الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

235-الكفاءة في الزواج ما بين العصامي والمتسلق والسيكوباتي

 

الكفاءة في الزواج ما بين العصامي والمتسلق والسيكوباتي

د/ منى زيتون

الاثنين 10 أغسطس 2020

وعلى المثقف الثلاثاء 11 أغسطس 2020

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/948871

 

في مقالات سابقة عن التعليم تحدثت عن أثر التعليم في إحداث الحراك الاجتماعي الإيجابي في المجتمع، وتحريك صاحب العلم إلى طبقة اجتماعية أعلى من تلك التي نشأ في ظلها. وكما قال الشاعر: العلم يرفع بيتًا لا عماد له.

وطالما أن للعلم دوره في تحديد الطبقة الاجتماعية للفرد، فإنه ولا شك يتعلق بموضوع طالما اختلف فقهاء المسلمين في تحديده؛ وهو خصال الكفاءة في الزواج، والتي تهدف إلى ضبط الزواج ومنع أفراد المجتمع من ارتكاب خطأ الزواج من الشخص غير المناسب، والذي قد يفضي إلى وقوع الطلاق.

وكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد دلنا على أن المرأة تكون فيها من الخصال ما يُرغِّب فيها الرجال ليخطبوها للزواج، "تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها"، فإن الرجال أيضًا تتفاوت أقدارهم بالنسبة للنساء، وأغلب الفقهاء على أن الكفاءة تُشترط في جانب الرجل لا في جانب المرأة؛ أي أن يكون هو فقط كُفُؤًا لها.

وعلى عكس ما قد يعتقد كثيرون فإن أغلب فقهاء المسلمين لم يروا أن الكفاءة في الإسلام والحرية وحدهما يكفيان ليتقدم أي رجل لامرأة عالية القدر. وخصال الكفاءة عامة التي اتفق فيها الفقهاء أو اختلفوا وفقًا لمذاهبهم هي: الإسلام والحرية والنسب والمال والدِيانة (الصلاح) والحرفة والسلامة من العيوب.

ولا يعتد بخصلة واحدة من تلك الخصال، بل تتحدد الكفاءة في ضوئها مجتمعة، وعلى سبيل المثال فليس التكافؤ في النسب وحده كافيًا، فقد يكون الرجل والفتاة أبناء عمومة ولكنها هي أعلى منه قدرًا، ومثلها لا تُزوج بمثله. وقد روى النسائي (3269) وأحمد (25043) وابن ماجه (1874) عن عبد الله بن بريدة بن الحصيب، عن أبيه، رضي الله عنهما شكوى فتاة أبيها إلى رسول الله بأنه زوَّجها ابن عمها رغمًا عنها قائلة: "إن أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسِيسَته".

ولم يعُدّ أي من فقهاء المسلمين العلم كأحد خصال الكفاءة في الزواج، ومع ذلك فقد نوقشت مسألة كفاءة العالم لشريفة النسب، وهل يصلح زوجًا لها، وقالوا: نعم؛ لأن علمه يرفع قدره. وربما لأن المرأة لم تنل في القرون المتقدمة حظًا واسعًا من العلم -هذا إن حظيت بشيء منه أصلًا- لم يشترطوا العلم كأحد خصال الكفاءة في الزواج، لكن هذا لم يمنع الناس من أن يرونه على أنه منها، كونه يرفع شأن وقدر صاحبه/صاحبته. وبالنسبة للمرأة فقد كانت هناك مُحدِّثات في الشام في عصر بني العباس وزمن المماليك، ولم يكن يتزوجن من كل من هب ودب. وأعتقد أنه في العصر الحديث أصبح لزامًا على الفقهاء أن يضيفوا العلم كخصلة من خصال الكفاءة في الزواج منعًا ودرءًا للسفاهة والسفهاء والجهلة من أن يطمحوا بروءسهم للتقدم للزواج ممن يعلوهن في الدرجة العلمية بمراحل.

وكاستشاري علاقات أسرية ومهنية أجزم بأن موضوع الكفاءة في الزواج لا زال من أهم الموضوعات التي تتسبب في حدوث المشكلات والقطيعة بين الناس عندما يحاول من هو أدنى التقدم لخطبة فتاة أعلى منه تعليمًا وثقافة ومالًا ومستوى اجتماعي، ولا يفضلها أو يكافئها في أي شيء آخر كمنصب أو نحوه؛ فليس غريبًا أن يتقدم صاحب مركز وظيفي مرموق للزواج من طبيبة أو صيدلانية أو مهندسة أو حاملة دكتوراة، ولكن أن يفكر في ذلك من هو أدنى منها بكثير، فهذه سفاهة. وحتى إن كانت خريجة كلية جامعية متفوقة وحسب، ولم تكمل دراساتها العليا، وكليتها من الكليات التي لا يُشار إليها بأنها إحدى كليات القمة، فليس من المفترض أن يظن فاشل لا يحسن القراءة والكتابة في نفسه الكفاءة لأن يتقدم للزواج منها.

وهناك من ينكر على فقهاء المسلمين تحديدهم خصالًا لتحقق الكفاءة بين الزوجين؛ إذ يبدو أن هناك من يفهم حقوق الإنسان والمساواة بين البشر بشكل خاطئ. يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70] فكلنا مكرم لأننا بشر، وكلنا مفضل على باقي الخلق، والإنسان بنيان الله في أرضه، ولكن القدر الذي تستحقه من الاحترام من غيرك تحدده قيمتك التي تصنعها بعلمك وعملك وأخلاقك، ولا شك أنه لا يخفى على عاقل أن البشر يتفاوتون، ورب البشر يقر ذلك في مواضع عديدة من كتابه العزيز: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) [البقرة: 253]. (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) [النساء: 95]. (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) [النحل: 71]. (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [الإسراء: 21].

وقد يرى بعض الناس أن اعتبار النسب تحديدًا في الزواج شكل من أشكال الرجعية والتمييز الطبقي بين البشر الذي لا يقوم على جهد بشري، فهو/هي قد وُلد لهذه العائلة الشريفة أو المالكة أو الأرستقراطية، ولم يبذل جهدًا ليتم تمييزه عن غيره. وأرى أن هذا قد يكون صحيحًا إلى حد ما وليس بشكل عام، خاصة إن كان الرجل أعلى علمًا ومالًا ومنصبًا من الفتاة مرموقة النسب أو يكافئها، وأن يكون الفارق الاجتماعي بينهما بسيطًا، لكن أن تطلب أم شاب لم يكمل تعليمه المتوسط فتاة من عائلة عريقة تدرس في مرحلة الماجستير في الجامعة الأمريكية لابنها، وابنها ذاك لا يملك من المال شيئًا بينما الفتاة في غنى ويسر، فهذا تسلق طبقي واضح. وكثير من الأمهات غير المتعلمات قليلات العقل لا زلن يطمحن إلى تزويج أبنائهن الذكور من بنات غنيات متعلمات ويتجرأن في مفاتحة أهلهن. فتاة جميلة للغاية ومن عائلة عريقة، وتنتمي لمستوى اجتماعي واقتصادي مرتفع، وجميع أفراد عائلتها متعلمون تعليمًا عاليًا وبعضهم ذوي مناصب، وهي ذاتها درست في إحدى كليات القمة، وفوجئت منذ سنوات، وقبل أن تتزوج –كما روت لي بنفسها- بأخيها الصغير يخبرها أن امرأة بسيطة استوقفته وقالت له إن ابنها الذي أتم تعليمه المتوسط يعمل في أحد المصانع، ويقبض شهريًا ثمانمائة جنيه مصري، فهل تقبلون به؟!

وأحيانًا يكون الشاب ذاته هو قليل العقل عظيم الثقة غير المبررة في نفسه، بما دسته أمه الجاهلة فيه منذ صغره من أن ألف فتاة تتمناه، وأن عليه أن يؤشر فقط لمن يتمناها لتقبله على الفور!

كانت لدي صديقة طبيبة أثناء عملي في السعودية، جمعنا الله مرة في الحج ومرات في العمرة. حكت لي ذات مرة أن زميلة لها أثناء دراستها في كلية الطب بالإسكندرية، زارت والدها في مكتبه في مصنع الغزل والنسيج الذي يديره بالمحلة حيث يقيمون، وكان هناك عامل شاب لم يتم تعليمه، مسئول عن تقديم المشروبات في مكتب والدها، طلب والدها منه أن يحضر لها مشروبًا، وشكرته هي بلطف عندما قدّمه لها جبرًا لخاطره، ثم إنهم فوجئوا عند مغرب اليوم نفسه بهذا العامل يحمل كيس فاكهة ويأتي لمنزلهم طلبًا لخطبتها!

كثيرًا ما قرأنا عن علماء وباشوات عصاميون كانوا من أصل بسيط، بلا مال ولا جاه، لكنهم بلغوا بعلمهم وعملهم ما استحقوا به أن يعلوا في درجات المجتمع إلى قمة هرمه، وأصبحوا أكفاء لعلية القوم، حتى أنهم بعدها ناسبوا أمراء ووزراء، ولو كان المتقدم لفتاة من طبقة اجتماعية أعلى منه شابًا مكافحًا من عائلة بسيطة، كافح وتعلم وأصبح ينتظره مستقبل مشرق، فهذا يستحق أن يخطب ويُجاب. وشتان ما بين العصامي والمتسلق.

وهناك أمهات لا يكن جاهلات، ولكنهن يرفضن الإقرار بأن أبنائهن لا يستحقون الأفضل. امرأة عجوز من الطبقة المتوسطة في المجتمع توفاها الله من سنوات، ولدى ابنها الأصغر مشاكل صحية قوية مزمنة منذ صغره، إضافة إلى أنه قد علا سنه وأصبح في عداد الشيوخ. وكان يمكنها مع ذلك أن تزوجه بكثيرات من مستوى مناسب لها، ولكن العائق الحقيقي أمام زواجه هو إصراره وإصرارها على التقدم لمن تصلح عروسًا لأمير! فتارة تخطب له طالبة جميلة في كلية الطب، وأهلها يعملون خارج مصر من قبل أن تولد، ولديهم مال لو أكلوه ما نضب، وتارة تحضر عرسًا فتنظر إلى أجمل فتاة في الحفل، وهي طالبة في الصف الثاني الثانوي ومستواها الاجتماعي والمالي ومنصب والدها غاية في الارتفاع، لتسأل الحاضرين إن كانت تلك الطفلة الجميلة يمكن أن ترضى بابنها الشيخ العليل؟!

 

ماذا عن السيكوباتي؟

إن المشكلة أكبر وأعقد من أن يكون حدها كون الشاب المتقدم لفتاة متسلقًا اجتماعيًا، فالمتسلق بعد أن يُرفض غالبًا ما ينتهي الأمر لديه عند هذا الحد، أو يوفر جهده ليحاول مع فتاة أخرى، لكن المشكلة الحقيقية تأتي من المتسلق السيكوباتي الذي يأبى أن يتقبل الرفض، ويظل يحاول ويحاول، ويحوم حول الفتاة، ويصر أن يعيش الوهم.

والشخص السيكوباتي هو شخص كاذب مخادع، لا يمتلك مؤهلات حقيقية تستحق الفخر ومع ذلك يبالغ في تعظيم ذاته أمام الناس، محاولًا إظهار ثقة عالية في النفس، وغالبًا ما يملك درجة مهارات تواصل مرتفعة تساعده على التلاعب بعقول وأفكار الآخرين. حقيقة الأمر أنه قد يفتقد الثقة في نفسه، ويحقد ويحسد كثيرًا أولئك الذين لديهم ما يتميزون به عليه، ولأن مركز التحكم لديه خارجيًا، فهو دائمًا ما يبحث عن شماعة ليعلق عليها أخطائه، فهو لا يعترف بأخطائه ولا يندم على أي فعل سيء قام به، ويبقى ينكر، ودائمًا يختار شماعته من أحد هؤلاء الذين يحقد عليهم ويحسدهم، ويعرف كيف يستغل مهاراته العالية في التواصل لخلق التعاطف معه ضد من اختاره شماعة لأخطائه.

إن اختيار شخص سيكوباتي لك لتكون شماعة لأخطائه يعني أنك ستتعرض إلى تشويه للسمعة ومحاولة لتغيير صورة الناس الإيجابية عنك، وستبقى تتعرض لهذا التشويه حتى تتأجج داخله مشاعر الحقد ضد شخص آخر لينقل أخطائه ويعلقها عليه، وينقل حملة التشويه إليه. وهذا ليس ضمانًا لك أنه لن يعود لشن حملة تشويه أخرى عليك بعد فترة إذا ما أثرت غيرته مرة أخرى ورآك الشماعة المناسبة.

أحدهم إخوته جميعًا من المتفوقين دراسيًا، ولم يخب في الدراسة إلا هو، وهو ما أسهم في خيبته العملية أيضًا لأنه كان دائم الرفض لأي عمل يناسبه، فما دام إخوته يعملون أعمالًا جيدة ويجنون من المال الكثير، فهو يصر على ألا يعمل إلا أعمالًا عالية القدر وبراتب كبير، وهذه يصعب لمن كانت مؤهلاته محدودة مثله أن ينالها، وإن نالها فلا تنقضي أشهر حتى يفقدها لأنه لا يثبت كفاءة في عمله تسمح بتثبيته. ومع ذلك فهذا الفاشل المصر على الفشل لا يتقدم للزواج إلا إلى طبيبات أو صيدلانيات ويُرفض، ويقنع نفسه أنهن أظهرن موافقة مبدئية عليه، ولكن أحدًا أو شيئًا -بلا شك- أسهم في تغييرهن لرأيهن! ومنذ سنوات وهو يحوم حولهن، يحاول مع هذه فيلقى الصد، فينقلب إلى الأخرى فتصده، وهكذا دواليك.

والعجب العُجاب هو الأسباب التي يقنع نفسه بها على أنها علامات وإشارات خضراء له ليعاود التقدم إلى هذه أو تلك. كان قد تقدم بعرض زواج إلى إحدى جاراته الصيدلانيات، وهي مطلقة شابة، ولقي قبولًا من أبيها في البداية، ثم لم يلبث أن حصل الرفض، وبعدها صار يترصد لأي شاردة أو واردة من جهتهم ليعيد التقدم، فتارة يقول إن أباها ألقى السلام عليه عندما قابله على سلالم العمارة، وتارة أن أمها تركت المصباح أمام شقتهم مضاءً حتى ما بعد صلاة الفجر كي لا يسير في الظلام، وغيرها من تلك الأشياء التي لا يعتبرها إشارة خضراء إلا أحمق، حتى ضج أبو الفتاة، وباع شقته واشترى أخرى في حي آخر تجنبًا له.

مرة أخرى حاول صاحبنا التقرب من صيدلانية شابة أخرى كانت صديقة لإحدى أخواته، فذهب إلى مقر عملها، وادعى أنه كان في المبنى لغرض ما، ورغم أن مكتبها تشاركها فيه أخريات إلا أنها كانت وحدها في ذلك الوقت المتأخر من موعد الدوام، وجلس يتكلم معها، ورحبت به باعتبار أنه أخو صديقتها، ثم عندما تجرأ وفاتحها في الزواج في الزيارة التالية ورفضته بأدب واعتذرت له على أن ظن أنها فهمت رغبته في الزواج منها كما ظن موافقتها عليه، لم يقتنع وبقي يردد أنه متأكد أنها فهمت رغبته في الزواج ووافقت! ولا زال يحوم حولها من آنٍ لآخر رغم مرور سنوات، وتذمر أشد التذمر عندما حاولت إحدى صديقات المرحومة والدته تشجيعه على الزواج من فتاة أكثر تناسبًا معه.

ولعل من أصعب حالات الشخصيات السيكوباتية التي رأيتها حالة لرجل لعله جاوز الخمسين ومطلق ولديه ابن، حاصل على شهادة عليا –أو هكذا يقول-، وهي في زماننا هذا ليست علامة على الثقافة والعلم بأي حال، وحديثه يدل على ضحالة فكره وسذاجته. وهو لا يعمل بشهادته، فلدى هذا الرجل محل بسيط يتاجر فيه، ومع ذلك يصر أن يصف نفسه بأنه رجل أعمال!

ورجل الأعمال المُدعى هذا منذ سنوات يقنع نفسه بأن إحدى المتفوقات علميًا -ممن تربطه بها قرابة بعيدة، ولعلهما يلتقيان في الجد العشرين- قد توافق على الزواج منه، رغم أنه كلما فاتحها رفضته بحزم وجزم، ولكنه كصاحبه السابق يصر على أنه لم يفهم خطأ وأنها كانت موافقة، ودليله أنها كانت قد وضعته في مجموعتها البريدية على بريدها الالكتروني والتي تضم مئة شخص! كما دعته إلى اجتماع عام كان عدد المدعوين له بالمئات، ولكنه يرى أنها بلا شك قد غيرت رأيها لسبب ما! والحقيقة أن الجدير بالبحث هو أن يفهمنا ما الذي يجعل مثلها تنظر إلى مثله بعين الاعتبار وهي الأعلى منه في كل خصال المفاضلة التي يعرفها البشر؟!

ولديه من العلامات التي يعتبرها خضراء الكثير ليعاود الدوران حولها من آنٍ لآخر، فأحد أبناء أعمامها قد اتصل به ذات مرة ليعايده في العيد، وكانت تلك إشارة من وجهة نظره ودعوة له للتقدم، وقريب آخر لها تربطه به صلة أدى له خدمة، وهو يحاول أن يتواصل ما أمكنه مع بعض أقاربها وقريباتها بأسباب ملفقة ويعتبر تواصلهم معه تجاوبًا شخصيًا منها! وغيرها من التراهات الكثير، لتجده الفتاة يعاود الاتصال بها أو يرسل لها طلب صداقة أو يضع لها علامات إعجاب على منشوراتها على الفيسبوك، وكلما قامت بعمل حجب (بلوك) عاود الكرّة وحاول التواصل معها من حسابٍ آخر! وأمثال هذا السيكوباتي يذكرني بالقولة الخالدة: "يريد أن يرفع بي خسيسته". ورأيي الشخصي أن شخصًا ذا جلد سميك مثله لن يوقفه عن ملاحقتها غير السب المباشر منها إليه.

إن مشكلة المشاكل في عصرنا أنه ضاغط على كثيرين إلى الدرجة التي تدفعهم إلى رفض الواقع والعيش في الوهم، والشخص العاقل يستفيد من ماضيه ليتعلم من دروسه ويتجنب تكرار أخطائه، ويعرف أين يضع قدميه وماذا لديه وماذا ينقصه، ويضع لنفسه أهدافًا ويخطط لتحقيقها ثم ينفذها وصولًا لها، بينما نجد الفاشلين المتسلقين يتصورون أن بإمكانهم أن يعلوا في المجتمع على أكتاف الآخرين، وما أحقر أن يتصور أشباه الرجال أن بإمكانهم أن يتسلقوا على أكتاف نساء أعلى علمًا وقدرًا، وما أعظم فقهاؤنا حين اشترطوا خصال الكفاءة في الزواج.

كما أن من أعجب ما أراه في مجتمعنا أن هناك من يفتقد الثقة ويشك في كفاءته لامرأة رغم أنه حقيقة كُفْءٌ لها وربما أعلى منها قدرًا، بينما قد يتقدم لها أحد فاقدي الأهلية دون خوف أو خجل، وهو ما يؤكد لي أنه لا علاقة بين درجة الثقة التي لديك وأن يكون لديك ما يدعوك إليها!

الخميس، 23 يوليو 2020

234-أثر اختلاط الجنسين في تميع الأدوار الاجتماعية واضطراب الهوية الجنسية

أثر اختلاط الجنسين في تميع الأدوار الاجتماعية واضطراب الهوية الجنسية
د/ منى زيتون
الخميس 23 يوليو 2020
وعلى المثقف، الجمعة 24 يوليو 2020

لعله مما لا خلاف ولا تباين بشأنه في جميع المجتمعات المعاصرة أن أكبر مؤسستين مسئولتين عن التربية في المجتمع هما المنزل والمدرسة، ولكليهما دور أساسي في تشكل هوية الفرد الجنسية وإكسابه خصائص الدور الاجتماعي المقبول الخاص بجنسه ذكرًا كان أم أنثى.
ومعلوم أن لكل فرد منذ الميلاد نوعًا بيولوجيًا gender يتحدد على أساسه هويته الجنسية، كما أن المجتمعات الإنسانية تضع معاييرًا للسلوك المقبول من الفرد بناءً على ذلك النوع، وهي ما تسمى بالأدوار الاجتماعية. وهذه الأدوار متعلمة فاكتسابها هو نمط من التعلم الاجتماعي، يكتسب فيه الفرد السلوكيات والاتجاهات والميول التي تتطابق مع التوقعات الثقافية في مجتمعه لكل من الذكورة أو الأنوثة.
ويعتبر سلوك الفرد بما يخالف هذه التوقعات غير مقبول اجتماعيًا، وعليه يُوصف الفرد بأن لديه تميع وعدم وضوح للدور الاجتماعي المرتبط بالنوع، وفي الحالات الأكثر حدة قد يصل الأمر حد المعاناة من اضطراب الهوية الجنسية، عندما لا يرتاح الفرد كليًا عند حثه على السلوك بشكل يتوافق مع نوعه البيولوجي.
وفي سلسلة مقالات سابقة عن خصائص التعليمين المنفصل والمختلط، ذكرت أن واحدة من أهم الخصائص التي يتمسك مؤيدو التعليم المختلط به لأجلها هي المساواة في تطور الدور الاجتماعي لدى الجنسين؛ حيث يذكر ريوردان (Riordan,1990,p.45) أن من خصائص التعليم المختلط إعداد الصغار لتمييز أقل في الأدوار الجنسية.
وقد يكون لتقليل التمييز إلى حد ما، وتوسيع النظرة الإنسانية لدى النشء، ميزة في إكساب أفراد كلا الجنسين الاحترام للجنس الآخر، لكن ربما كان لزيادة الاختلاط واتساع حدوده والتعايش لفترات طويلة بين الذكور والإناث آثارًا سلبية، حيث تزيد المساواة بين الجنسين حتى تكاد تضيع الحدود بينهما حتى من حيث المظهر الخارجي، وهو ما يؤكد عليه أنصار التعليم منفصل الجنس كسبب رئيسي لرفض الاختلاط في التعليم.
وفي الآونة الأخيرة – وعلى كثرة الموضوعات المثيرة للجدل في مجتمعاتنا العربية- دار الحديث لفترة عن الشذوذ الجنسي بعد إعلان فنان شهير تحول ابنته جنسيًا لتصير ذكرًا، مصورًا الأمر على أنه محاولة متأخرة لإصلاح خلل فسيولوجي لديها منذ الميلاد، ثم تلا ذلك بفترة وجيزة انتحار واحدة من مشاهير المتحولين جنسيًا في مصر، رغم أنها هاجرت إلى مجتمع غربي يتقبل منها ما نراه شذوذًا في المجتمعات الشرقية.
ولاحظنا في هذا النقاش المجتمعي الذي دار في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي دفاع كثير من الشباب عن الشذوذ واعتباره حرية شخصية، ما يوضح زيادة تقبل الشذوذ الجنسي بين فئات أوسع من المجتمع المصري والمجتمعات العربية، فلم يصبح متقبلًا بين الشواذ جنسيًا فقط كما كان في الماضي القريب!
وهدفي في هذا المقال ليس مناقشة القضية من منظور ديني، فالأمر محسوم دينيًا بالنسبة للمتدينين ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. كما أنني لست معنية بنقاش الموضوع من جهة الفسيولوجيا والهرمونات ونحوها، ولكن الهدف هو البحث من منظور اجتماعي تربوي في سبب رئيسي لهذا التحول الفكري والمفاهيمي لدى فئة من أفراد مجتمعاتنا.
بدايةً، أنا أزعم أن الثقافة الشرقية لا زالت تحتفظ بتصورات تقليدية للأدوار الاجتماعية المقبولة لكلا الجنسين، وذلك على العكس من الثقافة الغربية، ولكني أرى أن هناك عاملًا كان يعمل بخفاء خلال العقود الأخيرة لإحداث التغيير المفاهيمي الذي نراه اليوم. هذا العامل هو انتشار التعليم المختلط في مرحلة المراهقة بين الجيل الجديد من أبناء الطبقات الاجتماعية المترفة على العكس من طبقات المجتمع الأدنى، والتي يُلحق أغلبهم أبناءهم وبناتهم بمدارس حكومية منفصلة. ولا ينتشر التعليم المختلط في المدارس الحكومية إلا في الريف وأقاصي الصعيد، وذلك لأسباب اقتصادية تتعلق بعدم قدرة الحكومة على إنشاء مدرستين منفصلتين للبنين والبنات على حدة. ولكن الاختلاط في تلك البيئات المحافظة يكون اختلاطًا اسميًا فقط، لا تأثير له على أرض الواقع.
 وتعتبر مرحلة المراهقة المرحلة العمرية الأهم في تشكيل السلوك الاجتماعي لدى أفراد المجتمع واكتسابهم الأدوار الاجتماعية المقبولة المرتبطة بالنوع (ذكر/أنثى)، وقد أشار كثير من التربويين في دراسات مقارنة عن بيئة التعليم المختلط والتعليم منفصل الجنس إلى أن الاختلاط قد يؤدي إلى تميع الأدوار الاجتماعية المرتبطة بالنوع، ورفض الأدوار التقليدية المتوارثة عما هو مقبول من الرجال والنساء. وأنا هنا أضيف إلى أنه قد يسهم في إعادة تشكيل الهوية الجنسية والأفكار عنها إلى الدرجة التي قد تخيف بعض الآباء وتجعلهم يدفعون أبناءهم الذكور دفعًا نحو سلوك جنسي مبكر للاطمئنان عليهم! والرجل المصري لا يعبأ بأن يُوصف ابنه بأنه متحرش، وتخوفه الأساسي من أن يكون شاذًا أو يبدي أي سلوك ناعم يجعله في نظره أقرب للفتيات.
ولعلها ليست مصادفة أن أغلب الحالات التي مرت عليّ لإدعاء الفتيان في سن المراهقة علاقات وهمية مع الفتيات لم تنشأ في الأساس بغرض التفاخر أمام الأقران الذكور، بل نشأت بسبب ضغط الأب الذي يريد أن يتأكد من الميول الجنسية لابنه! خاصة إن كان الابن في مدرسة مختلطة، ويتعامل مع زميلاته بلطف ورقي يراه الأب قلة خشونة لا تليق بالذكور فيبدأ تخوفه وفتح حوارات مع الابن عن زميلاته الفتيات وطبيعة علاقته بهن، ويشجعه على التودد إليهن بما يتنافى مع حدود الزمالة، ما قد يلجئ الصبي إلى الإدعاءات التي قد تتحول إلى حالة مرضية مستدامة بعد ذلك!
بل لقد ظهرت بعض الحالات الفردية في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة لتحرش أطفال صغار في الصفوف الابتدائية الأولى وأحيانًا في رياض الأطفال بزميلاتهن، وكان للأب أيضًا دوره في تشجيع الطفل على تقبيل زميلته، ولا زلنا نذكر دفاع الأب عن سلوك طفله المعيب بأن لابنه أن يفعل ما يحلو له، "واللي عنده معزة يربطها"!
وبعيدًا عن التحرش فقد رأيت من الآباء من لا يهتم بأن يصدر عن ابنه الذكر سلوك مشين يدل على سوء تربية لأن هكذا يكون الرجال من وجهة نظره! ونراه يرد على من ينتقد أسلوبه التربوي بأن ابني ليس مخنثًا! وبعضهم يصطحب أبنائه الذكور إلى المقاهي الشعبية ليجلس وسط الرجال ويقلدهم، مع الأخذ في الاعتبار نوعية الحوارات والألفاظ التي يستخدمونها!
وعلى النقيض فهناك من الآباء من لا يقوم بدوره في تنشئة أبنائه، ويترك الأمر برُمته لزوجته لانشغاله الدائم في عمله أو لعدم تحمله للمسئولية، ولافتقاد دور الأب أثره السلبي على كل من البنين والبنات، فالابن ينشأ بين أمه وصاحباتها ولا يكاد يرى نماذج ذكرية ليقلد سلوكها ويكتسب الدور الاجتماعي الملائم لنوعه، والابنة إما أن تنشأ بالغة الضعف أو على العكس قد تفتقد الشعور بالأمان ما يجعلها تشعر بضرورة تعويض دور الأب بأن تكون قوية لتحمي نفسها. والأم من جهتها قد تكون سببًا في شعور الفتاة باحتقار نوعها البيولوجي –وكذلك قد يفعل الأب-، كما قد تدلل الابن إلى الدرجة التي تمنعه من تحمل المسئولية والقيام بتبعات الدور الاجتماعي الذكري.
وأمثال هذه الممارسات المتناقضة من الآباء هي التطرف والتطرف المضاد، وما زاد عن حده قد ينقلب إلى ضده.
والأمر لا يقتصر على الآباء في المنزل، فللمدرسة دورها في إحداث هذا العبث، ولكن بدرجات تتفاوت بين الجنسين، ولقد كان ملحوظًا في بعض الدراسات لدى الباحثين التربويين أن المعلمين في البيئات التعليمية المختلطة يتدخلون بشدة لمنع الذكور من الخروج عن أدوارهم الاجتماعية التقليدية، ولكن الأمر ليس بهذه الصرامة بالنسبة للإناث، فكثيرًا ما يكون هناك تشجيع لهن على اكتساب بعض من الأدوار الاجتماعية الذكرية لتكون الأنثى قوية وتستطيع مواجهة تحديات المجتمع المعاصر؛ ما قد يزيد لديهن بعض الخصائص النفسية المرتبطة بالذكورة كالقوة والاستقلال والتمرد على أي امتهان، وهي تغيرات سلوكية إيجابية ما لم تزد عن حدها وتؤدي لابتعاد الفتاة ورفضها التام لجميع خصائص الدور الاجتماعي الأنثوي التقليدي. ورغم أن هذا التغير السلوكي في صورته المعتدلة يتناغم مع طبيعة البشر السوية، فإنه لا يمنع من التعرض لانتقادات اجتماعية، مع تجاهل تام للأسباب التي أجبرت النساء على هذه الاستقلالية وإظهار القوة وأن تصبح strong independent woman!
ومن وجهة النظر النفسية فهناك اتجاه لاعتبار أن الذكورة والأنوثة النفسية –وليست البيولوجية- هي أكثر تعقيدًا وتداخلًا مع بعضها البعض، كما أنها أقل تحديدًا وتمايزًا مما كان الأمر عليه في الأجيال السابقة.
ولكن تميع الأدوار الاجتماعية المرتبطة بالنوع البيولوجي ليس بالأثر شديد الخطورة مقارنة بالشذوذ الجنسي الذي يتعارض مع الطبيعة التي فطر الله الناس عليها. ويبقى الأثر الأكثر أهمية والأشد خطورة للتغير في التنشئة الاجتماعية في العقود الأخيرة الناشيء عن انتشار الاختلاط في التعليم هو أن التمييز الجنسي بين الذكور والإناث في البيئات المدرسية المختلطة، قد يعد دافعًا من دوافع بعض الفتيات للتحول الجنسي في الشرق والغرب. وهذا الأثر للبيئة المدرسية أقوى من أثر إشعار الفتيات بالدونية وربما عدم الرغبة فيهن، والذي كان يحدث في عصور سابقة على نطاق ضيق في المنازل.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر –ورغم أن هذا الأمر لا علاقة له بالاختلاط بين الجنسين- فالتحرش الجنسي بالبنين يزيد في المدارس المنفصلة للبنين، وفي بعض الأحيان تتكون ثلة أشبه بالعصابة قد تجتمع لمضايقة والتنمر والتحرش بالبنين الأصغر عمرًا والأكثر ضعفًا بالمدرسة، في غياب رقابة المعلمين والإدارة المدرسية. والتحرش الجنسي بالولد ومناداته باسم أنثى ومعاملته على أنه فتاة هو ضربة البداية في خلق اضطراب الهوية الجنسية لديه، وتحويله إلى شاذ جنسيًا.

وبناءً عليه أرى أن المجتمعات -الشرقية تحديدًا- بحاجة لإعادة النظر في بعض الممارسات التربوية في المدرسة والمنزل، والتي ترتبط بتميع الأدوار الاجتماعية واضطرابات الهوية الجنسية، وإجمالًا يجب إحلال المدارس المشتركة ذات الفصول المنفصلة كبديل للمدارس المختلطة، بحيث تكون الدراسة في فصول منفصلة للجنسين، مع الحرص على مشاركة جميع تلاميذ وتلميذات المدرسة في الأنشطة المدرسية في جماعات مختلطة؛ لتوفير بيئة مدرسية واحدة تدعم نمو المهارات الاجتماعية والثقة بالنفس لدى التلاميذ والتلميذات، كما أن علينا أن نخفف -كآباء ومعلمين- من الممارسات التي تشعر بعض الفتيات بأنهن جنس أدنى من الذكور، وأن نتفهم أن حُسن تربية الذكور لا يتعارض مع تنشئتهم كرجال، بل هو عين الرجولة والالتزام.


الجمعة، 17 يوليو 2020

233-اضطراب الشخصية المتعدد كحل سياسي!


اضطراب الشخصية المتعدد كحل سياسي!
د/ منى زيتون
الجمعة 17 يوليو 2020

من أشهر الأفلام في السينما المصرية في ستينات القرن الماضي، فيلم يحمل اسم "عفريت مراتي"، تدور أحداثه في قالب كوميدي؛ حيث يعاني زوج من تقمص زوجته لشخصيات حقيقية مختلفة، تتعرف عليها الزوجة من خلال مشاهدة الأفلام السينمائية في السينما المجاورة للمنزل كل ليلة، فتارة تتقمص دور السفاحة "ريا" وتكاد تخنق أخته، وتارة أخرى تتقمص دور "إيرما الغانية" وتفضحه أمام مديره وزملائه في العمل حين تتعامل كغانية تتراقص وتغني بخلاعة أمامهم، وغيرها من أدوار. وكانت الزوجة تفيق بعد كل حالة تقمص ناسية تمامًا كل ما حدث منها في الليلة السابقة.
وفي أحد أفلام إسماعيل يس دخل مستشفى المجانين، وتحديدًا "عنبر العقلاء" كما كان مسماهم، وتعرف في حوار غنائي ضاحك على نوعية المجانين فيه، والذين كان كل منهم يتقمص شخصية تاريخية واحدة، تطغى على شخصيته الحقيقية التي يرفضها تمامًا، كما يرفض الانخلاع من الشخصية المتقمصة.
وقد يظن أغلب الناس إن هذه الحبكات السينمائية لا أساس لها في الواقع، ولكن على العكس من ذلك -فرغم الكوميديا والمبالغات في الأفلام السابق ذكرها وغيرها- هناك بالفعل أشخاص يعانون من اضطراب عقلي يؤدي بهم إلى تقمص شخصيات، غالبًا ما تكون حقيقية. ويُعرف هذا الاضطراب باسم "اضطراب الشخصية المتعدد" (Multiple Personality Disorder).
وقد يكون الفرد على وعي بتقمصه وتحولاته الشخصية، وقد يكون غير واعي تمامًا، ولدى أغلب الحالات المرضية بهذا الاضطراب توجد شخصيتان مستقلتان تمامًا يتحول الفرد بينهما، ولكن قد يصل العدد إلى عشر شخصيات. وهذا الاضطراب ينتشر بنسبة أكبر بكثير في الإناث عنه في الذكور، لأنه يُستخدم غالبًا كميكانيزم دفاعي للهرب من ضغوط الواقع.
وفي حال عدم الوعي والانفصال التام تكون لكل شخصية متقمصة خصائص –من حيث العمر والعرق والجنس- وطريقة تواصل تختلف عن الشخصية الأخرى، كما وقد تكون لها ذكريات لا يتذكرها الفرد إلا عندما يتقمصها، وينساها حين يشرد ويتحول إلى الشخصية الثانية. بالرغم من ذلك فعادة تكون الشخصية مدركة لوجود الشخصية الأخرى تتبادلان لتخفيف الضغط الواقع على الفرد!
وقد تكون الشخصية التي يتم تقمصها شخصية حقيقية كأبيه أو أحد مشاهير العالم الأحياء أو الأموات، فيقلد سلوكها ويحاول إعادة تاريخها، كما قد تكون شخصية خيالية، تمثل ذاته التي كان يرغب فيها ويتمنى أن يكونها. وفي بعض الحالات المرضية الشديدة قد يتقمص الفرد شخصية حيوان حقيقي أو أسطوري!
وقد يلاحظ المحيطون بالفرد شروده وتقمصه في شخصية أخرى يدرك ويفكر في العالم من خلالها، وقد لا يلاحظون عندما يحرص الفرد على أن ينعزل عندما يستشعر رغبته في الهرب إلى شخصية غير شخصيته الحقيقية.
وتتفاوت أعراض الحالة، وهناك تصور لدى بعض علماء النفس والأطباء النفسيين بأن كل البشر لديهم درجة من الشرود الواعي الذي يحدث لفترات قصيرة يتخيلون بها أنفسهم في شخصية أخرى، وذلك عندما تتزايد عليهم ضغوط الحياة، ولا يصنف العلماء تلك الأعراض البسيطة كحالات مرضية لاضطراب الشخصية؛ كونها لا تتداخل مع الشخصية الحقيقية للفرد في حياته الشخصية والمهنية ولا تسبب له المشاكل. وبعض الناس يوجه رغبته في التقمص تلك توجيهًا إيجابيًا فنيًا بدلًا من أن تتمكن منه وتسبب اضطرابًا يمس شخصيته الحقيقية، ومن هنا نشأ فن التمثيل.
والنظرية السائدة عن نشأة هذا الاضطراب كحالة مرضية هو أنه غالبًا يبدأ في مرحلة الطفولة عند تكرار الإيذاء النفسي والجسدي الحاد للطفل، مع عدم وجود أي شخص كبير يدافع عن الطفل ويمنع عنه الإساءة، فيلجأ الطفل إلى الانفصال عن نفسه وذكرياته المؤلمة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن لعب الأطفال بالعرائس والحيوانات وخيالاتهم أثناء هذا اللعب ليست هي اضطراب الشخصية المتعدد.
وقد تتأخر حالات الإيذاء المتكررة أو العنيفة الصادمة التي تأتي الفرد من البيئة الاجتماعية القريبة لمرحلة المراهقة، وطالما لم يجد المراهق الدعم فغالبًا سيبدأ اضطراب الشخصية المتعدد في الحدوث، فيلجأ لخلق عالمه الخاص المنعزل وشخصيته/شخصياته المتخيلة التي تستطيع مواجهة الواقع الذي تعجز شخصيته الحقيقية عن مواجهته. كما تزداد في مرحلة المراهقة النمذجة الاجتماعية وتأثر المراهقين بشخصية معينة أو بعض الشخصيات، ما قد يؤدي في بعض الأحيان إلى نشأة الاضطراب، ولكن يلزمنا التمييز بين تمثل النموذج وتشرب سلوكه ليصبح السلوك الدائم للفرد، وبين أن يحدث الشرود والتقمص لتلك الشخصية أو بعض سماتها في أوقات الأزمات عندما ينعزل وينفصل الفرد عن الواقع كمحاولة لتخفيف العبء النفسي.
ويمكن القول باختصار إن الإنسان -خاصة في طفولته المبكرة أو مراهقته- كثيرًا ما يصعب عليه مواجهة ذكرياته المؤلمة التي تذكره بالمواقف الصادمة، فيلجأ إلى الهرب منها، وقد يتسبب ذلك في نشأة اضطراب الشخصية المتعدد.
وعادة يكون فقد الذاكرة الجزئي أهم الأعراض التي تصاحب هذا الاضطراب، وغالبًا يكون من أعراضه أيضًا ثورات الغضب الشديدة لدى الفرد، والكذب المرضي غير الواعي، وتخيل النفس في مكانة اجتماعية وبيئة أخرى، وأحيانًا يصل الاضطراب إلى رفض صورة الجسد، فلا يتعرف الفرد على نفسه في المرآة، وليس بالضرورة أن توجد هلاوس سمعية أو بصرية تصاحب هذا الاضطراب.

حاليًا معنا عمر المختار، وربما أيضًا جمال عبد الناصر!
منذ عرفنا الرئيس السيسي كان من الواضح أن هناك شخصيتين رئيسيتين يتبادل تقمصهما، وهما شخصية الخديو إسماعيل، وشخصية الرئيس السادات.
بدأ حكمه بشق تفريعة لقناة السويس تكلفت مليارات، أوهم المصريين أنها ستكون فاتحة خير اقتصاديًا عليهم، ولكن كان من الواضح أنه يحاكي شق الخديو إسماعيل لقناة السويس الأولى، ولم ينس أن يقيم حفلًا كبيرًا يدعو إليه رئيس فرنسا فيمن دعا، وكما فعل إسماعيل فأفرط في الاستدانة بدعوى بناء مصر الحديثة، لا ينفك أخونا يقترض ويقترض ثم يعود فيقترض، معرضًا مستقبل مصر لأعظم الخطر.
وفي حفل افتتاح تفريعته أصر على أن يبحر وسطها في مشهد يحاكي إعادة افتتاح الرئيس السادات لقناة السويس عام 1975 بعد تطهيرها من ألغام ومخلفات الحرب، وكما كان الرئيس السادات يحرص على الظهور بمظهر الرئيس الرياضي، فالسيسي مغرم بتكوين الصورة ذاتها عن نفسه، ولكنه يحب ركوب الدراجات.
وكل هذا يهون، لكن الأدهى إصراره العجيب على الدخول في مفاوضات لا تلزمه والتوقيع على اتفاقية سد النهضة عام 2015 رغم نصيحة جميع المستشارين والخبراء له ألا يفعل، قائلين إن المشروع سيبقى معلقًا ولن يجد تمويلًا إن لم يوقع، وظننا وقتها أنه يُوقِّع بحثًا عن الاعتراف به كرئيس لمصر بعد تعليق الاتحاد الإفريقي لعضوية مصر بعد 3 يوليو 2013، ولكنني عندما أعدت تحليل الموقف وسط المستجدات الأخيرة، ومراجعة بعض سقطات لسانه، خالجني شك قوي أن إصراره العجيب على التفاوض الذي لا يلزمه، وتصوره أنه حقق نصرًا بتوقيع الاتفاقية التي أضاعت حقوقنا، وفرحته غير المبررة يومها، كان تشبهًا منه بالسادات في مفاوضات كامب ديفيد، وما أبعده عن السادات، فالسادات –سواء اتفقنا أو اختلفنا معه- كان ثعلبًا، أعاد سيناء وأعطاهم ورقة! وحتى قريب كان السيسي يتحدث طالبًا أن نثق به مصورًا لنا أن الأيام ستثبت حنكته وبعد نظره، مثلما كان السادات يؤكد على الشعب بعد كامب ديفيد، ولما تأزم الأمر حاول إدخال الرئيس الأمريكي كوسيط، وربما يظن ترامب كارتر!
ومعروف أن الضغوط عندما تلاحق إحدى الشخصيات لدى المصاب باضطراب الشخصية المتعدد، يتم استدعاء الشخصية الأخرى القادرة على تخفيف الضغط الراهن عن النفس، ولكن عندما تكون الشخصية الثانية أيضًا غير قادرة على مواجهة الضغوط يلزم الفرد الهروب إلى شخصية ثالثة جديدة لتعطي رد الفعل الذي يجنبه الضغط النفسي.
فلأن كل المساعي الدبلوماسية لإصلاح ما أفسده في ملف سد النهضة قد باءت بالفشل، فهو يستعد للهروب إلى شخصية جديدة هيأت لها الظروف أن تظهر، بعد محاولات التدخل التركي في ليبيا، وهزيمة حليفه خليفة حفتر. السيسي الآن يستدعي شخصية شيخ المجاهدين عمر المختار بعد أن قرر التدخل في ليبيا لتخطي أزمته النفسية. شعرت بذلك منذ أُذيعت أغنية الفنانة أصالة الجديدة "الحب والسلام"، والتي تُوضع فيها صورته في الخلفية بجانب صورة المختار، وحديثه المتواصل واتصالاته المكثفة بشأن ليبيا في الوقت الذي يلزم فيه توجيه كافة الجهود إلى الملف الإثيوبي، وتأكد ظني حد اليقين بعد اجتماعه أمس الخميس مع وفد القبائل الليبية، وإجلاسه من قيل إنه حفيد عمر المختار إلى جانبه. حاليًا معنا عمر المختار!
كما أن قراراته الأخيرة المتفرقة بشأن مخالفات البناء ونزع الملكيات الخاصة، وقرارات قبلها بسنوات خصت ملكيات الإخوان تحديدًا، تذكرنا بدرجة ما بجمال عبد الناصر، وبخصوص الشأن الليبي فما أشبه اليوم بالبارحة، فإن كان السيسي يستضيف ويستقبل حاليًا وفد قبائل ليبيا قبل التدخل العسكري في ليبيا، فلا زال التاريخ يذكر لعبد الناصر اجتماعه بوفد قبائل اليمن ليعطوه تفويضًا بالتدخل العسكري في اليمن.

ولا ندري كم شخصية تاريخية سيتقمصها السيسي لتخرجه من ورطاته وعثراته المتلاحقة سياسيًا واقتصاديًا!

الخميس، 9 يوليو 2020

232-وفي نفوس البشر لا يمتنع اجتماع متناقضين!


وفي نفوس البشر لا يمتنع اجتماع متناقضين!
د/ منى زيتون
الخميس 9 يوليو 2020
وعلى المثقف الجمعة 10 يوليو 2020

لعل أفضل ما توصف به النفس البشرية أنها معقدة، ويصعب فهمها، حتى أنه يجب التعامل مع كل نفس وكل موقف كحالة بذاتها، وهناك انفعالات متعاكسة قد توجد داخل النفس الواحدة تجاه الشخص أو الشيء ذاته! وفي نفوس البشر لا يمتنع اجتماع متناقضين!
من ذلك أنه كثيرًا ما تقابلني حالات يأتي فيها أحد الطرفين الرئيسيين في المشكلة المطروحة بسلوكيات من الواضح تمامًا أنها تضر بالطرف الآخر رغم حبه له، ورغم قرابته اللصيقة به.
قد يُفسر الأمر في البداية على أنه قلة وعي وإدراك، وأن هذا الطرف كالدُبة التي قتلت صاحبها –كما يُقال في الأمثال-، ولكن تتكرر السلوكيات ذاتها منه مهما تم تنبيهه إليها أو تحدث منه سلوكيات أخرى في مواقف غيرها تؤكد أنه وإن كان هناك حب فهناك بغض أيضًا ورغبة في إلحاق الأذى.
وقد يكون الإنسان واعيًا برغبة إلحاق الأذى هذه داخله، وقد تكون دفينة في عقله اللاواعي.
وفي أغلب الحالات قد يكون السبب في تلك الرغبة الحقد والحسد من الطرف المؤذي للطرف الآخر، أو قد يكون رغبة منه في الانتقام لأجل أذى سابق يرى الطرف المؤذي أن الطرف الأول قد ألحقه به، وقد لا تكون حقيقة الأمر على هذا النحو أو ربما آذاه الأول بالفعل دون أن يشعر!
ويتضح الأمر دائمًا بذكر المثال، فعندما يكون السبب هو الحقد والحسد قد نجد أخًا يؤذي أخاه الذي يحبه ويحاول الحط من شأنه أمام الناس لأنه نال من التعليم حظًا أوفر منه أو لأنه جنى من المال ما أغناه وكفاه ورفع شأنه في المجتمع، أو لأنه تبوأ منصبًا رفيعًا في الدولة، وقد يحدث هذا رغم أن الأخ الذي استغنى يترفق بأخيه ويساعده ما أمكنه، كما أنه لا دخل له بقلة حظ أخيه الحاسد من الدنيا.
وقد يكون الدافع لإلحاق الأذى هو الرغبة في الانتقام؛ من ذلك أن نجد أختًا –رغم حبها لأخيها- تلدغه كالعقربة من وقت لآخر وتفسد عليه شئونه وتكاد تتسبب في خراب بيته، لأنها لا زالت ناقمة عليه لأنه منذ حوالي نصف قرن تسبب في حرمانها من استكمال تعليمها والذي كان منتهى أملها، وذلك كعادة الأهل في التعامل مع البنات في ذلك العصر؛ حيث كان يتم التعجيل بزواجهن، ويُسفه من يسمح لبناته وأخواته بالخروج يوميًا للدراسة، ولمّا تغير الزمان صار هذا الأخ أحرص الناس على تعليم بناته، حتى أنه سمح لإحداهن بالاغتراب في محافظة أخرى لدخول إحدى كليات القمة. ورغم تطاول السنين تبدو الغصة باقية في نفس أخته حتى الساعة.
وقد نجد ابنة رغم إدعاء حبها لأبيها وحرصها على مصالحه تفسد عليه نجاحاته وعلاقاته بالآخرين، وتتلاعب بعقله لحد قد يفقده ثقته في كل البشر عداها، والسبب أنه كان السبب في طلاقها وحرمانها من هنائها مع زوجها، بسبب خلافات نشبت بينه وبين طليقها، لرفض الأب استغلال نفوذه لأجل تمكين طليقها من تحقيق مكاسب مالية كبيرة، فبقيت الابنة ناقمة على أبيها، وتسبب له المتاعب المتلاحقة، وكأنها أقسمت منذ لحظة طلاقها ألا تذيقه الراحة.
وهناك أسباب أخرى غير هذين السببين الرئيسيين، منها التوحد مع من تحب ورؤية نفسك فيه، إلى الدرجة التي تريده ألا يخرج من جلبابك، حتى ولو إلى جلباب أفضل. مرت علي حالة كانت الأم فيها تحاول قدر المستطاع إفساد العلاقة بين ابنتها العروس وزوجها، ولم يكن التفسير صعبًا لأنها أغنتني عن عياء البحث، وقالت بلسانها إن أمها قد طلقتها من زوجها الأول وهي عروس، وهي تعلم أن حظ ابنتها لا شك سيكون مماثلًا لحظها! وكان العلاج في فصم هذا التطابق والتناسخ المتوهم في عقلها.
وفي بعض الأحيان تتكون الرغبة في إلحاق الأذى في نفس الشخص السيء فقط عندما تتعارض مصلحته مع مصلحة من يدعي حبه، وهذا من وجهة نظري هو أكبر اختبار للحب، فالمحب الحقيقي لا يُقدم مصلحته على مصلحة من يحبه.
فهل توافق على أن يسعد أبوك أو أمك بزواج من شخص مناسب أم ترفض وتعمل على إحداث الوقيعة والإفساد بين الطرفين لأنك تنظر للمستقبل، وتخشى على نقص نصيبك من مال ميراث تتوقعه بعد سنوات، ولا يعلم الغيب إلا الله، والله أعلم من سيدفن من؟ وكم مات من صغيرٍ وكم عُمِّر من مُعمِّر!
والنصيحة التي تصلح لأي إنسان أن لا تثق فيمن لا يستحق الثقة، وأسس ثقتك في الناس على أساس عقلي وليس على أساس انفعالي عاطفي، وحاول فهم دوافعهم. راجع تقييمك للناس من حولك على أساس ما يظهرونه من سلوكيات نحوك، فالمواقف وما تظهره أصدق مما يقولونه بألسنتهم؛ وبعض الناس يظهرون المودة بينما هم يسعون لتدمير نجاحك وتدمير سمعتك وتدمير أسرتك وربما تدميرك صحيًا!

السبت، 6 يونيو 2020

231-فيرس كورونا.. تعافي أم خلق موجة جديدة؟


فيرس كورونا.. تعافي أم خلق موجة جديدة؟
د/ منى زيتون
السبت 6 يونيو 2020

في يوم الخميس الرابع من يونيو/حزيران 2020، صرّح رئيس اللجنة العلمية لمكافحة فيرس كورونا في مصر بأن "خطورة فيرس كورونا المستجد قد قلت، لكن سرعة انتشاره زادت".
ولم يكن تصريحًا جديدًا كليًا على أي حال، فمنذ شهر والعلماء والأطباء حول العالم يسجلون ملاحظاتهم عن ضعف الفيرس وقلة شراسته من خلال ضعف الأعراض وقلة أعداد الحالات الحرجة، رغم الزيادة الظاهرية في الأعداد الكلية للمصابين في بعض الدول بسبب زيادة عدد المسحات التشخيصية التي تُجرى لمخالطي المرضى وغيرهم، وفي دول كثيرة قلت أعداد الإصابات إجمالًا، وعدد الوفيات الإجمالي حول العالم في تراجع كبير، وأغلبها لحالات قديمة مر عليها أشهر وكانت تعافر مع المرض حتى هزمها في النهاية. وما زاد من الآمال في سرعة التعافي نجاح علاج حالات كورونا الحرجة بالبلازما والذي أدى لزيادة نسب الشفاء.
ووفقًا للمصادر الطبية فإن أغلب الحالات المعزولة الآن في مصر وفي جميع دول العالم من ذوي الإصابات والأعراض البسيطة، وبعضهم إيجابي للفيرس دون ظهور أي أعراض.
والفئة الوحيدة حاليًا التي يحتمل أن تُصاب بأعراض شديدة للفيرس في حال إصابتهم هم الأطباء والممرضون لأنهم مخالطون لأعداد كبيرة من المرضى، ومعرضون لأنواع مختلفة من الميكروبات وبكميات كبيرة، وهذا يشتت ويضعف الجهاز المناعي.

حبة البركة والهيدروكسي كلوروكين
نشرت المجلة الأمريكية للسموم والعقاقير الطبية والمجلة الماليزية للعلوم الطبية للعام 2007 نتائج دراستين عن فعالية الحبة السوداء ضد الطفيل المسبب لمرض الملاريا، حيث أظهرت النتائج التي أُجريت على الفئران في المختبر فعالية قوية للحبة السوداء في الوقاية والعلاج من الملاريا.

Abdulelah HAA & Zainal-Abidin BAH. In vivo anti-malarial tests of Nigella sativa (black seed) different extracts. American Journal of Pharmacology and Toxicology 2007 2 (2): 46-50,. 28.
Abdulelah HAA & Zainal-Abidin BAH. Curative and prophylactic anti-malarial activities of Nigella sativa (black seed) in mice. The Malaysian Journal of Medical Sciences 2007 14: 209
وقد ثبت بعد ذلك أن الحبة السوداء تحتوي على الهيدروكسي كلوروكين، وهي المادة الفعالة التي كان لها الأثر في وقاية وعلاج فئران التجارب من الملاريا.

ومنذ بدأت أزمة فيرس كورونا المستجد، اجتمعت اللجان العلمية في دول العالم لوضع البروتوكولات العلاجية للمرض، وبإشراف منظمة الصحة العالمية، وكان دواء علاج الملاريا المحتوي على مادة الهيدروكسي كلوروكين ضمن الأدوية التي دخلت في بروتوكولات علاج أعراض الإصابة بفيرس كورونا المستجد في أغلب دول العالم.
وقد أشادت لجان علمية في دول عديدة بفعالية الدواء في علاج حالات الإصابة بفيرس كورونا، وإضافة لذلك فقد أضاف رخص ثمنه إليه ميزة أخرى؛ إذ جعل هناك إمكانية لاستخدامه في بروتوكولات العلاج حتى في أكثر البلدان فقرًا، ما أدى لاستمرار استخدامه منذ بدأت الجائحة، رغم محاولات مضادة أرادت التشكيك فيه، أهمها إصدار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحذيرًا في مارس الماضي من استخدام العقار تخوفًا من تقارير نسبت للعقار تسببه في مشاكل في القلب لدى بعض المرضى.
لكن الدواء اكتسب سمعة عالمية منذ أبريل الماضي، بعد أن أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا على أنه العلاج الناجح للمرض، ثم ذكر في أحد مؤتمراته أنه يأخذه كوقاية من المرض ونصح به الجماهير، فزادت أعداد الوصفات الطبية التي أوصت بصرف الدواء في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يكن موقف ترامب متفقًا مع موقف رجال إدارته عامة، الذين بدا أن لهم رأيًا معاكسًا عن الدواء، خاصة د.فاوتشي، الذي طالته أصابع الاتهام بأنه يقف وراء تمويل تخليق الفيرس المستجد في مختبرات الصين.
وكذلك ظهر الرئيس البرازيلي جائير بولسونارو في مقطع فيديو يشيد بعقار الهيدروكسي كلوروكين، والعجيب أن إدارة موقع الفيسبوك رأت في المقطع انتهاكًا لقواعد النشر، وقامت بحذفه!

دراسة مجلة لانست The Lancet المريبة!
وفي أواخر مايو 2020 نُشرت دراسة على مجلة لانست The Lancet الطبية الشهيرة تدعي أن استخدام عقار الهيدروكسي كلوروكين في علاج المصابين بفيرس كورونا يزيد من احتمال تعرّض المرضى لاضطرابات قلبية وحدوث الوفاة.
واستندت منظمة الصحة العالمية إلى نتائج تلك الدراسة فأعلنت عن تعليق الاختبارات التي كانت تجريها حول فعالية العقار في علاج مرض كوفيد-19. وأصدرت تحذيرًا بشأن العقار، ما أدى لاستجابة بعض الدول ورفع العقار من بروتوكول علاج المصابين بالفيرس، ومن أهم تلك الدول السعودية، والتي كانت نسبة التشافي قد ارتفعت لديهم، وصدرت مراسيم للتخفيف من حالة الحظر المفروضة.
وفي دول أخرى كمصر والجزائر انعقدت اللجنة العلمية في وزارة الصحة في كل بلد، المشرفة على وضع بروتوكول العلاج ضد فيرس كورونا، وناقشت الإحصائيات داخل الدولة عن الحالة الصحية لمن تعاطوا عقار الهيدروكسي كلوروكين، وأقرت تلك اللجان باستمراره لفعاليته، ويبدو أنه كان قرارًا صائبًا لأنه بمقارنة الحال مع السعودية التي كانت قد حذفت الهيدروكسي كلوروكين من بروتوكول علاج كورونا طوال الأسبوع الماضي بعد توصية منظمة الصحة العالمية باستبعاده، فقد زادت أعداد الحالات الحرجة عندهم 3 أضعاف خلال الأسبوع!
وبعد حوالي أسبوع من نشر الدراسة تم سحبها من الموقع الطبي يوم الخميس 4 يونيو/حزيران 2020، لأن شركة سيرجيسفير التي تقف وراء بيانات الدراسة لم تسمح بعمل مراجعة لتلك البيانات، وبسبب المخاوف التي ظهرت بشأن دقة البيانات، فقد طلب ثلاثة من الباحثين القائمين بالدراسة سحبها، وتم نشر ذلك على موقع المجلة الطبية.
Retraction: "Hydroxychloroquine or chloroquine with or without a macrolide for treatment of COVID-19: a multinational registry analysis"
Today, three of the authors of the paper, "Hydroxychloroquine or chloroquine with or without a macrolide for treatment of COVID-19: a multinational registry analysis", have retracted their study. They were unable to complete an independent audit of the data underpinning their analysis. As a result, they have concluded that they "can no longer vouch for the veracity of the primary data sources." The Lancet takes issues of scientific integrity extremely seriously, and there are many outstanding questions about Surgisphere and the data that were allegedly included in this study. Following guidelines from the Committee on Publication Ethics (COPE) and International Committee of Medical Journal Editors (ICMJE), institutional reviews of Surgisphere’s research collaborations are urgently needed.
The retraction notice is published today, June 4, 2020. The article will be updated to reflect this retraction shortly.


وعلى إثر التشكيك في البيانات التي قامت عليها الدراسة تراجعت منظمة الصحة العالمية عن تحذيراتها بشأن استخدام الهيدروكسي كلوروكين في التداوي من الأعراض التي يسببها فيرس كورونا المستجد، قبل سحب الدراسة بيوم، وتحديدًا في يوم الأربعاء 3 يونيو 2020، وتم إعادة إدراج العقار في بروتوكولات علاج أعراض فيرس كورونا المستجد بعض الدول. وأعادت السعودية الهيدروكسي كلوروكين لبروتوكولها العلاجي.
وبمنتهى الأمانة فقد تشككت في توصية منظمة الصحة العالمية التي صدرت للتحذير بشأن استخدام عقار الهيدروكسي كلوروكين، فالتحذير كان قويًا وعامًا، ويرغب في استبعاد العقار تمامًا من بروتوكولات العلاج، وليس أخذ الحيطة عند استخدامه مع من لديهم مشاكل في القلب، والعالم لم ينس بعد عدم توصية المنظمة باستخدام أدوية مضادات تخثر الدم في بروتوكولات العلاج عند الضرورة، للتغلب على الجلطات الصغيرة التي يكونها الفيرس في الرئة لدى مرضى الالتهاب الرئوي الناجم عن مرض كوفيد-19، تلك التوصية التي لو تمت فربما كان قد تشافى المئات من المرضى خاصة في إيطاليا، والذين وُضعوا على أجهزة التنفس الصناعي لمساعدة الرئة على التنفس، بينما كان يلزم ببساطة إذابة الجلطات لمساعدة الرئة على التنفس، ولم توصِ منظمة الصحة العالمية باستخدام مسيلات الدم إلا متأخرًا، وتحديدًا يوم 27 مايو في منشور على صفحتها على موقع تويتر! أما هذه المرة فقد حذرت المنظمة وأوصت بإيقاف أحد أكثر الأدوية فعالية في علاج الفيرس، ولأول مرة أستشعر صدق دونالد ترامب وهو يخاطب شعبه وينصحهم بالعقار بينما د.فاوتشي يحاول منعه!
وسؤالي هو: لماذا هذه الحرب على عقار الهيدروكسي كلوروكين؟ هل لأنه رخيص ويمكن للفقراء أن تعالج به؟ أم لأن هذه المادة الفعالة توجد في حبة البركة التي يتداوى بها المسلمون ويمكنهم أن يستخدموها في حال نقص الأقراص الدوائية؟

فيرس كورونا مصنوع وليس طبيعيًا
جاء هذا التشكيك الذي لم يكن ينقص منظمة الصحة العالمية في وقت تتزايد فيه الشكوك بأن فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض كوفيد-19 هو صنيعة المختبرات ويستحيل أن يكون فيروسًا طبيعيًا.
زادت هذه الشكوك حتى لدى العلماء غير الرافضين لنظرية التطور، والقائلين بأن مصدر الفيروسات الجديدة التي ظهرت تباعًا منذ عام 1983 -بدءًا من فيرس الإيدز وصولًا إلى فيروسات أنفلونزا الخنازير وأنفلونزا الطيور وسارس وميرس وزيكا- هو حدوث طفرة جينية.
يمكن القول إنه قد تزايدت الشكوك إجمالًا حول تخليق فيرس كورونا المستجد، والطريقة التي انتقل بها للإنسان، وصارت فرضية انتقال الفيرس للإنسان من خلال الخفاش في سوق مدينة ووهان الصينية للمأكولات البحرية فرضية ضعيفة، ولم تعد تلقى قبولًا علميًا.
وكانت قد ظهرت أدلة من خلال تشريح جثث المتوفين بالتهابات وأمراض رئوية في دول أوروبية كإيطاليا في الخريف الماضي، وقبل ظهور الفيرس في الصين بحوالي ثلاثة شهور، وثبت أنهم قد توفوا من جراء الإصابة بالفيرس!
ولا يعنينا تحديدًا كيل الاتهامات لجهة محددة الآن، فعلاج البشر ووقايتهم أهم من الحديث عن المؤامرات والصراعات، وإن كان كشف الحقائق في مرحلة لاحقة سيكون أمرًا هامًا.
وما زاد الطين بلة أن التشكك في أمر تخليق الفيرس لم يقف عند العلماء، فقد خرج علينا السير ريتشارد ديرلوف، وهو رئيس سابق لجهاز الاستخبارات البريطانية  (MI6)، في يوم الأربعاء 3 يونيو 2020، بتصريح لصحيفة التيليجراف The Telegraph البريطانية، ذكر فيه أنه اطلع على تقرير علمي جديد مهم يشير إلى أن الفيرس لم ينشأ بطريقة طبيعية، وإنما جرى تخليقه في أحد المختبرات، وأشار بأصابع الاتهام إلى الصين، وإن كان يظن أنه قد تسرب عن طريق الخطأ من المختبر الصيني.
تحاول تلك الدراسة التي تحدث عنها السير ديرلوف وراجعها البروفيسور أنغوس دالغليش وعالم الفيروسات النرويجي بيرغر سورنسن، وخضعت للعديد من مراجعات الأقران، الإجابة على سؤال: كيف نشأ الفيرس في البداية، وكيف بدأ انتشاره، وقد أفادت تقارير أن مسئولي المخابرات قد فحصوا نتائجها أيضًا. والدراسة قُبلت للنشر في دورية Quarterly Review of Biophysics Discovery، ويدعي فيها الباحثان أنهما استطاعا إثبات بما لا يدعو للشك أن فيرس كورونا المستجد هو فيرس مخلق وليس طبيعيًا.
وكانت دلائل سابقة في بداية انتشار الفيرس قد أشارت إلى أن هذا التخليق تم بالفعل في مختبرات صينية، وبمساعدة من علماء معهد باستور الفرنسي، ولكنه تم بتمويل أمريكي! وقد وجه د.رشيد بتار الاتهام مباشرة إلى د.فاوتشي بأنه من يقف وراء تمويل تخليق هذا الفيرس في مختبرات الصين.

الفيرس انتشر في شكل تجمعات!
وإن كان البحث في مسألة تخليق الفيرس من عدمها صعبًا، فما لا يقل عنه صعوبة هو البحث في الكيفية التي انتشر بها هذا الفيرس الذي أعيا البشر؛ فالعلماء محتارون في الكيفية التي انتشر بها هذا المرض.
دراسة حديثة ظهرت على البيزنس إينسايدر businessinsider ذكرت أن حالات نشر العدوى الكبرى بالفيرس حول العالم ظهرت في تكتلات من الإصابات بفيروس كورونا ظهرت فجأة بين عشية وضحاها!
Superspreader events around the world have created clusters of coronavirus infections that cropped up almost overnight.
فما معنى أن الفيرس انتشر في شكل تجمعات وتكتلات؟! المفترض أن ينتقل الفيرس من كل مريض إلى شخص آخر أو شخصين أو ثلاثة بحسب معامل العدوى R.
لكن من الواضح أن هذا الفيرس تم نشره عمدًا بكميات كبيرة في أوساط تجمعات من البشر، ليكون كل منهم بؤرة لنشر المرض، بينما الفيرس بكمياته البسيطة في الجو أضعف من أن يحدث الأثر الذي حدث في البداية، لذا فقد قلت شراسته في وقت قصير.
ادعى التقرير أيضًا أن 70% من المصابين بكورونا لا ينقلونه لأي شخص!
70% of people infected with the coronavirus did not pass it to anyone, preliminary research shows.

وما يُخشى منه الآن أن يتم التلاعب بالفيرس جينيًا و/أو أن يتم نشر الفيرس ثانية بالطريقة ذاتها التي نُشر بها منذ شهور، خاصة في أماكن التجمعات الدينية بالدول العربية والإسلامية كالسعودية وإيران، ومحاولة خلق موجة جديدة أبكر من المرض في الصيف بدلًا من انتظار الخريف والشتاء، ورفع عدد الحالات الحرجة مرة ثانية، لإجهاض جهود التعافي الملحوظة في العالم، ولمنع عودة الحياة إلى طبيعتها، ودفع الناس إلى أخذ اللقاح عندما يحين وقت ظهوره بعد شهور، والذي أظهرت نتائج استطلاع رأي أُجري في الولايات المتحدة مؤخرًا أن 49% فقط من الشعب الأمريكي ينوي أن يأخذه!