفسير القرآن –أي خلال طريق نقلي-، فقد حشا تفسيره بإسرائيليات ومسيحيات وثنويات، انتهى منها إلى تجسيم وتشبيه غليظين. وهذا ما لم يفعله، فيما يبدو، هشام بن الحكم، بل يكاد يكون طريقه في إثبات الجسمية لله طريقًا عقليًا بحتًا"أهـ.
ولهذا الفارق الذي ذكره النشار، إضافة إلى أن هشام كان رأسًا من رءوس الشيعة الإمامية من المعتقدين بعصمة الأئمة وغيرها من اعتقادات الشيعة، أرى أنه لا مجمل اعتقاداته، ولا طريقته الكلامية الفلسفية في إثبات التجسيم ترشحانه ليُعدّ سلفًا للسلفية.

مصطلحات تشنيعية متبادلة!
يدّعي السلفية أنهم يثبتون ما أثبت الله تعالى لنفسه من صفات، علمًا بأنه تعالى لم يثبت ما ادعوا، ويبدو أنهم لا يدركون معنى صفة في اللغة؛ فهل إذا قال الله تعالى "عين الله" هل عينٌ هنا هي صفة؟، وهل كل مضاف صفة؟!، ومن هنا فهم يُطلقون على كل من لا يثبت لله تعالى ما يعتقدون أنها صفات، مصطلح "المُعطِّلة" أو "الجهمية"، كتعريض بهم. والتعطيل هو عدم إثبات الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، ورائده الجهم بن صفوان الترمذي، من ترمذ والتي تقع حاليًا في أوزباكستان على الحدود الأفغانية. وُلد ونشأ في الكوفة. وكان الجهم قد تفرّد باعتقاد مُنكر؛ إذ يقول بنفي صفات الله الأزلية، كالقدرة والإرادة والعلم، لاعتقاده أن الخالق لا تُدرِك صفته العقول من جهة ذاته وإنما يُدرك من جهة آثاره.
والعجيب أن جهم فيما نقله عنه الإمام الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ج2، ص167) قال: "إن الجنة والنار تفنيان وتبيدان، ويفنى من فيهما، حتى لا يبقى إلا الله وحده، كما كان وحده لا شيء معه"أهـ. وأثبت له الشهرستاني نفس هذا الاعتقاد الشاذ، والذي أخذه عنه ابن تيمية، وكان مما أُنكِر عليه. وكان جهم أيضًا أول من قال بخلق القرآن، وهي من عقائد ابن تيمية التي استتيب بسببها في مصر عام 707هـ. فجهم الذي لا يفتر ابن تيمية ومن تلاه من الوهابية عن التعريض به، هو سلف لابن تيمية في بعض عقائده، وإن لم تأخذ عنه الوهابية هذه العقائد.
ولأن السلفية اختلفوا مع الأشاعرة في صفات الله تعالى وإثبات الجوارح إليه، وكذا في إثباتهم جلوس الله ‏على العرش والنزول وغيرها، فمن هنا أسماهم الأشاعرة بالمجسِّمة والمشبِّهة، كعادة أصحاب العقائد الإسلامية فكل فرقة ‏تناكف الفرق الأخرى بإطلاق أسماء مزرية توضح رأيهم في اعتقاداتهم، والتشبيه والتجسيم يعنيان أن يُشبّه الله سبحانه وتعالى بأحد من خلقه، وتُنسب له الجوارح الدالة على الجسمية؛ ذلك أن تُقاس صفات الله على صفات الخلق.
كما يوجد اسم آخر يُطلقه ‏الأشاعرة والماتريدية –بل والمعتزلة- على السلفية وهو: الحشويون. ورُوي في أصل تلك التسمية أن الحشويين هم مجموعة من المسلمين من المتأثرين بعقائد أهل الكتاب، وقد كان هناك عرب في نجد وشمال جزيرة العرب على النصرانية قبل الإسلام، كما تأثر البعض بروايات الأحبار والرهبان الذين أسلموا، وكان جماعة منهم قد قدموا إلى حلقة الحسن البصري، فلمّا رأى منهم خوضهم في أقوال وعقائد أهل الكتاب أجلسهم في حشا الحلقة المتطرف –أي في ناحية بعيدة بطرفها-، كي لا يُفتتن بهم من بالمجلس، فشاع المصطلح، وأصبح يدل على كل من في اعتقاده شيء من عقائد أهل الكتاب من التجسيم والتشبيه. قال الإمام الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص20): "كان الحسن البصري من جلة التابعين، وممن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يومًا أناس من رعاع الرواة، ولمّا تكلموا بالسقط عنده، قال: رُدّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي جانبها، فسُموا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة"أهـ. ومن أمثلة ذلك أن اعتقاد السلفية التجسيمي لله بأنه جالس على العرش –وحاشاه- إنما هو من عقائد أهل الكتاب.

عقيدتهم المختلطة بعقيدة أهل الكتاب
وقد دخلت عقيدة أهل الكتاب على عقائد بعض المسلمين من خلال سماعهم من الأحبار الذين أسلموا. يقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج3، ص489) في ترجمته لكعب الأحبار: "إنه كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان يُحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة. وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء"أهـ. وقد نقل الذهبي –وهو حنبلي العقيدة- في كتاب "العلو" الكثير من العقائد عن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام الصحابي الجليل الحبر الذي أسلم على عهد النبي.
لكن لم يكن جميع من أظهر الإسلام من أصحاب الديانات القديمة حريصًا على تعلم الإسلام بقدر ما أثّروا سلبًا في عقيدة المسلمين؛ فعلّموهم عقيدتهم. ذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص19) "وكان عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وموابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثم أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من الأساطير بين من تروج عليهم ممن لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء مواليهم، فتلقفوها منهم ورووها لآخرين بسلامة باطن معتقدين ما في أخبارهم في جانب الله من التجسيم والتشبيه، ومستأنسين بما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم، وقد يرفعونها افتراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو خطأ، فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقد الطوائف، ويشيع شيوع الفاحشة"أهـ.
يقول الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص15): "والحاصل من كلام ابن حامد والقاضي –يعني أبا يعلى- وابن الزاغوني –وهم من أشهر الحنابلة الأوائل- من التشبيه والصفات التي لا تليق بجناب الحق سبحانه وتعالى هي نزعة سامرية في التجسيم، ونزعة يهودية في التشبيه، وكذا نزعة نصرانية؛ فإنه لمّا قيل عن عيسى عليه السلام أنه روح الله سبحانه وتعالى، اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم عليها السلام، وهؤلاء وقع لهم الغلط من سوء فهمهم، وما ذاك إلا أنهم سمّوا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة"أهـ.

مراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين
يلخص الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص79-80) تطور ومراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين. يقول: "اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثُبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات جبرية –لعله يقصد خبرية-، مثل اليدين والرجلين والوجه، ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون بتسميتها صفات جبرية، ولمّا كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتون، سُمي السلف صفاتية، والمعتزلة مُعطِّلة، فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر، فافترقوا فيه فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ‏﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏‏﴾‏‏ ‏[الشورى:11]، فلا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ‏﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏‏﴾‏‏ [طه:5]، ومثل قوله: ‏﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏‏﴾ [ص:75]، ومثل قوله: ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ‏‏﴾ [الفجر:22]، إلى غير ذلك، ولسنا مُكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينًا، ثم إن جماعة من المتأخرين –يعني المجسمة والمشبهة- زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت، من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعا في التشبيه الصِرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف، ولقد كان التشبيه صرفًا خالصًا في اليهود، لا في كلهم، بل في القرائين منهم؛ إذ أوجدوا في التوراة ألفاظًا تدل على ذلك، ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير، أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله، تعالى الله وتقدس، وأما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق، ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال، وتخطّت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر، فوقعت في التشبيه"أهـ.
والشهرستاني هنا يؤكد أن عقيدة الشيعة الأوائل كانت تجسيمية قبل أن تتحول للاعتزال، وأن عقيدة أهل السُنة والحديث كانت التأويل أو التفويض، ثم وقعت جماعة منهم في التشبيه والتجسيم بسبب التفسير بظاهر النصوص.
وقد أُطلق اسم الحنابلة، ثم اسم السلفية، على هؤلاء ممن خرجوا على عقيدة ‏الإمام ابن حنبل، وادّعوا أنهم على العقيدة والمذهب الحنبلي، وظهروا دونًا عن أتباع باقي الأئمة ‏بدءًا من القرن الرابع الهجري. فإن كان أهل العصر الأول والعصر الثاني والعصر الثالث هي القرون التي ‏أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فهولاء هم من ظهروا بعدهم، فأحاديث القرون الثلاث ‏الأولى أراها عليهم لا لهم.

128-علامات الخوارج.. التاريخ يعيد نفسه!

علامات الخوارج.. التاريخ يعيد نفسه!
د/ منى زيتون

الأحد 4 فبراير 2018
الخميس 23 مايو 2019

يقولون إن التاريخ يعيد نفسه، وأقول: إذا ما تعلق الأمر بالخوارج أو المارقة كما أسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر أجلى وأوضح؛ فالخوارج -كما سبق أن ذكرنا وفصّلنا في مقالين عنهم (1) (2)- ليسوا فرقة مرّت وانتهى أمرهم، بل هم جماعات تظهر في كل زمن لهم فكر واحد.
‏ولهم علامات لا تخطئها أعين المدققين، تتكرر في كل زمان ومكان يُبتلى بهم فيه المسلمون. لكن، وكما علامات المنافقين، فليس كل منافق فيه كل خصلات النفاق، ليس بالضرورة أن توجد كل علامات الخوارج في كل جماعة من تلك الجماعات القديمة والحديثة التي وُصمت بذلك.‏
وفي هذا المقال سنُعنى بسرد أهم هذه العلامات التي تحققت في مارقة زماننا، كما سبق وتحققت في أسلافهم.

الخروج على الإمام وقتله
أهم علاماتهم والتي اشتُق منها اسمهم، هو خروجهم على إمامهم، ويمكن اعتبار ما حدث مع سيدنا عثمان بن عفان اغتيالًا غادرًا ممن خرجوا عليه، فقد قتلوه غيلة وسط زحام الدار حتى لم يُعرف يقينًا من قتله! مما أعجز سيدنا علي عن إقامة الحد. بالرغم من ذلك فإن أول شهيد اغتيال لأول طائفة معلنة من الخوارج في تاريخ الإسلام هو سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
وكما خرج الحروريون قديمًا على سيدنا الإمام عليّ بن أبي طالب، ثم قتلوه، خرج الوهابية على الخليفة العثماني، ولو تمكنوا منه لقتلوه.
وكذا الإخوان لم يعجبهم إمامهم، فخرجوا عليه. لم يعجبهم حسن البنا! يحكي من أرّخوا لجماعة الإخوان المسلمين أن حسن البنا كان قد فقد سيطرته على الجماعة منذ مطلع الأربعينات، حتى وصل به الحال قبل أن يُقتل بشهر أن كتب مقاله الشهير "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!"، متبرئًا فيه من الجماعات السرية التي اعتمدت الاغتيالات السياسية أسلوبًا لها.
وكذلك قد يفعل الدواعش أحيانًا بزعمائهم وفقًا لما يصلنا من مصادر إخبارية.
كما أن الإخوان يحلمون بخلافة تتزعمها تركيا، والسلفيون يعتبرون ملوك السعودية خلفاءهم، ولا ولاء لديهم لحكام دولهم القُطرية حتى لو لم يكونوا فاسقين!

الاغتيالات السياسية لكبراء المسلمين
لم يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم يومًا باغتيال رءوس المشركين. قال عليه الصلاة والسلام: "الإيمان قيّد الفتك. لا يفتك مؤمن"، بل إن مشركي مكة أنفسهم لم يفعلوها مع المسلمين. لم تكن العرب تعرف هذا النوع من الخسة والغدر.
ومع ظهور فرق الخوارج حدثت بعض حوادث الاغتيال للخلفاء كما أوضحنا، ولكن لم يعرف المسلمون الاغتيالات بكثرة إلا عندما ظهرت طائفة الخوارج الحشاشين (الإسماعيلية النزارية)، وهم إحدى أهم فرق الخوارج في تاريخ الإسلام، والذين سبق وفصلّت في سيرتهم في مقالي "هل يجوز تكفير الخوارج؟!2"
انفصلت طائفة الباطنية أو الحشاشون ASSASINs أو الإسماعيلية النزارية أو الإسماعيلية (من باب التخفيف) عن الفاطميين الإسماعيلية في القرن الخامس الهجري. تمركزهم كان في بلاد فارس ثم أيضًا في بلاد الشام. وكانوا يُستأجرون للقيام بالاغتيالات السياسية عن طريق مباغتة الضحية بخنجر بعد التربص به، وعُرِف عن قادتهم أنهم يُعطونهم مخدر الحشيش بكميات كبيرة حتى يدمنوه، ويكون من السهل التأثير عليهم والانقياد لهم لتنفيذ ما يؤمرون به من عمليات.
عمّت البلوى بهم ما بين القرن الخامس والسابع الهجري. وفي القرن الخامس زاد شرهم في بلاد فارس، وقاتلهم سلاطين ووزراء السلاجقة. وفي نهاية القرن الخامس والقرن السادس تسلّطوا على الكثير من الأمراء والوزراء وقتلوهم، حيث كثر قتلهم غيلة ونسبة القتلة إلى الباطنية. ووصل الأمر إلى قتل الخليفة المسترشد بالله سنة 529هـ، كما قيل في سبب موت الخليفة الراشد سنة 532هـ ثلاثة أقوال، أحدها أنه سُقي السم ثلاث مرات، والثاني أنه قتله قوم من الفراشين الذين كانوا في خدمته، والثالث أنه قتله الباطنية وقُتلوا بعده. واختلف المؤرخون كذلك حول قتل الوزير السلجوقي نظام الملك هل قتله أحد الحشاشين أم سلّط عليه السلطان ملكشاه من قتله سنة 485هـ. كما كان أكابر العلماء من الشخصيات المستهدفة بالاغتيال أو على الأقل الأذى إن لم يتمكنوا منهم.
وبالرغم من عدائهم مع الخلافة العباسية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لها في الشرق كالسلاجقة والخوارزميين، وكذا الزنكيين والأيوبيين، وعداءها العقائدي والسياسي مع الفاطميين، إلا أن أحدًا لم يستطع استئصالهم بسهولة لأنهم اتخذوا من القلاع فوق الجبال حصونًا لهم.
وفي عصرنا الحديث عادت الاغتيالات السياسية أول ما عادت على أيدي الإخوان، فكانوا مغرمين بها، خاصة في حقبة الأربعينات؛ فقتلوا النقراشي باشا رئيس الوزراء، وأحمد ماهر باشا، والقاضي أحمد الخازندار. كما اختطفت جماعة التكفير والهجرة الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري، وقتلته في السبعينات. وكذا قُتل الرئيس المصري محمد أنور السادات على يد الجماعة الإسلامية. والأمثلة كثيرة.
الدواعش أيضًا يكثر فيهم اغتيال الآمنين فهم يقتلون المدنيين غير الحربيين من المسلمين وليس فقط أهل الكتاب، ومن آخر المآسي الكبرى التي أحدثوها قتلهم لمئات من الصوفية في مسجد الروضة بشمال سيناء يوم الجمعة 24 نوفمبر 2017، وهي الجمعة السابقة على ميلاد الحبيب المصطفى، والتي يحتفي فيها الصوفية بذكرى مولده الشريف.
أما الانسحاب من المجتمع الذي يكفرونه، كما كان ينسحب الحشاشون في رءوس الجبال، فرأيناه في جماعات التكفير والهجرة، كما رأيناه في داعش.

الدعوة إلى تحكيم شرع الله "قولة حق أُريد بها باطل"
خرج الخوارج أول مرة في عهد الإمام عليّ بن أبي طالب بعدما كانوا يقاتلون إلى صفه في صِفين؛ حيث كان من نتائج معركة صفين بين سيدنا عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أن تم الالتجاء إلى التحكيم، وذلك بعد أن رفع جند معاوية المصاحف على أسِنِّة الرماح، طلبًا للاحتكام إلى كتاب الله، فخرجت الخوارج من جيش عليّ، وأعلنوا أن "لا حكم إلا لله" و "الحكم لله- لا للرجل".
ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص110)  أن أمير المؤمنين عليّ لما سمع قولتهم قال: "كلمة عدل يُراد بها جور، إنما يقولون لا إمارة، ولا بد من إمارة برّة أو فاجرة"أهـ.
وقد كفّره هؤلاء الخوارج بسبب قبوله التحكيم، كما كفّروا سيدنا عثمان وأصحاب الجمل والحكمين وكل من رضي بالتحكيم!
هذا بالرغم من أن الآية التي كفَّر بها الخوارج الإمام عليّ، وكفَّر من تلاهم من الخوارج جموع المسلمين، ولا زالوا يفعلون، وهي الآية الكريمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، جمهور أئمة المسلمين القدماء والمحدثين على أن المقصود بالكفر فيها ليس الكفر المُخرِج من الملة للمسلمين، هذا حتى في حال إن اعتبرنا أن المخاطب بها هم المسلمون!
وخوارج عصرنا لا يختلفون عمن سبقهم في المسارعة إلى الدعوة نفسها، واعتبار حكامهم ومن يوافقهم كافرين لأجل السبب ذاته.

تكفير عامة المسلمين بالذنوب وبالمخالفة العقدية والفقهية لهم
من أهم صفات الخوارج اتهامهم المسلمين بالشرك، وتطبيق ‏نصوص القرآن التي نزلت في المشركين والكافرين على المسلمين.
يذكر الإمام البخاري في أول باب (قتل الخوارج ‏والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا ‏إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن عبد البر في "الاستذكار" ‏‏(ج8، ص90) (10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا يفعلون. وصدق ابن ‏عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏
وجميعهم بدءًا من الحرورية –أول فرق الخوارج- يُكفِّرون المسلمين بالذنوب؛ إذ كانت أهم عقائد الحرورية أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدّقته ‏الجوارح والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ ‏الإسلام، وهي أن الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ‏ووقعوا في دمائهم، وكان الأزارقة؛ أتباع نافع بن الأزرق الحنفي يعتبرون باقي ‏المسلمين مشركين، وديارهم ديار شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب ‏الكبيرة كما هو الحال عند المعتزلة، وفي هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، ‏وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.
ومسألة موضع العمل من الإيمان من أهم مباحث الخلاف العقائدي ‏بين طوائف الأمة، وجميع الفرق في تاريخ الإسلام التي قالت بأن العمل من أصل الإيمان ‏وليس فرعًا له وقعت في تكفير المسلمين أو تفسيقهم، وأبرزهم في عصرنا الفرقة المسماة ‏بالسلفية الوهابية.‏
كانت دعوة ابن عبد الوهاب تقوم على أساس تكفير جميع المسلمين؛ إذ تتضمن في أغلبها مخالفات ابن تيمية التي ابتدعها ونسبها للسلف وحُبس مرارًا بسببها، وهي: تحريم التوسل بالنبي، وتحريم السفر ‏لزيارة قبر الرسول، وإلغاء الطلاق المحلوف به عند الحنث فيه، وعقيدة حنابلة بغداد التجسيمية لذات الله تعالى بنسبة الجوارح إليه وتحييزه في جهات. كما ابتدع ابن عبد الوهاب بعض المستجدات مما لم يُسبق إليها كمحاربة التصوف وتحريم الاحتفال بالمولد الشريف خلافًا لابن تيمية الذي لم يحرِّمه. قال في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" عند حديثه عن الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام: "إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا". ‏وكان من أول ما يفعلونه الوهابية عند السيطرة على منطقة أو عندما تتحالف معهم هو هدم الأضرحة، -ولا زال هذا دأب السلفية والدواعش المعاصرين-. وكانت أول قبة قبر هدمها ابن عبد الوهاب قبة قبر زيد بن الخطاب.

استباحة دماء وأموال عامة المسلمين
قتل الحرورية قديمًا عبد الله بن خبّاب بن الأرت. وطالما استباح القرامطة دماء وأموال المسلمين، حتى الحجيج منهم، ولم يسلم من الحشاشين الباطنية عامة المسلمين، فكانوا يغزونهم فيقتلونهم ويسبون نساءهم وينهبون أموالهم.
ومما يميز الخوارج المعاصرون فوق تكفيرهم عامة المسلمين استباحة دمائهم، واستباحة أموالهم، ‏مثلما فعلت كل طوائف الخوارج من قبلهم.
ومن يقرأ للوهابية يفهم مباشرة نظرة محمد بن عبد الوهاب إلى المسلمين في عصره، فممارساتهم بالنسبة إليه كانت شركًا، تستحق منه الجهاد ضدهم واستحلال دمائهم وحرماتهم، فكان يحاربهم ويسمي ما يفعله بهم غزوات، ويسبي نساءهم وأطفالهم. ويبدو أن الرجل من الناحية النفسية كان يرى في نفسه استئهالًا للنبوة، لأن هذا التصور لمجتمعه على أنه المجتمع المسلم الصغير الذي تقابله ديار شرك، لم يوجد سوى في عصر النبوة الأولى، وحتى الخوارج الأوائل كفّروا المسلمين، ولم يُسموا حروبهم معهم غزوات. كما أنه قد أطلق على حركته مسمى "دعوة"!! فلأول مرة منذ أن صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الإسلام نجد شخصًا يتزعم فرقة من الفرق يُطلق على ما يعرضه مسمى "دعوة". وكانوا يقولون لمن يتبعهم أنه دخل في ديننا!!
والعجيب أن الوهابية المحدثين يصدّقون على ذلك التصور المتوهم لحال المسلمين وقت ظهور الوهابية، ولا يرون فيه أدنى مبالغة، علمًا بأن أحدًا غير ابن عبد الوهاب من معاصريه لم ير في ممارسات مسلمي جزيرة العرب وقته شركًا!

منع المسلمين بيت الله الحرام
لعله لم تبلغ فرقة من الخوارج درجة من الفسق وانتهاك الحرمات مثلما فعلت القرامطة، حتى وصل الأمر إلى سرقة أهل مكة والإغارة على الحجاج، وانتزاع الحجر الأسود من الكعبة سنة 317هـ، وخلع أستار الكعبة، ولم يُعد زعيمهم أبو طاهر القرمطي الحجر وأستار الكعبة إلا سنة 339هـ، بعد تهديد الفاطميين الذين أعادوا موسم الحج لما كان عليه، وكان يُخطب لهم بمكة طيلة قرنين من الزمان بدلًا من العباسيين. لكن ظل القرامطة يضايقون حجاج العراق ويمنعونهم من الحج.
كذلك سجّل لنا المؤرخون كثيرًا من الحوادث التي أحدثها الخوارج الحشاشون الباطنية مع الحجاج؛ ففي سنة، 498هـ، أغار ‏جمع كثير من هؤلاء الإسماعيلية النزارية من طريثيث عن بعض أعمال بيهق –وبيهق ‏مجموعة قرى بجانب نيسابور، كان الحشاشون يتمركزون في بعضها، ومن أهم ‏قراهم طريثيث وطرز-، على الناس، فقتلوهم ونهبوهم وسبوا نساءهم، بل ‏وقتلوا الحجاج عند عودتهم من الحج. وكان  ذلك بجوار الريّ.
وفي سنة 552هـ، قُتل حجاج خراسان قرب بسطام بأيدي الحشاشين. ‏يقول ابن الأثير: "وقُتِل فيهم من الأئمة العلماء والزهاد والصلحاء جمع كثير، وكانت مصيبة ‏عظيمة عمَّت بلاد الإسلام، وخصت خراسان".
وفي سنة 608هـ، وثب الباطنية على أخي الأمير قتادة أمير مكة، بمنى أيام الحج، ‏وقتلوه، ظنًا منهم أنه قتادة. ونُهِب الحجاج.
وما أشبه خوارج زماننا في هذا بالقرامطة والحشاشين، وكم منعوا الحجيج من الوصول إلى بيت الله الحرام ‏وأداء المناسك، بل ونهب الوهابية أول ظهورهم الحجرة النبوية وأخذوا ما فيها من الأموال ‏والجوهر.‏
كان الوهابية قد منعوا الحجيج المصري والشامي سبع سنين قبل أن يهزمهم إبراهيم باشا. ‏يذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي الحنبلي في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" ‏‏(ج1، ص292) في حوادث سنة 1221هـ "فلمّا خرج سعود من الدرعية قاصدًا مكة، أرسل فرَّاج ‏بن شرعان العتيبي، ورجاله معه، لهؤلاء الأمراء المذكورين، وذكر لهم أن يمنعوا الحجاج التي ‏تأتي من جهة الشام واستنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره ‏عبدالله العظم باشا الشام، فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم إليهم، وأن يرجع إلى أوطانه". وفي ‏حوادث سنة 1223هـ (ص297) يذكر أنه "لم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر ‏والعراق والمغرب وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم حجوا بأمان".‏
وفي القرن العشرين مُنع الحاج السوري من الوصول إلى مكة سنة 1959هـ، كما مُنع ‏الحجاج اليمنيين على إثر خلافات سياسية، وكذا حدث مع الحجاج الليبيين لسنوات، وأُرجعت ‏الكسوة المرسلة من مصر كهدية للكعبة المشرفة، والتي كانت مصر تقدمها لقرون، كما استأثروا ‏بالإمامة والوعظ في الحرمين الشريفين في مشائخ مذهبهم، وهي سابقة لم يحدث مثلها في تاريخ ‏الإسلام. والأسوأ هو واقعتين قام فيها الجنود بفتح النيران على الحجيج؛ الأولى ضد الحاج ‏اليماني سنة 1341هـ ‏‏/ 1921م والثانية ضد الحاج الإيراني سنة 1408هـ/ 1988م.‏

حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام
كان الخوارج ولا زالوا سفهاء العقول لا يفهمون مقاصد الشارع الحكيم ولا يعوا منها شيئًا. وقد رأينا كيف فهموا معنى أن لا حكم إلا لله بعقولهم القاصرة فضلّوا.
وكذا هو الحال في أيامنا؛ فمن أهم صفات خوارج آخر الزمان التي ذكرتها الأحاديث أنهم "حدثاء الأسنان، ‏سفهاء ‏الأحلام". ‏وحدثاء الأسنان جمع حديث السن وهو الصغير؛ فإن حداثة السن محل للفساد ‏عادة. وسفهاء الأحلام أي ضعفاء العقول؛ جمع حلم وهو العقل. ‏والسفهاء جمع سفيه وهو الطائش ‏خفيف العقل. ويُلاحظ أن ضعاف العقول يثبتون عند المستوى الطفولي الحسي في تصور المفاهيم الدينية، ومنها مفهوم الله.‏
ورءوس الجماعات المتطرفة في عصرنا يبحثون عمن لهم تلك الصفات من المراهقين والشباب اللاهين ضعيفي الثقافة والعقل لاجتذابهم وضمهم إليهم. ‏
جاء ذلك الوصف لخوارج آخر الزمان تحديدًا في أحاديث كثيرة، ففي صحيح البخاري (6930) عن عليّ رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا ‏يُجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم ‏فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". ‏ومثله: الأحاديث (3611) ‏و (5057) بصحيح البخاري. وبصحيح مسلم ‏(2511 -154/1066) وسنن أبي داود (4767) ‏وسُنن ‏ابن ماجه (168) وسُنن النسائي (4102) وسُنن الترمذي (2188).
التيه والعجب بأنفسهم لظنهم أنهم الفرقة الناجية
كان ولا زال التيه والعُجب بأنفسهم من صفات الخوارج النفسية؛ فهم معجبون بجماعاتهم. يظنون أنفسهم أنهم ‏وحدهم الفئة الناجية، والأمر يتجاوز تبديع وتكفير الشيعة بل إن تخطئتهم حتى لأئمة السُنة وتبديعهم غير مغفول عنه.
وقد تخيرت أكبر جماعاتهم في عصرنا لأنفسهم مسمى السلف ادّعاءً أنهم وحدهم متفردون بما كان عليه السلف، وما أبعدهم عنهم لمن يفقه.
كما يُحكى أن أحدهم قال في جنازة أحد المطرودين من جماعة الإخوان بعد ثورة يناير 2011 "اللهم حاسبه كما لو كان في جماعة الإخوان المسلمين"!

الصفات الشكلية والتدين الشكلي
تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بخروج الخوارج الأُول، ثم خروج طوائف عديدة منهم، وحتى آخر الزمان. وذكر صفاتهم الشكلية وكذا تدينهم الشكلي.
وقد وصف الرواة شكل الرجل الذي أطلق النبي نبوءته الأولى عنهم بسببه. والأحاديث في ذلك متواترة بأسانيد كثيرة وصحيحة، وجاء في وصف الرجل في حديث (4351) بصحيح البخاري ‏أنه "رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار". وهو الوصف نفسه في حديث صحيح مسلم (2500 -144/1064) و (2502 -146/1064) ‏أنه "رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ ‏الإِزَارِ". وفي حديث صحيح مسلم (2499-143/1064)‏ و (2501 -145/1064) أنه "رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِيءُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ". فذُكر أنه ناتيء الجبهة، ولم يُذكر تشميره للإزار.
وأقول: وكأنني برسول الله يصف أقوامًا نراهم بيننا.
وجاء في وصف التدين الشكلي للخوارج القدماء جملة صفات تكرر ذكرها في أحاديث كثيرة. على سبيل المثال: في الأحاديث بصحيح البخاري (‏3610) و (6931) وبصحيح مسلم ‏(2503 -147/1064) ‏و ‏(2505 -148/1064) و (2499-143/1064) ومستدرك الحاكم على الصحيحين (2649) وسنن ابن ماجه (169)؛‏ وهي أنهم شديدو الاجتهاد في العبادة "يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ"‏؛ فيعتقد المسلم أن عبادته قليلة ويظن قلة ثوابه عليها مقارنة بعبادتهم، من شدة ما يجهدون أنفسهم في العبادة. و"يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ –حَنَاجِرَهُمْ-" أي لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة، وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. وفي وصف آخر بحديث صحيح مسلم ‏(2501 -145/1064) "يتلون كتاب الله رطبًا، لا يُجاوز حناجرهم"، والمراد أنهم يتلونه ولا يفقهونه، ولا يصل إلى قلوبهم لتخشع له، وليؤثر في نفوسهم، ولأنهم لا يفقهونه لا يعملون به.
ووصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم "يحسنون القيل ويسيئون الفعل" في أحاديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2648) ‏و (2649) و (2650) و (2659) وحديث مسند الإمام أحمد (5562 م3).

تحليل الزنا مع التبرير له
روي في كتاب "وقعة النهروان أو الخوارج" أن عبيدة بن هلال اليشكري الحنفي وهو أحد قادتهم وشعرائهم اُتهم بامرأة رجل حداد، رأوه مرارًا يدخل منزله بغير إذن. فأتوا خليفتهم (قطري بن الفجاءة التميمي)، فذكروا ذلك له. فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، ثم احتال له فأخبره بالخبر قبل أن يجمعه بهم. فقالوا: إنا لا نقاره على الفاحشة فقال: انصرفوا، ثم بعث الى عبيدة فأخبره.
وفي الأربعينات انكشفت فضيحة لأحد كبار جماعة الإخوان المسلمين أقام علاقات غير مشروعة متعددة مع زوجات بعض أعضاء الجماعة!
ويُحكى أيضًا عن أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المعاصرين أنه قد تم تجنيده من قِبل الأمن للتجسس على زملائه لسنوات بسبب تسجيلات له مع سيدة تزوجها عرفيًا دون وليّ ودون إشهار!
ومن منا لم يسمع بزواج النكاح الذي ابتدعته داعش؟! والذي تعظم الداهية من ورائه بأنه ليس فيه استبراء رحم! والأعجب أن من أكثر ما ينكره هؤلاء المنافقين على بعض سفهاء الشيعة الإمامية أنهم لا زالوا يستحلون زواج المتعة الذي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرّمه بعد أن كان حلالًا رغم أن زواج المتعة أفضل حالًا –رغم حُرمته- لأن به استبراء رحم!

أخيرًا أقول: قطع الله دابركم جميعًا كما قطع أدبار قرونًا قبلكم.

127-خواطر سياسية

خواطر سياسية
د/منى زيتون

سألني كثيرون: لماذا استمتي إلى هذه الدرجة لأجل الانتخابات الرئاسية القادمة؟ هل حقًا لديك أمل أن يحدث تغيير بسببها؟
قلت: لا أريد أن أكرر أخطائي، ولكن يبدو أن التاريخ أحيانًا يأبى إلا أن يعيد نفسه!

**************
كان نبأ فوز مرشح الإخوان د/محمد مرسي في انتخابات الرئاسة المصرية 2012 صدمة حقيقية بالنسبة لي.
عندما بدأ سباق الرئاسة 2012 لم أكن أعرف في البداية من أختار من بين الثلاثة عشر مرشحًا. ذهبت إلى مكة المكرمة لأداء عمرة، وطوال طوافي حول الكعبة وسعيي بين الصفا والمروة كانت دعوتي التي لا أعلم كم رددتها أن أنر بصيرتي يا رب وانزع أي غشاوة عن عيني واجعلني أعرف الأفضل من بينهم.
بعدما عدت من العمرة بيوم وضعت أمامي قائمة بأسماء المرشحين، وأخذت أتناقش مع نفسي بموضوعية وحيادية حول مميزاتهم وعيوبهم، وإذا بي فجأة أكتشف أنه لا وجه للمقارنة بين أي منهم وبين الفريق أحمد شفيق، وأن كل ما يعيب الرجل أن ظنونًا لا أساس لها تحوم حوله بسبب موقفه من ثورة يناير، والتي كنت ولا زلت مقتنعة أنها كانت ضرورة، وأن ما يحدث طوال سبع سنوات -هي عمرها- أن مصر تنفي خبثها، فكم سقطت أقنعة لم تكن لتسقط لولاها.
كغيري ممن بلغتهم نتائج انتخابات 2012 من مصادر موثوقة، كنت أعلم أن شرعية مرسي زائفة. شرعية لم يكتسبها من صناديق الاقتراع كما يحلو لبهاليل الإسلاميين أن يدّعوا زورًا، وإنما اكتسبها يوم تنازل شفيق عن حقه، كما تنازل جده الحسن بن علي يومًا لمعاوية. وكما كان قميص عثمان منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام هجري ذريعة دينية لبلوغ أهداف سياسية، فقد كان الحلم الإسلامي والمشروع الإسلامي ودعاوى "الإسلام هو الحل" ذريعة الإخوان للوصول إلى الحكم، وكانت سنة واحدة كافية لافتضاح ميكيافيليتهم، وأن لا شيء فيه يختلفون عن غيرهم من الحكام، فالإسلام لم يكن بالنسبة لهم أكثر من وسيلة لا غاية.
لأجل ذلك فرحت بإزاحة حكم الإخوان، وأيدت تحرك 30 يونيو 2013، واعتبرته وقتها ثورة لا انقلابًا، لكن منذ فترة غير قصيرة، وتحديدًا منذ أدركت تمامًا أن السيسي فاشل عديم الرؤية ولا يصلح لحكم قرية، وأنه أكبر غلطة في تاريخ مصر، غيرت رأيي، ولدي من الشجاعة ما يجعلني أعترف أنني أخطأت يوم ناصرت ذلك التحرك.
وربما كان أكثر ما أشعرني أنني أخطات هو مقارنة حالنا بحال تونس، وكيف صبروا حتى تم تداول السلطة سلميًا، ثم رفض الأتراك –بما فيهم معارضو أردوغان- للانقلاب العسكري ضده. تمنيت وقتها لو أننا كنا مثلهم، وفهمت أنه كان ينبغي أن أشجع التداول السلمي للسلطة لا أن أناصر انقلابًا عسكريًا على نظام رئاسي مدني، والذي ألغي التوازن بين القوتين في المجتمع المصري وقتها، قوة الإخوان كونهم في السلطة، وقوة الجيش، فصارت قوة وحيدة تهيمن على المجتمع وتستبد علينا.
ولكن كان ما اعتذرت به لنفسي وقتها أنني خشيت إن بقي الإخوان أكثر أن نعجز عن إزاحتهم بالطرق الديمقراطية، وقد لعب عامة الإخوان دورًا في إثارة المخاوف ربما لم يدركه أكابرهم. كانوا يهددون على صفحات التواصل الاجتماعي عيانًا جهارًا بأن مرسي سيلي ثمان سنوات، ومن بعده أبي إسماعيل ثمان أخرى، ثم سيعلنوها خلافة إسلامية!
وربما لإدراكي حجم الخطأ الذي وقعت فيه سابقًا لم أتحمس للمسار الثوري أو الانقلابي مرة أخرى. حتى عندما حدثت مظاهرات بسيطة -تم قمعها بواسطة النظام- اعتراضًا على موافقة مجلس الشعب على قرار ترسيم الحدود البحرية المصري السعودي الذي آلت به تبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، يومها كتبت مقالًا بعنوان "ثورة بلا قائد، هل تتكرر؟!" وتوقعت فشلها في إحداث تغيير، وإن كنت سعدت بأن سمع النظام المتمادي في غيه صوت معارضتنا.
كما كنت مقتنعة أنه لا يمكن أن يحدث انقلاب عسكري لتغيير السلطة، وأن قادة الجيش يفضلون انقلابًا ناعمًا عن طريق الانتخابات لإزاحة السيسي، ثم محاولة إصلاح ما أفسده خاصة فيما يخص الاتفاقيات الدولية، فمكانة مصر الدولية لا تتحمل انقلابين عسكريين في أعوام قليلة.
لأجل هذا كله تحمست كثيرًا لإجراء الانتخابات الرئاسية 2018 رغم أن البادي أن مريض البارانويا الذي يحكمنا صار يتعامل مع مصر على أنها ممتلكات خاصة لا يجوز لأحد الاقتراب منها. أصابه ذلك الهوس الذي يصيب الحكام الديكتاتوريين، الذين لا ينخلعون إلا بعد خناجر يغرسونها في قلب الوطن، وبحور من الدماء تُراق.

كان لدي أمل في تداول سلمي متحضر للسلطة، ولكن الأمل تضاءل حتى انتهى، وعدت مرة أخرى إلى ذات الشعور الذي صاحبني أيام تحرك السيسي لإزاحة الإخوان، وأخشى أن أندم عليه كما ندمت على إزاحة الإخوان بتلك الطريقة التي لا تؤسس لديمقراطية ولا تؤصل لحقوق وحريات شعبنا. لكن، ما العمل؟!

126-كلا إن معي ربي سيهدين

كلا إن معي ربي سيهدين
د/منى زيتون
الاثنين 29 يناير 2018

مساء الأمس، الأحد 28 يناير 2018، مر حزينًا على كل أنصار الفريق أحمد شفيق، بعدما استنفذوا جهودهم التي بذلوها لبلوغ مسعاهم الذي اجتمعوا عليه طوال الأسابيع الماضية؛ ألا وهو إقناع الفريق شفيق بطريقة عملية أنهم لا زالوا أنصاره، ولا يريدون غيره رئيسًا؛ وذلك بعمل توكيلات تأييد له للترشح في انتخابات الرئاسة القادمة.
منذ أسبوع، وتحديدًا يوم الاثنين 22 يناير، فرحنا بنبأ طيّره بعض المقربين بأن الرجل قد سعد بما نفعل، وقدّره، وأنه إن شاء الله تعالى سينزل على رغبتنا ويعود إلى سباق الرئاسة مكرمًا.
ورغم أن نظام السيسي الأرعن لم يتورع في اليوم التالي الثلاثاء 23 يناير عن اعتقال المرشح الرئاسي الفريق سامي عنان، وكَيْل التهم إليه، ثم إخفائه قسريًا، فحتى محاميه فشل في لقائه، ودُوهمت منازل أسرته وأفراد حملته، ثم كان انسحاب المحامي الحقوقي خالد علي من السباق الرئاسي يوم الأربعاء 24 يناير، إلا أنني أنا شخصيًا لم ألمس من سيادة الفريق شفيق تراجعًا عن فكرة الترشح ذاتها، وإن بدا لي أن هناك أمرًا آخر أبعد من مرمى نظري يدور في رأسه.
كان معلومًا أن آخر موعد يجب على الراغبين في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية التقدم فيه بطلب لرئيس المجالس الطبية المتخصصة لتوقيع الكشف الطبي هو يوم الجمعة 26 يناير، وتفاءلنا بانقضاء السبع سنوات العجاف بعد ثورة 25 يناير 2011، وأنه أول يوم في السنة التي بعدهم. تفاءلنا بالغيث الذي غسل مصر يومي 25 و 26 يناير 2018. قلنا إن شاء الله قد بدأ العام الذي ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: 49]. وتفاءلنا بساعة الإجابة بين عصر ومغرب الجمعة، لكن الفريق شفيق لم يذهب لإجراء الكشف الطبي عليه كما كان متوقعًا له عصر الجمعة 26 يناير 2018!
قلنا لا بأس، فنظام السيسي صار يبحث عن ورقة توت تداري عواره، وبالتالي تم مد أجل الكشف الطبي حتى الأحد لأجل إتاحة الفرصة لخيالات الظل القابعة كديكور في حياتنا السياسية أن يترشح منها مرشحون هزليون، لكن الفريق شفيق لم يذهب أيضًا لإجراء الكشف الطبي يوم الأحد 28 يناير كما علمت من مصدر ما.
وكان الأنكى والأمرّ أن يوم الأحد 28 يناير كان موعد تجميع آلاف توكيلات التأييد للفريق شفيق التي بدأنا في عملها من أول أيام فتح فيه الشهر العقاري أبوابه لإجرائها يوم 9 يناير 2018، فإذا بجميع المندوبين المسئولين عن تسليمها بلا استثناء يتنصلون من الأرقام التي سبق وأعلنوا منسق الحملة أنها بحوزتهم، ولم يحضر أي منهم للقاهرة كما كان متفقًا عليه لتسلميها!
حقيقة، لم يهدأ لي بال إلا بعد أن اتصلت بأحد كبار هؤلاء المسئولين عن جمع التوكيلات في الصعيد؛ فإذا بالرجل يصارحني ويخبرني بعظمة لسانه أنه استُدعي إلى الأمن الوطني في الصباح! وأن فلانًا الذي سبق وأخبره أن في يده ثلاثة آلاف توكيل فجأة قال ليس معي هذا العدد!، وعلانًا كذلك! والبقية بالمثل! كما علمت أن الفريق شفيق قد بلغته هذه الأنباء الأحد 28 يناير، وهو الموعد الأخير الذي كان يُفترض أن يجري فيه الكشف الطبي.
حدث هذا في وقت امتلأت فيه الفضائيات المصرية بحديث عن أعداد التوكيلات التي تم عملها لمرشحي الرئاسة مع تجاهل تام لذكر أن أحدًا قد عمل توكيلًا للفريق أحمد شفيق! فهل وصلت درجة الفجور بالنظام السياسي المصري وإعلامه المخنث إلى هذا الحد؟! هل نسخة توكيلي وتوكيلات أنصار الفريق شفيق مزورة مثلًا وليست صادرة ومختومة من الشهر العقاري المصري؟! أم أنكم اكتفيتم بحذف نسخها وأعدادها من على الجهاز الرئيسي بالشهر العقاري الذي يربط الشبكة كلها على مستوى الجمهورية كما فعلتم في التوكيلات التي حُررت للفريق عنان واعتبرتموها كأن لم تكن؟ ولو كنا في دولة حقيقية ما احتجنا أن نجمع التوكيلات ونسلمها للجنة الانتخابية لأن صور التوكيلات وإحصائياتها توجد في الشهر العقاري، ولكان أمكن تسليم كشف بتلك الأعداد فقط دون أن يتكبد أحد معاناة لف كعب داير على مدن الجمهورية وقُراها لأجل جمعها، لكن في اللا دولة التي نحيا فيها صار حتى هذا الجمع متعذرًا.
وحقيقة إن من أسخف ما حدث في الأيام الأخيرة هو رحلة البحث عن محلل سياسي للسيسي، والتي بدأت بالسيد البدوي، ورئاسته للحزب الذي رأسه ذات يوم سعد باشا زغلول ومصطفى باشا النحاس وفؤاد باشا سراج الدين هو عار قد طال الوفد في حد ذاته، بالرغم من رفض الهيئة العليا للوفد استكمال المشاركة في هذه الجريمة السياسية في حق مصر، وأحمد الله أن أبي رحمه الله –وقد كان وفديًا عتيدًا- مات قبل أن يشهد يوم يحتل فيه الأقزام مكان العمالقة.
لكن ما لفتني حقًا هو تصريحات مصطفى بكري وتأكيداته على أن مرشحًا رئاسيًا (هامًا) سيظهر خلال ساعات. قطعًا لم يكن يقصد بكري بالمرشح الهام خيالات الظل الحزبية الذين يحاولون الدفع بهم في السباق، ولكن الأقرب إلى ذهني أن النظام يضع في الاعتبار احتمالًا ضئيلًا لترشح الفريق شفيق إن أخفقوا في إخفاء التوكيلات ولم يستطيعوا منعه من إجراء الكشف الطبي، فتبقى حيلتهم الأخيرة، وهي إظهار الرجل كبير القدر والمقام على أنه قد قرر المشاركة في مسرحية السيسي الانتخابية، فإما أن يأنف الرجل –وعزة نفسه معروفة- من أن يُوصم بهذا، وإما أن يخوض المعركة وسط شكوك فيه، وهذا في حد ذاته كفيل بعدم مشاركة الناخبين حتى من يدعموا سيادة الفريق، وعدم مشاركة الناخبين هو أول وأيسر الطريق للتزوير كما نعلم.

أخيرًا، أقول: اللهم إنا قد استفرغنا جهدنا، ولم نقصر في الأخذ بالأسباب. لم نتواكل، ولم نخف. نصرناك فانصرنا. اللهم إنا نسألك نجاة كنجاة موسى يوم ظن من معه أن فرعون لاحق بهم وقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 61-62]. وأرنا في السيسي وفيمن معه عجائب قدرتك. لقد قلت وقولك الحق: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30].