الأحد، 11 يونيو 2017

100-المسيح.. كلمة الله القديمة

المسيح.. كلمة الله القديمة
د/منى أبو بكر زيتون

يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]
ذكر المفسرون في مناسبة نزول الآية أنها كانت ردًا منه تعالى على وفد نصارى نجران الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المسيح عليه السلام، واعترضوا على قول رسولنا عن المسيح "إنه عبدُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه"؛ إذ لم يعجبهم وصف الرسول المسيح بالعبودية لله، لكن وافقوه في أنه كلمة الله.
والمسلمون كلهم على أن المسيح رغم ولادته من السيدة العذراء دون أب فهو ليس ابن الله كما أنه ليس هو الله تجسد في رحم السيدة العذراء. هذا على عكس اعتقاد أغلب المسيحيين الذين يعتقدون في فكرة الإله المتجسد.
وكان اعتقاد المسيحيين في أزلية كلام الله تعالى السبب الرئيسي في تأليههم المسيح عليه السلام، ورفضهم كونه عبد الله ورسوله، لكن المفارقة أن غالبية المسلمين أيضًا يعتقدون أن كلام الله قديم!

كلمة الله بين الاعتقاد المسيحي والاعتقاد الإسلامي
من أوسع الجدالات العقدية وأشهرها لدى المسلمين كان الاعتقاد في صفة كلام الله عز وجل، وأهم مباحث الكلام هو الجدال حول هل هو قديم أزلي أم مخلوق مُحدَث؟، ويرتبط بها توصيف صفة الكلام فهل هو صفة ذات أم صفة فعل؟، وقضية المدلول والدلالة، أو ما يُعرف أحيانًا بالتلفظ، ثم هناك مباحث فرعية أقل أهمية حول طبيعة الكلام الإلهي وهل هو حرف وصوت أم كلام نفسي.
في المشهور أن هذا الجدل قد بدأ لدى المسلمين ردًا على القس النصراني يوحنا الدمشقي، في كتابه "الهرطقة المائة"، حول تفسيره لوصف القرآن للمسيح عليه السلام بأنه "كلمة الله". وكان هذا بداية ما عُرف في تاريخ الإسلام بعلم الكلام "علم دراسة العقائد الإسلامية"، لأن بدايته كانت مناقشة اعتقاد المسلمين في صفة الكلام لله عز وجل. ومن هنا جاءت عقيدة المعتزلة الأشهر التي  يُعرفون بها؛ وأعني خلق القرآن، أي حداثته، باعتبار أن القرآن كلام الله، والتي خالفهم فيها أهل السُنة وقرروا أن كلام الله قديم. وقد سبق أن ناقشنا اعتقاد المعتزلة في الكلام وحجج أهل السُنة الأشاعرة في المقابل في الجزء الأول من سلسلة مقالات "عقيدة المعتزلة.. عرض ونقد".

في كتاب "الهرطقة المائة" ليوحنا الدمشقي نجد حوارات بين مسلم ومسيحي حول موضوعات أهمها حرية الإنسان وحقيقة المسيح عليه السلام وأمه مريم، وبالتالي تطرق الحوار حول كلام الله تعالى وهل هو مخلوق (مُحدَث) أم أزلي قديم (غير مخلوق) باعتبار أن المسيح كلمة الله.
وتحت عنوان "المسيح والله" يذكر الدمشقي في كتابه (ص70) "إذا ما سألك المسلم قائلًا: من هو المسيح برأيك؟ قل له دونما خشية من الخطأ في ذلك: إنه كلمة الله، لأن الكتاب المقدس يدعوه كلمة الله، وحكمته، وساعده، وقدرته، وألقابًا أخرى عديدة مشابهة، إذ أن له ألقابًا عديدة في الواقع".
كما يذكر الدمشقي عن عقيدة المسلمين (ص50) "اللاهوت القرآني هو يقول إنه يوجد إله واحد خالق لكل الأشياء، وإنه لم يولد ولم يلد. والمسيح بحسب رأيه هو كلمة الله وروحه، بيد أنه مخلوق وعبد وُلِد دونما زرع".
ثم ينكر الدمشقي (ص54) على المسلمين اعتبار من يؤمن بالتثليث مشركًا. يقول: "أنتم القائلون بأن المسيح هو كلمة الله وروحه، لِمَ تهينونا كمشركين؟ –أي لِم تعتبرونا مشركين؟- فالكلمة والروح هما غير منفصلين عمّن يكونان فيه بالطبيعة. وإذا ما كان المسيح في الله من ثمّ على أنه كلمة الله، فيكون هو أيضًا الله بالتأكيد. أما إذا كان خارج الله، فيكون الله بدون كلمة وبدون روح حسب رأيكم، وهكذا تشوهون الله في تحاشيكم إشراك أحد بالله".
أما أن المسيح كلمة الله فهذا يوافق حقيقة اعتقاد جميع المسلمين في المسيح، والقرآن الكريم يؤكد ذلك، ولكن المسلمين -على اختلاف عقائدهم- لا يعتقدون أنه الله أو أنه ابن الله كما يعتقد أغلب المسيحيين ‏﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾‏ [النساء: 171].
والدمشقي في محاوراته التخيلية بين المسلم والمسيحي يفترض أن المسلم إن قال أن كلمة الله قديمة غير مخلوقة فقد وافق بذلك قول المسيحي بأن المسيح غير مخلوق، وهو الله. يقول (ص70): "ها إنك توافقني في الرأي، لأن من لم يخلقه أحد بل من يخلق كل الأشياء، إنما هو الله". أما إن قال المسلم إن الكلمة مخلوقة والله خالقها فقد غالط الدمشقي بافتراض أن نفس الشخص قد قال من قبل أن الكلمة غير مخلوقة!، ثم يتساءل إن كان الله بدون كلمة قبل خلقها!
ربما كانت هذه المغالطة منه ترجع إلى أن المسلمين منقسمون حول الاعتقاد في الكلام، وأشهر الأقوال في ذلك هو اعتقاد الأشاعرة ويقابله اعتقاد المعتزلة، لكن انقسامهم لا يعني أن هناك من يعتقد الشيء ونقيضه، أو أن هناك من يوافق المسيحيين في اعتقادهم بأن المسيح هو الله لأنه كلمته القديمة، لأنه قد غاب عن الدمشقي، وهو ما يغيب عن المسيحيين إلى يومنا هذا؛ أن اعتقاد أهل السُنة –وهم عموم المسلمين- أن الكلام صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، لكنهم يميزون المدلول القديم عن الدلالة الحادثة. وإن كان الدمشقي كثيرًا ما يتبنى معتقد المعتزلة على أنه اعتقاد سائر المسلمين أثناء حواراته، رغم أنه لا يرد عليهم بل يتهرب بادعاء التناقض كما أوضحنا.

المدلول القديم والدلالة الحادثة
يذكر الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ‏ص82-83) عن اعتقاد المسلمين من أهل السُنة الأشاعرة في أن كلام الله تعالى قديم أزلي قائم بذاته تعالى "والدليل على أنه متكلم بكلام قديم، ومريد بإرادة قديمة. قال: قام الدليل على أنه ‏تعالى ملك، والملك من له الأمر والنهي، فهو آمر ناهٍ، فلا يخلو إما أن يكون آمرًا بأمر قديم أو ‏بأمر مُحدَث، فإن كان مُحدَثًا فلا يخلو إما أن يُحدثه في ذاته، أو في محل أولًا. ويستحيل أن ‏يحدثه في ذاته، لأنه يؤدي إلى أن يكون محلًا للحوادث، وذلك محال، ويستحيل أن يكون في محل ‏لأنه يوجب أن يكون المحل به موصوفًا، ويستحيل أن يحدثه لا في محل، لأن ذلك غير معقول، ‏فتعيّن أنه قديم قائم به صفة له"أهـ.‏
ويلخص الإمام الغزالي اعتقاد أهل السُنة الأشاعرة في الكلام في "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص92- ‏‏93) قائلًا: "صفة الكلام صفة أزلية قديمة، قائمة بذات الله، غير منفصلة عنه، ويستحيل على الله ‏ضدها. وهذه الصفة لله تعالى ليست بحرف ولا صوت. ونحن –أهل السُنة- لا نثبت لله تعالى إلا ‏كلام النفس".
ويميز المسلمون السُنة الأشاعرة بين الكلام النفسي القديم القائم بالذات (المدلول)، وبين الدلالات عليه الحادثة المخلوقة، على اختلاف هذه الدلالات؛ فالقرآن الكريم مثلًا باعتباره أيضًا كلام الله تعالى القديم، كان إنزاله على نبينا وتلاوتنا وكتابتنا له محدثة. روى السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص224) قول الإمام العز بن عبد السلام في ‏‏"مُلحة الاعتقاد" "‏﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:2]، جعل الآتي محدثًا، فمن زعم ‏أنه قديم فقد رد على الله سبحانه وتعالى، وإنما هذا الحادث دليل على القديم، كما أنّا إذا كتبنا اسم ‏الله تعالى في ورقة لم يكن الرب القديم حالًا في تلك الورقة، فكذلك إذا كُتب الوصف القديم في ‏شىء لم يحل الوصف المكتوب حيث حلت الكتابة"أهـ. ‏

وربما كان صلب الإشكالية المسيحية التي تسببت في التباس اعتقادهم في المسيح عليه السلام أنهم لم يميّزوا بين المدلول القديم الأزلي لكلام الله والدلالات عليه المخلوقة المحدثة.
فاعتقاد أهل السُنة من المسلمين في أزلية كلام الله يتفق مع الاعتقاد المسيحي، لأن أمره تعالى قبل خلقه، وكل الأجرام السماوية وكل الأنواع الحية خُلقت في البدء بالكلمة "كُن"، ثم استمر كل نوع بفعل قوانين أوجدها الله تعالى تعمل عليه.
ولكن يدور الاختلاف حول نقطتين رئيستين:
o       كلام الله القديم الأزلي وفقًا لاعتقاد أهل السُنة من المسلمين قائم بذاته تعالى، وهذا الكلام الأزلي لا يفارق الذات الإلهية، ولكنه ليس عين ذاته كما توحي بذلك النصوص المسيحية التي جعلت المسيح هو الله لأنه كلمة الله.
o       كلام الله تعالى مدلوله قديم، بحيث قضى تعالى في الأزل أن يُخلق المسيح كما قضى أن يُخلق آدم، وكذا سائر المخلوقات والأنواع، ولكن الدلالات عليه حادثة،  فـ "كُن" صدرت منذ الأزل، ولكن "يكون" تأتي عندما يحين موعدها. والفاء بينهما دلالة استجابة ولا علاقة لها بالزمن لأن دائرة الزمن لا تشمله تعالى.

عنده أم الكتاب
إذًا كتاب الخلق موجود أزلًا وفقًا لعقيدة المسلمين، ولكن حالنا أشبه بمن يقرأ صفحاته، فتظهر تباعًا، ولا يعني هذا أن صفحة (5) قد كُتبت بعد أن انتهينا من قراءة صفحة (4)، فالصفحات كلها مكتوبة، ولكن الدلالات تظهر أمامنا تباعًا.
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]
والله يخبرنا في كتابه أن هناك قضاءً مبرمًا لا يُبدَّل ولا يتغير وقضاءً مُعلَّقًا قد يتغير. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]
روى القرطبي في تفسير الآية "وسئل ابن عباس عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون؛ فقال لعلمه: كن كتابًا، ولا تبديل في علم الله. قال كعب الأحبار: أم الكتاب علم الله تعالى بما خلق وبما هو خالق".
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: 11]
وفي كتب الصحاح عشرات الأحاديث التي تشير على المسلمين بالدعاء ليتغير ما كُتب لهم إن كان شرًا، ولتزيد أرزاقهم ولتطول أعمارهم بصلة الأرحام، وغيرها.
جاء في سنن الترمذي (2139) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر".
بل إن التعبيرين يمحو ويثبت ذاتهما دالان على أن شيئًا جديدًا لم يُكتب.
قد يفرح بهذا الكلام الجبريون، أصحاب نظرية أن كل شيء مكتوب مقسوم سلفًا، ولا دخل لنا بما يحدث، ولا قدرة لنا على تغييره. هذا غير صحيح بنص كتاب الله الذي يؤكد أن الله تعالى استخلف الإنسان في الأرض بعد أن أعطاه الحرية أن يؤمن أو يكفر، كما أعطاه العقل الذي يهتدي به ويسترشد سبيله. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]

الخلق الذي أُعطي الأمر بكينونته بالكلمة القديمة ظهر بالتتابع ‏
كي نفهم حقيقة معنى أم الكتاب أو كتاب الخلق، وكيف يختار الإنسان مع وجود هذا الكتاب، نعود إلى القرآن الكريم. ورد اسم الخلّاق في القرآن الكريم مرتين: ‏
‏﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ‏‏«85» إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ «86»﴾ [الحجر: 85-86]‏
‏﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ‏‏«81» إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ «82» فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ ‏شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «83»﴾ [يس: 81-83]‏
في كلا الآيتين نجد اقترانًا لطيفًا بين اسميّ الخلّاق والعليم، وأنهما وردا معًا في معرض ذكر ‏الأمر الأول بخلق الكون، والتذكير في نفس اللحظة بختامه، وكأنه مشهد واحد مجمل.‏
في البداية، كان الله ولا شيء معه، وفي البدء كانت الكلمة (كُن)، فكان الخلق الأول بالكلمة ‏القديمة، ‏ولكن ذلك الخلق الذي أُعطي الأمر بكينونته، ظهر بالتتابع وليس فجأة. التتابع ليس ‏فقط هو الستة أيام، بل وحتى نهاية العالم يمكن أن تظهر أنواع حية جديدة –أنواع وليس أفراد- قدّر الله أن توجد في الأزل ولكن ظهر أول أفرادها عندما حان وقت ظهورها. سبق أن ناقشنا نظرية الخلق في مقال "الله الخلّاق".
وذلك العالم ‏الذي يذكرنا الله تعالى باسميه الخلّاق ‏العليم عند ذكر خلقه إجمالًا من بدئه إلى ختامه، كل ما سيظهر فيه هو من خلقه، وغير ‏غائب عن علمه.‏ وعلم الله كما نعلم واحد، يتعلق بجميع المعلومات، المستحيل والجائز والواجب، والموجود والمعدوم، ويتفرع ‏عن ذلك العلم بالمعدوم الغيبي أن كلام الله قديم حتى ولو دلّ على ما حدث ‏بعد بدء الخلق بآلاف السنين.
هذا التصور الديني الإسلامي للخلق والإيجاد الكلي يتفق مع مفهوم نسبية الزمن لأينشتاين. وفقًا للنظرية ‏النسبية، فإن الزمن لا يتدفق كما كنا نتوهم، الماضي والحاضر والمستقبل كله موجود، فلا ‏الماضي ذهب، ولا حوادث المستقبل تنتظر أن تُوجد، بل هي خيارات أمامنا سنختار أحدها، ‏ونمضي، وما نختاره لا سبيل للرجوع لاختيار بديل له، وإدراكنا هو ما يحدد لنا ما نسميه ‏الزمن.‏
أما في العقيدة المسيحية فالمسيحيون مقتنعون بأن الكتاب المقدس لم يثبت أن الله خلق أي شيء بعد الأسبوع الأول لخلق العالم، وأن الإنسان قد خلقه الله قرب نهاية هذا الأسبوع، ثم وَلد الإنسان الإنسان. وكذا فكل الأنواع حيوانات ونباتات خلقها الله في الأسبوع الأول بالكلمة "لتنبت الأرض عشبًا وبقلًا"، ثم هي تتناسل إلى يومنا هذا بقوانين أودعها الله في الكون لتحفظ نظامه. هذا في حد ذاته يعني أن المسيحية لا تقبل فكرة خلق الله لأنواع أخرى –وليس أفراد- من الكائنات الحية بعد أسبوع الخلق الأول، وليس هذا موضوع حديثنا الآن على كل حال.

وبما أن المسيح كلمة الله، وكلمة الله قديمة، فمن هنا جاءتهم فكرة الإله المتجسد. لكن المسيح عليه السلام وفقًا لعقيدة جميع المسلمين كان معجزة توقفت عندها القوانين التي سرت منذ الخلق الأول، لم يُخلق من أب وأم مثل ‏باقي البشر، لذا فهو كلمة الله القديمة، خُلق خلقًا مباشرًا من الله تعالى دون قوانين، وكان الأمر الإلهي بخلقه بالكلمة القديمة ‏‏"كُن" مثل آدم، وتحققت الدلالة عندما حان وقت إشراقه على الدنيا. مدلول قديم ودلالة مُحدَثة.

99-الترضِّي في كتاب الله.. الترضي بين سلف الأمة ومتأسلفة العصر

الترضي في كتاب الله

الترضِّي بين سلف الأمة ومتأسلفة العصر

د/منى زيتون

أحد مقالات كتابي "تأملات في كتاب الله"

على ساسة بوست، الجمعة 15 سبتمبر 2017

https://www.sasapost.com/opinion/rida-allah/

مزيد على المثقف، الثلاثاء 15 فبراير 2022

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/961356

 

اعتدنا عند سماع اسم أي صحابي أن نسارع بإلحاق الترضي باسمه؛ فنقول "رضي الله عنه"، وقد ساهم رءوس الجماعة المسماة بالسلفية في ترسيخ هذا السلوك لدينا بحيث أفهموا جموع أهل السُنة أن هذا كان فعل سلف الأمة الأوائل، بينما يلاحظ كل من يقرأ أمهات الكتب أن السلف لم يتعاملوا مع الترضي كلقب يُلصق باسم كل صحابي مثلما يفعل متأسلفة عصرنا، فحتى من صح إيمانه ولم يُشك في إيمانه من عامة من أسلم بعد الحديبية ممن لم يشملهم بلاغ معين من الله ورسوله لنا برضاه عنهم ‏لم يترض السلف عليهم.‏

فكأنه لم يكف هؤلاء أن ألزمونا بذلك التعريف اللغوي الواسع للصُحبة الذي ضمّوا فيه كل من أسلم بعد الحديبية، وكل من رأى الرسول ولو ساعة، متجاهلين ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم من تقييد لمفهوم الصحبة.

هل مفهوم الصحابة يشمل من أسلم بعد الحديبية؟

والإجابة التي ستقنعك على هذا السؤال تختلف على حسب إن كنت تهتم بما دلت عليه النصوص عن مفهوم الصُحبة؛ أي أنك تهتم بما أخبر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن تقييد من يشملهم مفهوم الصحبة، أم تهتم بأقوال أغلب علماء المسلمين الذين توسعوا في تعريف الصحابة متابعةً منهم لبني أمية!

روى الإمام أحمد في مسنده (21521)، وغيره، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1]، قَالَ: قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى خَتَمَهَا، وَقَالَ: "النَّاسُ حَيِّزٌ، وَأَنَا وَأَصْحَابِي حَيِّزٌ"، وَقَالَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: كَذَبْتَ، وَعِنْدَهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُمَا قَاعِدَانِ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: لَوْ شَاءَ هَذَانِ لَحَدَّثَاكَ، فَرَفَعَ عَلَيْهِ مَرْوَانُ الدِّرَّةَ لِيَضْرِبَهُ، فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ قَالَا: صَدَقَ.

ومروان المذكور هنا الذي غضب وكذّب كبار الصحابة هو الملك الأموي مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهو من التابعين. وأئمة المسلمين على أن المقصود بالفتح في سورة الفتح هو صلح الحديبية، ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا[الفتح: 27]؛ فهو الفتح القريب، والذي كان بشارة بفتح آخر؛ وهو فتح مكة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا[النصر: 1-3]، الذي اندفع الناس بعده للدخول في الإسلام بعد أن أُطِلق فيه عامة أهل مكة، وفيهم أغلب بني أمية، الذين كانوا مشركين حتى يومه، ووفقًا لرواية أبي سعيد لا يدخلون في عِداد الصحابة، فإذا عرفنا ذلك فهمنا سبب غضب مروان وتكذيبه لأبي سعيد الخدري حتى همّ أن يضربه بالدِّرَّة، لولا أن صدّق على روايته زيد بن ثابت ورافع بن خديج.

وفي سورة الحديد آية تتفق تمامًا مع تمييز الحديث السابق لمن أسلم بعد الحديبية –قبل فتح مكة- عمّن أسلم بعدها. يقول تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: 10]، وسورة الحديد نزلت في المشهور بعد الحديبية، فالفتح المقصود في الآية في رأي أغلب العلماء هو صلح الحديبية، فليس بعده صُحبة ولا هجرة، وفي الآية مع ذلك وعد بالجنة للمنفقين المجاهدين ممن أسلموا بعد الحديبية.

وقد روى الإمام الطبري في تفسير آية الحديد حديثًا آخر عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال لنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عام الحديبية: "...........لَوْ كانَ لأحَدَهِمْ جَبَلٌ مِنْ ذَهَب فأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدّ أحَدِكُمْ وَلا نَصيفَهُ، ألا إنَّ هَذَا فَصْلُ ما بَيْنَنَا وَبَينَ النَّاس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: 10]"، والحديث له سند آخر عن أبي سعيد التمار. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقول "أصحابي" إلا لمن أسلم قبل الحديبية، ويخاطب من سواهم فيقول: "الناس".

وهناك حديث صحيح مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لخالد بن الوليد لمّا تشاجر مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فسبّه: "لا تسبوا أصحابي...."، وخالد بن الوليد غير مختلف في أن إسلامه كان بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، فقد كان من قادة فتح مكة، والرسول يأمره –والأمر عام- بألّا يسب أحدًا من أصحابه فهو مهما فعل –وبلاؤه في الإسلام كبير- لن يبلغ مقدار أيٍ منهم، فما بالنا بطلقاء فتح مكة ومن على شاكلتهم، بل ما بالنا بالمنافقين؟!

فإن كان الثابت من الحديث الشريف، وفي روايات كثيرة، أغلبها في مسند الإمام أحمد، أنه "لا هجرة بعد الفتح"، وإن كان الله تعالى قد قسم المؤمنين إلى مهاجرين وأنصار وتابعين بإحسان، فعلى أي أساس جُعِل من أسلم بعد الفتح في عداد الصحابة وليس التابعين؟!

سبب انتشار مفهوم الصحبة المتسع

لقد وُضع المفهوم المتسع للصحبة لغرض سياسي تمامًا رفعًا لقدر معاوية بن أبي سفيان بإزاء الإمام علي بن أبي طالب، وهو ما سنفصل فيه في مقال "ما بين فضائل علي وفضائل معاوية"، ثم لرفع قدر بني أمية كلهم بعد ذلك.

ولأن هذا التوسيع لمفهوم الصحبة قد أسهم في عدم تمييز العامة بين المهاجرين وغيرهم من أهل مكة، فقد أسهم في مرحلة لاحقة في رفع قدر العباس بن عبد المطلب جد بني ‏العباس، ويمكن ‏القول إن أبا سفيان والعباس وإن أسلما متأخرين –على تفاوت بينهما- فقد أرادا أن يحوزا ما ‏لم يحز السابقون الأولون!‏

وفي سنن الترمذي (3819) عن أسامة بن زيد قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء علي ‏والعباس يستأذنان فقالا: يا أسامة استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله علي والعباس يستأذنان، ‏فقال: أتدري ما جاء بهما؟ قلت: لا أدري. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكني أدري، فأذن لهما فدخلا، فقالا: يا رسول الله ‏جئناك نسألك أي أهلك أحب إليك؟ قال: فاطمة بنت محمد، فقالا: ما جئناك نسألك عن أهلك، قال: أحب ‏أهلي إلي من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد، قالا: ثم من؟ قال: ثم علي بن أبي طالب، قال ‏العباس: يا رسول الله جعلت عمك آخرهم؟ قال: لأن عليًا قد سبقك بالهجرة"أهـ. ‏

ومن الواضح أن العباس أراد أن يسأل النبي يريده أن يقول كلمة يرفع بها رتبته عن علي، ‏والنبي لا يقول إلا صدقًا، وإنما يعني بالسبق أن رتبة علي قد رُفعت عن العباس بهجرته، وليس للعباس ‏هجرة رغم أن له صحبة؛ فقد أسلم في المشهور بعد أن أمر رسول الله بقتل كعب بن الأشرف لكنه أخفى إسلامه وبقي في مكة، كما أن زوجته السيدة أم الفضل بنت الحارث ليس لها ‏هجرة رغم أنها من السابقات إلى الإسلام، وهي ثالث من أسلم من النساء بعد السيدة خديجة والسيدة أم ‏سلمة. وأقول: فما بالنا بأبي سفيان رأس المؤلبين على الرسول حتى فتح مكة! ولكنه أراد أن يرفع من شأنه ‏هو الآخر فلم يقصر وسأل النبي أن يستكتب ابنه.‏

وورد في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" للتبريزي (ج 11، ص 322) "جاء العباس وأبو ‏سفيان وبلال وسلمان إلى باب عمر يستأذنونه، فقال خادم عمر بعد إعلامه بالجماعة: يدخل بلال. فقال ‏أبو سفيان للعباس: أما ترى أنه يقدم علينا موالينا. فقال العباس: نحن تأخرنا فهذا جزاؤنا".‏

وهذه إشارة عابرة -كان لا بد منها- إلى مخالفة المشهور من قول علمائنا عن مفهوم الصحبة لكلام رب العالمين وخاتم النبيين، فلديهم إصرار على تجاهل النصوص الصحيحة، وتبني المفهوم الأموي للصحبة الذي توسع حتى شمل كل من رآه صلى الله عليه وسلم ولكنه ليس صُلب حديثنا في هذا المقال، فما يعنينا الآن هو مناقشة توسيع إطلاق الترضي؛ والذي خص الله تعالى ورسوله رجالًا وأقوامًا من المؤمنين بأن شهدا لهم بتحقق الرضا الإلهي، فضلًا على أن توسيع الترضي والمبالغة فيه لم يكن من عادة السلف! وما هو إلا محاولةً أخرى لرفع شأن الطلقاء.

الترضي في القرآن الكريم

ترضٍ عام عن جميع المؤمنين مع وعد لهم بالجنان

بالرجوع إلى كتاب الله سنجد أن آيات الترضي خمس آيات؛ آيتان عامتان تتحدثان عن رضا الله تعالى عن عموم المؤمنين من لدُن آدم، وآية تتحدث عن عموم المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وآيتان خاصتان في فئتين معينتين من أمة محمد.

فأما الآيتان العامتان اللتان أبلغنا تعالى فيهما برضاه عن المؤمنين عامةً، فهما:

﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة: 119].

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)﴾ [البينة: 6-7-8].

والآيتان [المائدة: 119] و [البينة: 8] عامتان، تخبرانا عن أن رضا الله تعالى إن شمل عبدًا أدخله الجنة؛ ولكننا لا نعرف يقينًا مَن مِن البشر بخلاف الأنبياء قد نال هذا الرضا وسيدخل الجنة باستثناء قلائل نظن فيهم هذا لسابق الإبلاغ عنهم وتبشيرهم بالجنة؛ وعليه فكُل من بُشِّر بالجنة يجوز أن يُقال له: "رضي الله عنه"، ولكن هل نقولها لكل أحد؟!

وأما الآية التي تتحدث عن رضا الله عن عموم فئات المؤمنين الثلاث من أمة محمد صلى ‏الله عليه وسلم، فهي:

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

وهذه الآية هي أوسع الآيات دلالة على من يشملهم رضا الله من المسلمين، فهي تضم جناحي الصحابة المهاجرين والأنصار، ثم تُلحق بهم من اتبعوهم شريطة أن يكون إتباع بإحسان. وسبق وأوضحنا أن صلح الحديبية هو حد التمييز بين الصحابة والتابعين.

وقال أبو جعفر الطبري في تفسيرها: "يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولًا إلى الإيمان بالله ورسوله ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم، ﴿وَالْأَنصَارِ﴾ الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ يقول: والذين سَلَكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طلبَ رضا الله ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ فقال بعضهم: هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، أو أدْركوا. وقال آخرون: بل هم الذين صلّوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وكما يتضح فشرط الإتباع بإحسان لغير السابقين من المهاجرين والأنصار يمنع إطلاق الرضا على الجميع دون تمييز. فإن استحال التمييز واستعصى وجب التوقف عند المهاجرين والأنصار فقط، وبالكاد يمكن ضم من كان له بلاء كبير مشهود في الإسلام من غيرهم.

ترضٍ خاص عن فئتين خاصتين

إضافة إلى آيات الترضي العامة على جميع المؤمنين، فهناك آيتان خاصتان في كتاب الله نزلتا في فئتين خاصتين من هذه الأمة، وهؤلاء كان يخصهم السلف بالترضي إلحاقًا عند ذكر أسمائهم أعيانًا.

الآية الأولى

﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22]

والراجح أنها نزلت في المؤمنين يوم بدر حين قتلوا أو همّوا أن يقتلوا قراباتهم من المشركين.

الآية الثانية

﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

والآية بالاتفاق نزلت فيمن بايع النبي بيعة الحديبية، وتُسمى بيعة الرضوان، وكانت بشارة لهم بفتح مكة. وعددهم ألف وأربع مئة على الأرجح أو قريب منه، ويُعرفون بأصحاب الشجرة.

وكان من فخر سيدنا علي أنه حارب معاوية في صفين، وفي جيشه نحو سبعين من أهل بدر، وثمانمائة من أهل بيعة الرضوان.

الترضي في الأحاديث الشريفة على أهل بدر  وأصحاب الشجرة

في الحديث الشريف وردت أحاديث في فضائل بعض أعيان الصحابة، وإن لم يُذكر فيها لفظ الرضا إلا أنها شهادة لهؤلاء النفر بأسمائهم بالإيمان والبشارة بالجنة، فأحاديث في فضل الخلفاء الراشدين وطلحة والزبير وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقّاص وآل البيت وبعض أمهات المؤمنين وبعض كبار الصحابة السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار.

وكما لم ترد آيات واضحة في حق فئة معلوم عِدَّتهم من المؤمنين سوى أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فكذلك كان الحال في الأحاديث، حيث وردت أحاديث تفيد رضا الله عن هاتين الفئتين جميعًا بلا استثناء، وأنهم جميعهم في الجنة إن شاء الله تعالى.

في صحيح مسلم، في كتاب فضائل الصحابة، وردت قصة حاطب بن أبي بلتعة. وفي الحديث (2494) قول الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر لمّا أراد ضرب عنق حاطب "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

وفي الحديث (2495) أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخُلنَّ حاطب النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية".

وفي فضل أهل بيعة الرضوان، في الحديث (2496) قال صلى الله عليه وسلّم: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد. الذين بايعوا تحتها".

ومثل ذلك كثير من الروايات في الصِحاح عن أهل بدر وأهل الحديبية دون غيرهم.

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ‏

وفوق الآيات التي أعلن الله تعالى فيها رضاه التام عن المعنيين فيها، فهناك آيتان في كتاب الله تعد كل منهما شخصًا بعينه بأن الله سبحانه سيعطيه ما يرضيه.

وأول هذه الآيات خُوطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ[الضحى: 5]. والرضا هنا يتعدى النعيم المقيم في الجنة والكوثر الذي وُعد به في آية أخرى، ومما أورده الطبري عن ابن عباس قوله: من رضاء محمد صلى الله عليه وسلم ألا يدخل أحد من أهل بيته النار، وقال الباقر إنها الشفاعة التي يتشفع بها لأمته.

وَلَسَوۡفَ يَرۡضَىٰ ‏

وهناك من الصحابة من كانت له خصوصية بوعد الله له بأنه سيعطيه حتى يرضى، وهي خصيصة لم يبلغها سوى النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول تعالى: ﴿فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ (14) لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى (15) ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (16) وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى (17) ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ (19) إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ (20) وَلَسَوۡفَ يَرۡضَىٰ (21)[الليل: 14-21].

وفي الآيات وعيد من الله سبحانه وتعالى بتصلية النار لمن كذَّب وتولَّى، ووعد بتجنيبها الأتقى الذي ينفق ماله، لا مجازاة لأحد، وإنما لله وحده. ووردت روايات تقول إن هذه الآيات تعني بالأتقى الصديق أبي بكر.

وقد روى الإمام الطبري في تفسيره عن عامر بن عبد الله عن أبيه الزبير بإسناد، وروى الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (291) عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله بإسناد آخر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر عندما قال له أبوه أبو قحافة: يا بني إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت عتقت رجالًا جلدًا يمنعونك ويقومون دونك، فقال له أبو بكر: يا أبتِ إني إنما أريد ما أريد.

وروى الطبري برواية أخرى عن سعيد عن قتادة قال: نـزلت في أبي بكر، أعتق ناسًا لم يلتمس منهم جزاءً ولا شكورًا، ستة أو سبعة، منهم بلال، وعامر بن فُهَيرة.

فإذا كان الله تعالى قد خص أحدًا من الصحابة بذكره ما يفيد رضاه عنه في موضع وحده فهو الصدِّيق أبا بكر.

لا وجود لآيات أو أحاديث تذكر رضا الله على جميع من شهد أُحدًا أو الخندق أو غيرها من المشاهد

مع شيوع الروايات التي حكت لنا عن رضا الله تعالى على أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، نلاحظ أنه لا توجد آية واحدة ولا حديث واحد تشير إلى رضا الله على جميع من خرجوا في أُحد أو الخندق وغيرها من المشاهد على عكس البشارات المتكررة لأهل بدر وأصحاب الشجرة، ذلك أنه قد ثبت في كتاب الله وفي الصحيح أنه كان فيهم منافقون.

قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:  179]. فميز الله يوم أحد المنافق من المؤمن.

وجاء في مسند الإمام أحمد (21491) و (21522)، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد، فرجع أناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين؛ فرقة تقول بقتلهم وفرقة تقول: لا. فأنزل الله عز وجل ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النساء: 88]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة".

فطالما قد داخل المؤمنون قلة من المنافقين، والله ورسوله لا يشهدان لأحد بالرضا ودخول الجنة كذبًا لم يعم الترضي، وإلا فهل المؤمنون ممن شهدوا أُحدًا الذين ذادوا عن رسول الله أقل شأنًا من أهل بيعة الرضوان الذين لم يزيدوا عن أن بايعوا ولم يقاتلوا؟ لكن الثابت أيضًا أن المؤمنين ممن شهدوا أحدًا والخندق قد شهدوا إما بدرًا أو الحديبية أو كليهما، كما أنهم داخلون في عموم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

خاتمة

من المقطوع به أنه كان هناك منافقون في المدينة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أخبرنا تعالى بعدم رضاه عنهم. وفي سورة التوبة يتحدث الله تعالى عن هؤلاء المنافقين الذين تخلّفوا عن الالتحاق بجيش العُسرة، وأخذوا يتعذّرون للنبي والمؤمنين بعد عودة الجيش. ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96].

فإن كان مفهوم الصحبة أساسًا مختلفًا فيه بعد أن ضُم من أسلموا بعد الحديبية إلى المهاجرين والأنصار قسرًا، فما بالنا بإطلاق الترضي على جمعٍ كبير من الناس لم نتيقن من رضا الله عنهم؟!

إن إطلاق الترضي نوع من الشهادة لمن يُلحق به اسمه، بينما ليس لنا أن نشهد إلا بما أعلمنا به الله ورسوله، وليس تعميم ما خص الله به فئات وأشخاص محددين في حق آلاف رغم تيقنا أن بينهم منافقين فاسقين لم يشملهم رضا الله، وقد اشترط تعالى ليشملهم رضاه الإتباع بإحسان، وهو ما يخفى على علمنا!

فهذه تسوية بين من لم يسوّ الله بينهم، وتعميم لما خص الله به أقوامًا من خاصة الصحابة، ‏والأمر أشبه بمن يطلقون في عصرنا لقب باشا على كل البشر أمامهم حتى فقد اللقب قيمته، ولم يعد له معنى.

وفي المقابل فإن من يقرأ أمهات الكتب يجد -على سبيل المثال- أن السلف قد خص أهل البيت أصحاب الكساء الخمسة بالسلام عليهم، والسلفية يخالفون في هذا ولا يسلمون عليهم أعيانًا؛ فلا يقولون فاطمة عليها السلام كما كان يقول سلف الأمة! والطبري في تاريخه يقول مرارًا: عليّ عليه السلام ومعاوية، بينما سلفية عصرنا يقولون علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه. حطّوا من قدر الأول ورفعوا من قدر الثاني!

وعندما يُصلّون على النبي عليه الصلاة والسلام يصلّون على آله وصحبه معًا، وهذا ابتداع لأن صيغة الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم التي علّمنا إياها ليس فيها الصلاة على الصحابة؛ ذلك أن أهم شواغل السلفية هو مخالفة الشيعة ولو بالابتداع، بينما لا يكفون عن اتهام كل من عداهم بالابتداع والفسق ومخالفة السلف. ومع ذلك فالصيغة المضاف فيها "وصحبه" ليس فيها ما هو محرم شرعًا، لكنني ألفت فقط إلى ابتداعاتهم.

 

97-الرحمة فوق العدل.. بأي معنى؟

الرحمة فوق العدل.. بأي معنى؟

د/منى زيتون

على ساسة بوست، الاثنين 4 سبتمبر 2017

https://www.sasapost.com/opinion/mercy-justice/

وعلى المثقف، الخميس 18 نوفمبر 2021




تحدثنا في مقال "تعاطف المصريين.. خطأ في البوصلة" عن خطأ شائع من أخطاء التفكير؛ وهو التفكير العاطفي، والذي يؤدي بمن يستخدمونه إلى الإفراط في إظهار التعاطف تجاه البعض، رغم أنه بنصب ميزان العدل أمام أعيننا يكون واضحًا أن الحق عليهم لا لهم.

واليوم نستكمل الحديث عن أشهر المغالطات التي تُستحضر دائمًا لتبرير التفكير العاطفي، وهي "الرحمة فوق العدل".

ما هي الرحمة وما هو العدل؟

الرحمة لغةً هي: الرقة والتَعَطُّف. وفي "المعجم الوجيز" رَحِم فلانًا رقَّ له وعطف عليه، وغفر له.

أما العَدْل فهو القصد في الأمور، وهو ضد الجَوْر. وفي "المعجم الوجيز" في أمره عَدْلًا وعَدَالة: استقام. وفي حُكْمِه: حَكَم بالعَدْل. والشيء عَدْلًا: أقامه وسوّاه. وفي "المصباح المنير" التعادل: التساوي.

العدل أولًا

لطالما تم تصوير العدالة على صورة امرأة معصوبة العينين، وهي إشارة إلى عدم تمييزها بين الطرفين المتحاكمين، كي تستمع فقط إلى صوت الحق.

ومن الأحاديث الشريفة في فضائل الإمام علي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أقضاكم عليّ"؛ أي أنه عليه السلام أفضل من كان يقضي بين الصحابة، ويأتينا تفسير ذلك في حديث آخر يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "عليّ مع الحق والحق مع عليّ، يدور الحق حيثما دار عليّ". فالعدالة تقتضي أن تُنحي العواطف، وتجعل عينك على الحق لا على سواه.

ويمكن القول إن المفرطين في التعاطف المائلين نحو الطرف غير المحق، لديهم إشكالية حول تحديد أولوية وأسبقية الرحمة أو العدل، وعدم فهم للهدف الأسمى الذي خُلِق لأجله الخلق؛ فالعدل هو القيمة الأسمى في هذه الحياة، والتي لا تُقام إلا بها.

يخبرنا ربنا جل وعلا أن الغاية من الحياة الدنيا، والتي لأجلها أرسل الرسل وآتاهم الكتاب وألهمهم العمل بالميزان، هي إقامة القسط. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. والقسط هو العدل في جميع الأمور، فهو لفظ جامع، دال على عدل أعم وأشمل من العدل بين متحاكمين.

ويقول تعالى مخاطبًا رسوله الذي آتاه الملك؛ داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[ص:26]. وفي الآية أمر بالحكم بالعدل والبعد عن الأهواء والعواطف، ثم تذكير بيوم الحساب.

فلأن البشر لا يمتثلون لأمر الله بتحقيق العدالة بينهم، فعندما تضيع العدالة الإنسانية تتدخل العدالة الإلهية، وهذا هو الغرض من الحساب الأخروي. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

لكن كيف يكون العدل أولًا، وتكون الرحمة فوقه؟

لعل في آيتيّ القصاص بيان شافٍ لأولوية تحقيق العدالة، ثم الرحمة إن أمكن ورضي صاحب الحق.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ [البقرة: 178-179].

يخبرنا الله تعالى في الآيتين الكريمتين أن القصاص مكتوب علينا أي مفروض. ونجده سبحانه وتعالى يقرر الحق في القصاص أولًا، ثم لا ينسى الترغيب في العفو، ليعود في الآية الثانية يذكرنا أن في الاقتصاص من الجاني حياة للبشر، لن تستقيم حياتهم ما لم يقر المجتمع كله بأحقية صاحب الحق فيه.

فالإشارة الواضحة في الآيتين، والتي لا تخفى على عاقل، أن الله سبحانه وتعالى يقرر حق صاحب الحق أولًا، ولا يجعل لأحد سبيلًا إلى تجاوزه مهما كان. كما أنه تعالى يقرر أن ذلك العفو إن تمّ منه رحمة وليس عدلًا ﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.

ولعل بعض المتعاطفين يتذرعون بآيتيّ الحرابة لتقرير أن التوبة تسقط العقاب الدُنيوي. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (34)﴾ [المائدة: 33-34].

وتفسير الآية الثانية فيه أقوال كثيرة، أولها أن الاستثناء في ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ إنما قُصد به المشركون، والمقصود تابوا من شركهم وأسلموا فسقطت عنهم عقوبة الحرابة لأن الإسلام يفتح صفحة جديدة في حياة المسلم ولا يؤاخذه بما سلف. نقل الإمام الطبري في تفسيره عن أصحاب هذا الرأي: "أما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامةُ الحدّ الذي أوجبه الله عليه، وأخذُه بحقوق الناس"أهـ. وحتى من أورد أقوالًا أخرى في تفسير الآية، ورأوها نزلت في المحاربين من أهل الإسلام، لم ير أغلبهم إسقاط حقوق العباد عنه بتوبته. يقول الإمام الشافعي: "تضع توبته عنه حدَّ الله الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم".

إذًا، فنحن مأمورون بإقامة العدل فيما بيننا لتستقيم الحياة، دون تمييز لغني عن فقير تقربًا إليه أو لفقير عن غني رحمةً به. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[النساء: 135]. ولكنه وجوب يجوز لصاحب الحق وحده تركه، والرحمة مع المخطئ والعفو عنه فضل لمن أراد التفضل، ولكنه ليس واجبًا، فما قرر تعالى وجوبه هو القصاص وليس العفو، وأخذ حقوق العباد وليس تركها لمن نهبها؛ لذا كان من دعاء الصالحين "اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان".

اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان

فلسفة الاعتذار

دائمًا ما يردد حزب التعاطف "إن الله يغفر، فلِم لا تغفرون لمن يخطئ في حقكم؟!".

وأقول: هذا تلبيس واضح؛ فالله تعالى يقرن بين مغفرته وبين استغفار المسيء وطلبه التوبة، فمغفرة الله لا تصيب المُصرِّين على الذنوب. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 135].

إن حزب التعاطف يتناسون أنه سبحانه يغفر لمن يتوب، وكذلك البشر يسامحون من يعتذر، فالعفو لا يكون إلا بعد اعتذار. وهذا هو الكتالوج الذي خُلقت نفوسنا مجبولة عليه.

جاء في تفسير الطبري عن ابن عباس في تفسير ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وهي الدية؛ أن يُحسن الطالب الطلب، وأن يُحسن المطلوب الأداء. فإذا أُخذت الدية في القتل فذلك عفو بعد اعتذار.

إن إحقاق الحق وإقامة ميزان العدالة على الظالم هو اعتذار لصاحب الحق عما تم اقترافه في حقه، وتطييب لقلبه وخاطره؛ فهذه هي فلسفة الاعتذار، وأي محاولة لتجاهل أهمية الاعتذار يبقى النفوس محتقنة، على عكس ما يتصور عصافير التسامح.

لا تعارض بين رحمة الله وعدالته

يقولون: الله هو الرحمن الرحيم قبل أن يكون الحكم العدل والحق المبين، والرحمن الرحيم هما ألصق صفاته بذاته سبحانه. وهذه محاولة أخرى لخلق إشكالية الأولية والأهمية بين الرحمة والعدل، ولا وجود لتلك الإشكالية من الأساس؛ فالعدالة الإلهية ناجزة والرحمة متوفرة.

روى الإمام الحاكم في المستدرك (8718) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ إِذْ رَأَيْتُهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلَمَتِي مِنْ أَخِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلَمَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي"، وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "وَإِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمٌ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى أَنْ تُحْمَلَ عَنْهُمْ أَوْزَارُهُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْجِنَانِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، فَقَال: لِمَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ، قَالَ: وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ: خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلا الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ".

وهذا الحديث عندما يسمعه أصحاب مغالطة "الرحمة فوق العدل" ينظرون إليه بنظرة سطحية؛ فيقولون: قصر لمن يعفو عن أخيه، يالقدر العفو، ولكنني أقول لهم: إن الحديث دال أنه حتى في الآخرة، لا بد أن يقام ميزان العدل أولًا، ثم لا بد أن يعفُ صاحب الحق عن المخطئ، وأن الله تعالى –وهو الملك لا إله إلا هو- لا يأخذ قرار مسامحة عبد قبل أن يعفُ صاحب الحق عنه، فما لا يفهمه هؤلاء أن الرحمة فضل بعد إقامة العدل، لا أنها تتدخل لتنسف العدل وتطيح بحق صاحب الحق.

المجالس العرفية بين الرحمة والعدل

في بلادنا العربية لا زال للمجالس العرفية دورها، ولا زال للكبراء كلمتهم في حل النزاعات، لكن يُلاحظ أن منها ما ينتج عنها صلح بين العائلات؛ إذ يتم إبرام اتفاقات تستمر، ومنها ما لا تكاد تنعقد حتى تُفسخ، ويعود الصراع كما كان وربما أشد.

ويتساءل كثيرون، لماذا تنجح بعض المجالس العرفية في الصلح وتفشل أخرى مهما أُخِذت العهود والمواثيق؟

والإجابة عندي أن المجالس التي تُقام لإسقاط الحق والحديث فقط عن العفو؛ فيطالب المشايخ صاحب الحق وعائلته ومن شايعه بالتنازل، دون أن يُطلب فيها من المخطئ أن يُقر بخطئه أولًا، تلك المجالس لا بد وأن تفشل اتفاقاتها لأن الجرح يرم على فساد، وأما تلك التي تؤكد على إحقاق من عليه الحق، وإقراره بخطئه واعتذاره عنه، ثم يأتي دور التراحم وطلب العفو، تنجح لأنها لا تتجاهل متطلبات النفس البشرية. وهذا هو المعني بأن الرحمة فوق العدل؛ إذ لا بد من إقامة العدل أولًا.