الأربعاء، 6 يوليو 2016

75-فتنة الوهابية

فتنة الوهابية

د. منى أبو بكر زيتون

مُستل من كتابي "التطرف الديني الإسلامي.. نشأته وأسبابه وآثاره وطرق علاجه"

على ساسة بوست، الأحد 4 يونيو 2017

https://www.sasapost.com/opinion/the-sedition-of-wahhabism/

على المثقف، الاثنين 6 فبراير 2023

https://www.almothaqaf.com/research/967449

ظهرت الحركة المسماة بالوهابية على يد محمد بن عبد الوهاب التميمي في نجد في القرن الثاني عشر الهجري، كحركة مذهبية هدفت إلى إحياء الاعتقادات المنسوبة زورًا للإمام أحمد بن حنبل إضافة إلى فقه الحشوية ومخالفات ابن تيمية الفقهية. ثم تحولت إلى حركة سياسية تسببت ولا زالت تتسبب في الفتن.

كان ظهور فتنتهم في عهد السلطان العثماني سليم الثالث. وكان محل فتنتهم الأولى بالحجاز فاستولوا على الحرمين، ومنعوا وصول الحاج الشامي والمصري، ثم عمّت فتنتهم الثانية في القرن الثالث عشر الهجري سائر الجزيرة العربية. وتمثلت مظاهر فتنهم بهدم الأضرحة وقبور الأئمة والصحابة، وهدم منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وألغوا الاحتفال بالمولد النبوي، وأزالوا جميع شواهد القبور بالبقيع وغيره. كما قاموا –كما هي عادة الخوارج- بمذابح ضد غيرهم من المسلمين ممن كفّروهم، وأدخلوهم تحت سلطانهم.

وبظهور تلك الحركة اعتبر كثير من علماء المسلمين أنهم الجماعة المارقة التي يتزعمها قرن الشيطان -أو قرنا الشيطان وفقًا لروايتين في صحيحي البخاري ومسلم- والتي تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم في روايات كثيرة أنها ستخرج من المشرق، وأشار في بعض الروايات إلى فتن مبدؤها نجد. ذلك أنه لأول مرة في تاريخ حركات الخوارج تظهر علامة التحليق التي أعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنها ستميزهم. فلأنهم ادّعوا أنهم من أهل السُنة، شاءت إرادة الله تعالى أن يُظهر فيهم تلك العلامة كي نتقين أنهم خوارج آخر الزمان الذين حذّرنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارًا.

أحاديث تنبأت بالوهابية

سبق أن تحدثنا عن فِرق الخوارج القدماء والحكم في تكفيرهم في مبحث فتن الخوارج، ورغم ورود الأحاديث عن أن الخوارج سيخرجون قرنًا بعد آخر، ورغم أن حوادث التاريخ شاهدة على صحة ذلك بظهور الأزارقة والقرامطة وغيرهم من الباطنية ممن أتعبوا المسلمين وولاة أمورهم عبر قرون، بعد ظهور الحروريين –الخوارج الأوائل الذين حاربهم سيدنا علي-، ورغم وجود أحاديث تتكلم عن خوارج يأتون في آخر الزمان، إلا أن هناك من يصر على عدم التفريق بين الأحاديث الموردة لذكر أوائل الخوارج عن أواخرهم ممن بدت علامة أسلافهم لنا في القرن الثاني عشر الهجري، بتحليقهم ومجازرهم، ولمّا انقطع قرنهم ظهر قرن آخر لهم في مطلع القرن العشرين هدموا آثار المسلمين، وذبحوا منهم الآلاف، ثم بعد أن نالوا مرادهم وصارت لهم دولة، ظهر قرن آخر لهم في القرن الحادي والعشرين لم يشهد التاريخ في مثل بشاعته، وأعني الجماعة المسماة "داعش".

كما أنه رغم أن هناك الكثير من الأحاديث التي توضح أن الفتنة ستأتي من المشرق، وتحديدًا من نجد، فهناك من يسهل عليهم تصور أن العراق بالمشرق –وهي كذلك حقيقة لكونها على حد الخط الشرقي للحجاز-، فهو محل الفتنة المعنية! ولكن يصعب على هؤلاء المكابرين تقبل أن الفتنة التي أشار الرسول صلى الله عليه وسلم أنها تأتي من المشرق، تنشأ تحديدًا من نجد حيث رأس الكفر –كما أخبر رسول الله-، رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بعلاماتهم؛ وأن أتباع هذه الطائفة من الخوارج يتيهون من فرط إعجابهم بأنفسهم، وسيماهم التحليق. ومن المفارقات العجيبة أن الرجل الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه يوشك أن يخرج من نسله المارقة، وهو ذو الخويصرة التميمي، من قبيلة محمد بن عبد الوهاب التميمي شيخ الوهابية، وموطنها "حوطة بني تميم" بجوار الرياض.

روى الإمام البخاري في صحيحه جملة أحاديث بأسانيد صحيحة تقول صراحة إن الرسول صلى عليه وسلم ذكر أن الفتنة من قِبل المشرق. على سبيل المثال، الحديث (‏3279) عن عبد الله بن عمر رضي الله ‏عنهما، قال:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير ‏إلى المشرق، فقال: "ها إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن ‏الشيطان".‏ [أطرافه 3104، 3511، 5296، 7092، 7093]‏.

ومثله الأحاديث التي رواها الإمام مسلم في صحيحه، كتاب "الفتن وأشراط الساعة"، باب "الْفِتْنَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ" (7476 -45/2905) و ‏‏(7477 -46/2905) ‏و ‏(7478 -47/2905)‏ و ‏(7479 -48/2905) ‏و ‏(7480 -49/2905).  والحديث (2519 -159/1068) عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِىَّ ‏صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ ‏الْخَوَارِجَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ «قَوْمٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ. ‏يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ».‏ والحديث (2520 -159/1068) أيضًا عن سُلَيْمَانُ ‏الشَّيْبَانِىُّ بإسناد آخر، وَقَالَ: "يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْوَامٌ".‏

وروى البخاري في صحيحه أيضًا، (1037) بسنده عن نافع، عن ابن عمر، قال:‏ "اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا". قال: ‏قالوا: وفي نجدنا؟ قال: قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". ‏قال: قالوا: وفي نجدنا؟ ‏قال: قال: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان".‏

نجدنا!

ونجد هي ما ارتفع من بلاد العرب إلى أرض العراق، وهي هضبة معروفة بجزيرة العرب، ولا توجد أرض عُرفت أو تُعرف إلى يومنا هذا بذلك الاسم غيرها، واليمن والشام ونجد المشار إليهم في الحديث هي الأماكن المعروفة، فهي أعلام وليست صفات؛ حتى يدّعي أحد أن العراق هو نجد أهل المدينة كما يبغبغ الوهابية المحدثون، وليأتِ من يدّعي تلك المقولة بدليل واحد يُثبت أن أهل المدينة كانوا يقولون عن العراق (نجدنا).

وطالما أن الحال قد وصل بالسلفية المعاصرين إلى مثل هذا المستوى من الكذب الوقاح؛ فإنه بالعودة إلى خطوط العرض، فإن خط العرض الذي تقع عليه المدينة المنورة هو 24.46667، وخط العرض الذي تقع عليه الرياض بنجد هو 24.4، فليس للمدينة مشرق مرتفع عن الأرض غير نجد جزيرة العرب التي يعرفها القاصي والداني، وتحديدًا جنوب مدينة الرياض. والمقصود بقرن الشيطان هو ‏جماعته وحزبه. كما أنه لو كان المقصود بفتن نجد ما حدث من أمر مسيلمة الكذاب، ما دعا صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه لليمن بالبركة، ومنها خرج الأسود العنسي، والأهم أن ما كان من أمر الكذابين –مسيلمة والعنسي- لا يُسمى فتنة؛ "إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل". فلم يُفتتن أحد ممن تبعوهما بهما، وكانوا متيقنين من كذبهما، ولكن تبعوهما عصبية؛ حتى لا يُقال إن النبوة في مُضر وحدها.

وفي صحيح البخاري، حديث (‏3302)، عن عقبة بن عمرو أبي مسعود، ‏قال:‏ أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن، ‏فقال: "الإيمان يمان هنا هنا، ألا إن القسوة وغلظ القلوب في ‏الفدادين، عند أصول أذناب ‏الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان، في ربيعة ومضر".‏

و(الفدادين) جمع الفداد وهو الشديد الصوت، من فدا إذا رفع صوته، وهو مشهور عن ‏أصحاب الإبل. ومعلوم أن وفد تميم حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعوا أصواتهم، ونزلت فيهم الآيات الأوائل من سورة الحجرات، وفيها نهي للمؤمنين أن يأتوا فعلهم ‏﴿‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ‏﴾‏ [الحجرات: 2]. ووصف لمن رفعوا أصواتهم من وفد تميم بأن أكثرهم لا يعقلون ‏﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ‏﴾‏ [الحجرات: 4]. ونلاحظ أن هذه الرواية في صحيح البخاري تُثني ولا تُفرد؛ فتقول: "قرنا الشيطان"، وتحدد أن أحد القرنين من ربيعة، والثاني من مُضر، وسنرى بعد مراجعة أنساب أصحاب الفتنة كيف صدقت فيهم الرواية حرفيًا.

وروى البخاري حديث (‏3301)، عن أبي هريرة رضي الله عنه:‏ ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأس الكفر ‏نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل ‏الوبر، والسكينة في أهل ‏الغنم".‏ ‏

والمقصود بـ (نحو المشرق) أي يأتي من جهة المشرق. وهذه الرواية تؤكد أن صفة (الفخر) الإعجاب بالنفس، و(الخيلاء) الكبر ‏واحتقار الغير، التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات الخوارج، متحققة فيهم. و(أهل الوبر) كناية عن سكان الخيام، والوبر شعر الإبل.

صفات خوارج آخر الزمان

من أهم صفات خوارج آخر الزمان التي ذكرتها الأحاديث أنهم "حدثاء الأسنان، ‏سفهاء ‏الأحلام". ‏وحدثاء الأسنان جمع حديث السن وهو الصغير، فإن حداثة السن محل للفساد ‏عادة. وسفهاء الأحلام أي ضعفاء العقول. جمع حلم وهو العقل. ‏والسفهاء جمع سفيه وهو الطائش ‏خفيف العقل. ورءوس الجماعات المتطرفة في عصرنا يبحثون عمن له هذه الصفة من المراهقين والشباب اللاهين ضعيفيّ الثقافة والعقل لاجتذابهم وضمهم إليهم. ويُلاحظ أن ضعاف العقول يثبتون عند المستوى الطفولي الحسي في تصور المفاهيم الدينية، ومنها مفهوم الله، وهو ما يفسر لجوءهم للتشبيه والتجسيم، لعجز عقولهم عن التعامل مع المفاهيم المجردة.‏

‏جاء ذلك الوصف لخوارج آخر الزمان تحديدًا في أحاديث كثيرة، ففي صحيح البخاري (6930) عن عليّ رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا ‏يُجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم ‏فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". ‏ومثله: الأحاديث (3611) و (5057) بصحيح البخاري. وبصحيح مسلم ‏(2511 -154/1066) وسنن أبي داود (4767) ‏وسُنن ‏ابن ماجه (168) وسُنن النسائي (4102) وسُنن الترمذي (2188).‏

ومن صفاتهم النفسية التيه والعُجب بأنفسهم. أما أشهر صفاتهم الشكلية والتي فضحتهم في ابتداء أمرهم فهي التحليق. جاء في صحيح مسلم (2521 -160/1068) ‏عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنِ النَّبِىِّ ‏صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ‏مُحَلَّقَةٌ ‏رُءُوسُهُمْ».

وفي مستدرك الحاكم على الصحيحين (2648) عن أنس ‏رضي الله عنه، أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، وسيجيء قوم ‏يعجبونكم وتعجبهم ‏أنفسهم، الذين يقتلونهم أولى بالله منهم. يُحسنون القيل ويُسيئون الفعل، ‏ويدعون إلى الله وليسوا من ‏الله في شيء، فإذا لقيتموهم فأنيموهم" قالوا: يا رسول الله، انعتهم لنا. ‏قال: "آيتهم الحلق والتسبيت". ‏يعني استئصال التقصير قال: والتسبيت استئصال الشعر. هذا ‏حديث صحيح على شرط الشيخين ‏ولم يخرجاه. وقد روى هذا الحديث الأوزاعي، عن قتادة، عن ‏أنس رضي الله عنه. وروى الحاكم في المستدرك أحاديث أخرى تذكر علامة تحليق الرأس فيهم (2644) ، (2647) ، (2649) ، (2650).

وفي صحيح البخاري (7562) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ‏صلى ‏الله عليه وسلم قال: "يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون ‏من ‏الدين كما يمرق ‏السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فُوقه". قيل: ‏ما ‏سيماهم؟ قال: "سيماهم ‏التحليق -أو قال التسبيد-"‏. ومعنى ‏(سيماهم) علامتهم. و(التحليق) إزالة شعر الرأس. أما (التسبيد) استئصال الشعر.

وفي سنن ابن ماجة (175) ‏عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج قوم في آخر الزمان، أو ‏في هذه الأمة، يقرؤون القرآن لايجاوز تراقيهم أو حلوقهم. سيماهم التحليق. إذا رأيتموهم أو إذا ‏لقيتموهم فاقتلوهم". قال الشيخ الألباني: صحيح.

وأورد الإمام النسائي في "المجتبى من السُنن" حديث (4103) ".................‏ يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم. يقرؤون ‏القرآن لا يجاوز تراقيهم. ‏يمرقون من الإسلام ‏كما يمرق السهم من الرمية. سيماهم التحليق. لا ‏يزالون يخرجون حتى يخرج ‏آخرهم مع المسيح ‏الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق ‏والخليقة".‏

يقول الشيخ زيني دحلان في كتابه "فتنة الوهابية" (ص19): "وكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيها التصريح بهذه الفتنة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم "يخرج أناس من قِبل المشرق، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق". وهذا الحديث جاء بروايات كثيرة بعضها في صحيح البخاري، وبعضها في غيره، لا حاجة لنا إلى الإطالة بنقل تلك الروايات، ولا ذكر من خرَّجها لأنها صحيحة مشهورة، ففي قوله: "سيماهم التحليق" تصريح بهذه الطائفة، لأنهم كانوا يأمرون كل من اتّبعهم أن يحلق رأسه، ولم يكن هذا الوصف لأحد من طوائف الخوارج والمبتدعة الذين كانوا قبل زمن هؤلاء، وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول: لا ‏يُحتاج إلى التأليف في الرد على الوهابية، بل يكفي في الرد عليه قوله صلى الله ‏عليه وسلم "سيماهم التحليق"، فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم. واتفق مرة أن امرأة أقامت الحجة على ابن الوهاب لمّا أكرهوها على اتّباعهم ففعلت، أمرها ابن عبد الوهاب أن تحلق رأسها، فقالت له: حيث أنك تأمر المرأة بحلق رأسها، ينبغي لك أن تأمر الرجل بحلق لحيته، لأن شعر المرأة زينتها، وشعر لحية الرجل زينته، فلم يجد لها جوابًا"أهـ.

ذلك أنهم كانوا يعتبرون باقي المسلمين مشركين، ويعتبرون ديارهم فقط ديار إسلام، وما عداها ديار شرك، متابعين لنافع بن الأزرق الحنفي زعيم الخوارج الأزارقة. وكان الوهابية يأمرون من انضم حديثًا إلى جماعتهم المارقة أن يحلق رأسه باعتباره كان كافرًا وأسلم، ويقولون: "إن شعرًا نبت في غير الإسلام يجب أن يُحلق"، محتجين برواية أخرجها عبد الرزاق وأحمد وأبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم.

كيف شاء الله أن يُفتضحوا؟

روى الإمام أحمد في مسنده، (ج12- 3/415- 15370) حدثنا عبد الرزاق، أنا بن جريج، قال: أُخبرت عن عثيم بن كُليب عن أبيه عن جده، أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت فقال: "ألق عنك شعر الكفر" يقول: احلق. قال: وأخبرني آخر معه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر: "ألق عنك شعر الكفر واختتن". قال الشيخ المحقق حمزة الزين فيه: إسناده ضعيف لانقطاعه، حيث لم يُصرح ابن جريج بالواسطة بينه وبين عُثيم.

والحديث رواه أبو داود في سننه، من طريق عبد الرزاق، في كتاب الطهارة، (باب131/في الرجل يُسلِم فيؤمر بالغُسْل) (356)، قال: حدّثنا مَخْلّد بن خالد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جُريج، قال: أُخبرت عن عُثيم بن كُليب، عن أبيه، عن جده، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أسلمتُ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ألقِ عنك شعر الكُفر". يقول: احْلِق، قال: وأخبرني آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر معه: "ألقِ عنك شعر الكفر واختتن". قال الألباني: حسن.

وهو عند عبد الرزاق أصلًا في مصنفه في (كتاب أهل الكتاب/باب ما يجب على الذي يُسلم)، (ج6/ص10) (9835)، وفي (كتاب أهل الكتابين- باب ما يوجب عليه إذا أسلم وما يؤمر به من الطهور وغيره) (ج10/ ص317) (19224). ورواه البيهقي في سننه الكبرى (1/172-781)، ثم رواه أيضًا في سننه الصغرى (7/304- 2742)، في باب (الختان)، عن أبي علي الروذباري عن أبي بكر بن داسة عن أبي داود، ونقل رواية أبي داود.

وواضح أن الأول كان مختتنُا فأمره النبي بالاستحداد (حلق شعر العانة) فقط، بينما الثاني لم يكن مختتنًا فأمره بالاستحداد والختان. وهو ما يُفسر اقتران حلق الشعر بالختان في الحديث بأن ما قصد إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يُحلق هو شعر العانة، لأن المشركين لم يكونوا يحرصون على حلقه لعدم حرصهم على الطهارة، أما وقد دخل الرجل في الإسلام فوجب عليه أن يتطهر ليلقى ربه طاهرًا في اليوم خمس مرات، ولم يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أمر الصحابة بحلق الرءوس. ولكن الوهابية –وخلافًا للأمة- قد فهموا الرواية على أنها حلق شعر الرأس، وكأن الرسول قد قالها ليفهموها كذلك فيحلقوا رءوسهم فيُفتضحوا وتظهر علامة خوارج آخر الزمان فيهم.

وقد جاء في "الاستذكار" للإمام ابن عبد البر المالكي في كتاب الجهاد (ج14)، باب (ما جاء في السلب في النفل) الأخبار التالية المتعلقة بقصة صبيغ بن عسل والأحنف بن قيس مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:

19837-عن سليمان بن يسار أن رجلًا من بني تميم يُقال له صبيغ بن عسل قدم المدينة، وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه، وقد أعدّ له عراجين النخل، فلمّا دخل عليه، جلس، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فقال عمر: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه، فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجّه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجده في رأسي –يعني الوساوس-.

19838-وقال حمّاد بن زيد: وحدّثنا قطن بن كعب، قال: سمعت رجلًا من بني عجلان، يُقال له: خلاد بن زُرعة يُحدث عن أبيه، قال: لقد رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة، كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحِلق، وكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه، وقالوا: عزمة أمير المؤمنين ألا يُكلم.

19839- وعن قيس بن أبي حازم، أن عمر ‏بن الخطاب كشف عن رأسه –أي رأس صبيغ بن عسل-، فإذا له شعر، فقال: لو وجدته محلوقًا لعاقبتك أشد العقوبة.

19840- قال أبو ‏عمر –ابن عبد البر-: إنما قال ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج "سيماهم التحليق".

19841-وقد عرض للأحنف بن قيس مثل ذلك في كشف رأسه مع عمر بن الخطاب؛ لأنه أعجبه ما سمعه منه من البلاغة والحكمة، فخشي أن يكون من الذين قال فيهم النبي عليه السلام: "أخوف ما أخاف على أمتي، كل منافق عليم اللسان"، فكشف عن رأس الأحنف، فوجده ذا شعر، وأثنى عليه قومه، فسُر بذلك عمر.

19842-قال أبو عمر –ابن عبد البر-: كان صبيغ من الخوارج في مذاهبهم، وكان الأحنف صاحب سُنة وعقل ورأي ودهاء.أهـ.

اعترافهم بفضيحة التحليق وتبريرهم إياه

وقد اعترف الوهابية بفضيحتهم التي أنبأ بها الصادق المصدوق كي لا نُخدع بدعاوى التسنن، ونتيقن أنهم خوارج، فأتوا بعلامتهم قبل أن يُبطلوها بعد أن اشتهرت عنهم وجُرّسوا بسببها. ولكنهم قطعًا لم يعترفوا بكونهم خوارج، وإنما برّروا ما حدث منهم من تحليق.

يذكر عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف في كتابه "دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" (ص ص171-172) "ويُفنِّد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فِرية التحليق، فيقول: وأمّا البحث عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذين دخلوا في ديننا قاتلوا من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدًا، والردة لا تكون إلا بإنكار ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام، وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل إن الحلق مسنون فضلًا عن أن يكون واجبًا، فضلًا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام. ونحن لم نأمر أحدًا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله، وأبى عن توحيد الله. ويوضح الشيخ عبد العزيز بن حمد -سبط الشيخ الإمام ابن عبد الوهاب- في جواب له -مجموعة الرسائل والمسائل 4/578-، بعضًا من أحكام حلق شعر الرأس، ويذكر السبب في حلقه عندهم في بلاد نجد، فقال رحمه الله: فالذي تدل على الأحاديث، النهي عن حلق بعض وترك بعض، فإما تركه كله فلا بأس به، إذا أكرمه الإنسان كما دلّت عليه السُنة النبوية. وأما حديث كليب فهو يدل على الأمر بالحلق عند دخوله في الإسلام إن صحّ الحديث، ولا يدل على أن استمرار حلقه سُنة، وأما تعزير من لم يحلق وأخذ ماله فلا يجوز وينهى فاعله عن ذلك؛ لأن ترك الحلق ليس منهيًا عنه، وإنما نهى عنه ولي الأمر؛ لأن الحلق هو العادة عندنا، ولا يتركه إلا السفهاء عندنا، فنهى عن ذلك نهي تنزيه لا نهي تحريم سدًا للذريعة؛ ولأن كفار زماننا لا يحلقون فصار في عدم الحلق تشبهًا بهم"أهـ.

وأقول: بل اختصّكم الله بفضيحة عيانية، وعلامة ظاهرة، ولم يختص خوارج قبلكم بعلامة عيانية ظاهرة إلا الحرورية الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.

وإن كانت كل سمة يمكن أن تؤول بأنها كانت في غيرهم، فالتحليق تحديدًا لم يظهر إلا فيهم، وتعليل وتبرير ‏مشائخهم بأن التحليق لم يكن معروفًا عند أعدائهم فأمروا به أتباعهم من باب المخالفة بلاهة من الطبيعي ألا يقولها ‏ثم يصدقها إلا من كانوا بالفعل سفهاء أحلام، فهل تحليق الرءوس كان عادة عند أي جماعة صغرت أم كبرت في ‏تاريخ الأرض حتى يُقال: "لأن كفار زماننا لا يحلقون فصار في عدم الحلق تشبهًا بهم"؟!

وادعاؤهم وفقًا لأحد مشائخهم بأن الحلق هو العادة عندهم، ولا يتركه إلا السفهاء كذب وقاح، بل لم يصبح ‏عادة ويتسامع بها القاصي والداني إلا عندما أمر بها ابن عبد الوهاب رأس الكفر.‏

وورد في الكتاب نفسه "دعاوى المناوئين" (ص168) نقلًا عن الشيخ محسن بن عبد الكريم في كتابه "لفحات الوجد عند فعلات أهل نجد، ق 76": "والتحليق الذي صار شعارهم، فلا يقبلون من أحد الدخول فيما هم فيه حتى يحلق رأسه، حتى قال المولى عبد الله بن عيسى في كتابه "السيف الهندي": إنه بلغني أنه حلق ناس من أهل تهامة رؤوسهم على ضوء السراج نحو ستمائة رجل في ليلة واحدة فكيف بالنهار..".

تفاصيل فتنتهم

يقول الشيخ زيني دحلان في "فتنة الوهابية" –يعني فتنتهم الأولى- (ص ص3: 5): "أما فتنة الوهابية، فكان ابتداء القتال فيما بينهم وبين أمير مكة، مولانا الشريف غالب بن مساعد، وهو نائب من جهة السلطنة العليّة على الأقطار الحجازية، وابتداء القتال بينهم وبينه من سنة خمس بعد المائتين والألف، وكان ذلك في مدة سلطنة مولانا السلطان سليم الثالث. وأما ابتداء أول ظهور الوهابية، فكان قبل ذلك بسنين كثيرة. وكانت قوتهم وشوكتهم في بلادهم –يعني نجد- أولًا، ثم كثر شرهم، وتزايد ضررهم، واتسع ملكهم، وقتلوا من الخلائق ما لا يُحصون، واستباحوا أموالهم، وسبوا نساءهم، وكان مؤسس مذهبهم الخبيث محمد بن عبد الوهاب، وأصله من المشرق، من بني تميم. وكان في ابتداء أمره من طلبة العلم بالمدينة المنورة، وكان أبوه رجلًا صالحًا من أهل العلم، وكذا أخوه الشيخ سليمان، وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرّسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما يشاهدونه من أقواله وأفعاله ونزعاته في كثير من المسائل، وكانوا يوبخونه ويحذرون الناس منه، فحقّق الله فراستهم فيه. كان ابتداء ظهور أمره في الشرق سنة 1143هـ، وابتداء انتشاره بعد 1150ه. وألّف العلماء رسائل كثيرة للرد عليه حتى أخوه الشيخ سليمان وبقية مشايخه، وكان ممن قام بنصرته وانتشار دعوته من أمراء المشرق محمد بن سعود أمير الدرعية، وكان من بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، ولمّا مات محمد بن سعود، قام بها ولده عبد العزيز بن محمد بن سعود، وكان كثير من مشايخ ابن عبد الوهاب بالمدينة يقولون: سيَضِلُ هذا أو يُضِل الله به من أبعده ‏وأشقاه، فكان الأمر كذلك، وزعم محمد بن عبد الوهاب أن مراده بهذا المذهب الذي ابتدعه ‏إخلاص التوحيد والتبري من الشرك، وأن الناس كانوا على شرك منذ ستمائة سنة، وأنه جدّد ‏للناس دينهم. وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على أهل التوحيد كقوله تعالى: ‏﴿‏وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ‏‏﴾‏‏ ‏[الأحقاف: 5]، ‏وكقوله تعالى: ‏‏‏﴿‏‏‏وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ‏‏﴾‏‏ [يونس: 106]،‏‏ ‏وكقوله تعالى: ‏‏‏﴿‏‏‏وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم‏‏﴾‏‏ [الرعد: 14]، وأمثال هذه الآيات في ‏القرآن كثيرة"أهـ.

‏وأقول: إذًا فآل سعود من بني حنيفة قوم مسيلمة، ومحمد بن عبد الوهاب شيخهم المتنبي من بني تميم قوم ذي الخويصرة؛ وبهذا اكتملت الخلطة العجيبة اللازمة لخروج المارقة من الدين، فاجتمعت بنو حنيفة مع بني تميم جهة المشرق! وكأنه أشبه بزواج الكذابين مسيلمة الحنفي بسجاح التميمية. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر رأس الكفر التي عند المشرق "حيث يطلع قرنا الشيطان، في ربيعة ومضر"؟! وبنو حنيفة من ربيعة، وتميم من مُضر، وكلاهما يسكنان جنوب الرياض، على هضبة عالية جهة الشرق من المدينة، وعلى خط العرض نفسه.‏

وقد حفظ الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" (ج8، ص652) كلمة للمأمون العباسي قال فيها: "وأما ربيعة فساخطةٌ على الله منذ بعث نبيه من مُضَر؛ ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريًا "أهـ. والشُراة هم الخوارج، ويعني أن نصفهم خوارج.

وفي بداية أمر ابن عبد الوهاب أُخرج عدة مرات، مثل إخراجه من البصرة أو العُيينة بالأحساء، ولكن علا شأنه بعد تحالفه مع أمراء آل سعود، وقد قام الوهابية ومن تحالفوا معه من الأمراء بمجازر في حق المسلمين بمناطق الجزيرة العربية، بدءًا بالتوسع في نجد، ويذكر الرافعي في "عصر محمد علي" (ص123) أن محمد بن عبد الوهاب، بعد أن تُوفي سنة 1206هـ (1792م) "ظلت دعوته تنمو وتضطرد بفضل تأييد عبد العزيز –بن محمد بن سعود- لها، وتنكيله بالقبائل التي لا تدين بها، فامتد نفوذ الوهابيين إلى ولاية البصرة، وزحفوا على كربلاء، مثابة الشيعة، واستولوا عليها سنة 1801م، وأمعنوا في أهلها قتلًا، ونهبوا المدينة، وهدموا مسجد الحسين بن عليّ رضي الله عنهما، وأخذوا ما في قبته من النفائس والجواهر". ثم يتبع الرافعي أنه؛ وكردّ فعل لما أحدثه الوهابيون في كربلاء من الفظائع "جاء الدرعية –عاصمة الوهابية الأولى- شيعي متنكر، واغتال الأمير عبد العزيز، وهو قائم يُصلي العصر، في جامع الدرعية، سنة 1803م، فخلفه ابنه سعود في الإمارة"أهـ. ولم يكن ما فعلوه في كربلاء إلا مثالًا، فقد توسعوا في فتوحاتهم، حتى دخلوا مكة والمدينة، وسرقوا كل ما أهداه الخلفاء والسلاطين والملوك للحجرة النبوية عبر قرون، والأدهى كان تحكمهم في فريضة الحج، ومنعهم القادمين ممن ليسوا على عقيدتهم من أدائها.

وقد حاول عدد من الولاة العثمانيين محاربتهم، كالشريف غالب بن مساعد، شريف مكة، وسليمان باشا والي العراق، ولكن الوهابية دحروهم. ثم قام محمد علي باشا والي مصر بتسيير حملة كبيرة بقيادة ابنه طوسون باشا سنة 1811م، دخلت في معارك كثيرة مع الوهابيين، واستطاع استعادة ينبع والمدينة ومكة والطائف، قبل أن ينقلب الوضع على الجيش المصري عسكريًا، وتنتشر فيه الأمراض بسبب الإعياء، ويضطر محمد علي باشا للسفر بنفسه مع المدد، وحقق الجيش المصري انتصارات، وأمّنوا الحجاز، حتى استطاع المسلمون من كل الجهات أن يؤدوا فريضة الحج الموافقة لعام 1814م، ولكن اضطر محمد علي باشا للعودة إلى مصر سنة 1815م، بسبب مؤامرة كانت تُدبر في غيبته، وتبعه طوسون باشا بشهور، وكانت مساعي الصلح مع الوهابية لم تُفلح. وأعد محمد علي باشا حملة ثانية بقيادة ابنه إبراهيم باشا، وسيّرها إلى جزيرة العرب في سبتمبر 1816م. وانتهى أمر الوهابية بسقوط عاصمتهم الدرعية بيد القوات المصرية التابعة للسلطنة العثمانية بقيادة إبراهيم باشا سنة 1233هـ/سبتمبر 1818م، وقبض على بعض رءوسهم ومعاونيهم، فقُتل بعضهم، وأُسر بعضهم، فقُتلوا بعد ذلك بالقاهرة والاستانة. وانتهت فتنتهم الأولى.

لكن فكرهم التكفيري لم يكن قد استؤصل تمامًا، فعاد ونما كالسرطان، وكان إبراهيم باشا قد أخرب الدرعية خرابًا كليًا، فحاول بعض من بقي من أمرائهم إعادة دولتهم، ولكن جعل عاصمتهم هذه المرة الرياض، وتوسعوا مرة ثانية وقاتلوا أمراء الجزيرة العربية، حتى قامت دولتهم الثانية ثم دالت، ثم مع مطلع القرن العشرين الميلادي –في القرن الثالث عشر الهجري- استعادوا الرياض والمناطق التي فقدوها تباعًا من خلال معارك كثيرة، حتى دانت لهم أغلب مناطق جزيرة العرب، وبعد توطد الأمر لهم ساعد ذلك على نشر مذهبهم. ثم ظهرت الجماعات الإرهابية المنتحلة لهذا الفكر التكفيري كالقاعدة في نهاية القرن العشرين، ثم حلت بنا فتنة ربما لم تمر سابقة عليها في تاريخ الإسلام، وهي فتنة داعش. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

لماذا هم خوارج؟

إن هذه الدعوة المسماة بالسلفية أو الوهابية هي سبب إحياء فكر الخوارج التكفيري في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. وهي أخطر ما تعانيه الأمة في زماننا. فهم خوارج لأنه قد ظهرت فيهم صفة وعلامة التحليق –حتى للنساء-، وهي علامتهم التي ميزتهم عن باقي جماعات الخوارج كما جاء في الحديث الشريف. وهم خوارج لتكفيرهم الناس واستباحة دمائهم، واستباحة أموالهم، مثلما فعلت كل طوائف الخوارج من قبلهم. وهم خوارج لاتهامهم المسلمين بالشرك وتطبيق نصوص القرآن التي نزلت في المشركين والكافرين على المسلمين. وهم خوارج لاعتقادهم أنهم وحدهم الفئة الناجية وتخطئتهم حتى لأئمة السُنة وتبديعهم، ولم يسلم منهم حتى كبار أئمة الحنابلة كابن الجوزي والذهبي. وهم خوارج لمنعهم الحجيج من الوصول إلى بيت الله الحرام وأداء المناسك، وهو فعل القرامطة قديمًا، بل ونهبوا الحجرة النبوية وأخذوا ما فيها من الأموال والجوهر.

وكان الوهابية قد منعوا الحجيج المصري والشامي سبع سنين قبل أن يهزمهم إبراهيم باشا. ويذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي الحنبلي في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" (ج1، ص292) في حوادث سنة 1221هـ "فلما خرج سعود من الدرعية قاصدًا مكة، أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي، ورجاله معه، لهؤلاء الأمراء المذكورين، وذكر لهم أن يمنعوا الحواج التي تأتي من جهة الشام واستنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره عبدالله العظم باشا الشام، فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم إليهم، وأن يرجع إلى أوطانه". وفي حوادث سنة 1223هـ (ص297) يذكر أنه "لم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم حجوا بأمان".

وفي القرن العشرين مُنع الحاج السوري من الوصول إلى مكة سنة 1959هـ، كما مُنع الحجاج اليمنيين على إثر خلافات سياسية، وكذا حدث مع الحجاج الليبيين لسنوات، وأُرجعت الكسوة المرسلة من مصر كهدية للكعبة المشرفة، والتي كانت مصر تقدمها لقرون، كما استأثروا بالإمامة والوعظ في الحرمين الشريفين في مشائخ مذهبهم، وهي سابقة لم يحدث مثلها في تاريخ الإسلام. والأسوأ هو واقعتين قام فيها الجنود بفتح النيران على الحجيج. الأولى ضد الحاج اليماني سنة 1341هـ ‏‏/ 1921م والثانية ضد الحاج الإيراني سنة 1408 هـ/ 1988م.‏

شيخهم المتنبي!‏

كانت العقيدة الأشعرية قد انتشرت في ربوع بلاد الإسلام من المشرق إلى المغرب، ولكن كانت عقيدة ومذهب الحنابلة ‏–والإمام أحمد منها براء- ‏منتشرة في نجد، من القرن التاسع الهجري، محمّلة بأفكار ابن تيمية.

ومن يقرأ للوهابية يفهم مباشرة نظرة محمد بن عبد الوهاب إلى المسلمين في عصره، فممارساتهم بالنسبة إليه كانت شركًا، تستحق منه الجهاد ضدهم واستحلال دمائهم وحرماتهم، فكان يحاربهم ويسمي ما يفعله بهم غزوات، ويسبي نساءهم وأطفالهم. ويبدو أن الرجل من الناحية النفسية كان يرى في نفسه استئهالًا للنبوة، لأن هذا التصور لمجتمعه على أنه المجتمع المسلم الصغير الذي تقابله ديار شرك، لم يوجد سوى في عصر النبوة الأولى، وحتى الخوارج الأوائل كفّروا المسلمين، ولم يُسموا حروبهم معهم غزوات. كما أنه قد أطلق على حركته مسمى "دعوة"! فلأول مرة منذ أن صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الإسلام نجد شخصًا يتزعم فرقة من الفرق يُطلق على ما يعرضه مسمى "دعوة". وكانوا يقولون لمن يتبعهم أنه دخل في ديننا! والعجيب أن الوهابية المحدثين يصدّقون على ذلك التصور، ولا يرون فيه أدنى مبالغة.

كانت دعوة ابن عبد الوهاب تقوم على أساس تكفير جميع المسلمين؛ إذ تتضمن في أغلبها مخالفات ابن تيمية التي ابتدعها ونسبها للسلف وحُبس مرارًا بسببها، وهي: تحريم التوسل بالنبي، وتحريم السفر ‏لزيارة قبر الرسول، وإلغاء الطلاق المحلوف به عند الحنث فيه، وعقيدة حنابلة بغداد التجسيمية لذات الله تعالى بنسبة الجوارح إليه وتحييزه في جهات. كما ابتدع ابن عبد الوهاب بعض المستجدات مما لم يُسبق إليها كمحاربة التصوف وتحريم الاحتفال بالمولد الشريف خلافًا لابن تيمية الذي لم يحرِّمه. قال في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" عند حديثه عن الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام: "إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا". ‏وكان من أول ما يفعلونه الوهابية عند السيطرة على منطقة أو عندما تتحالف معهم هو هدم الأضرحة، -ولا زال هذا دأب السلفية المعاصرين-. وكانت أول قبة قبر هدمها ابن عبد الوهاب قبة قبر زيد بن الخطاب.

وقد كتب من علماء القرن الثاني عشر الهجري ردودًا على الوهابية، منهم أخي محمد بن الوهاب، الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، الذي صنّف رسالة بعنوان "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية".

والوهابيون يرفضون تلك التسمية، ويُحبون أن يُسموا بالسلفية نسبة إلى ما كان عليه السلف الصالح، وقد سبق وناقشنا صحة إطلاق هذا المسمى عند نقد عقيدتهم. ولكن منتقديهم يُصرون على تلك التسمية ويرفضون أن ينسبوهم إلى السلف.

 

أفكار الوهابية

يعدد السيد حسن السقاف في كتابه "السلفية الوهابية.. أفكارها الأساسية وجذورها التاريخية" أهم أفكار الوهابيين السلفيين في الآتي:

1-عقيدة التشبيه والتجسيم في حق الله تعالى.

2-النَصْب: وهو عدم احترام النبي ولا آل بيته، ومناصبتهم العداء ولو بطرق خفية.

3-ادعاء أنهم هم الفرقة الناجية دون بقية المسلمين.

4-الإرهاب الفكري المتمثل برمي المخالفين وبقية الفرق والمذاهب الإسلامية بالشرك والكفر والضلال والبدعة، ومن ثم رفض فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية وتوحيد الجهود. وكمثال: بغض الإمام أبي حنيفة عند السلفيين الوهابيين.

5-محاربتهم للتصوف الإسلامي، ومجالس الذكر والصلاة على النبي والموالد والأولياء، وعليه فإن منهجهم جاف بعيد عن الروحانيات.

6-رفضهم للتأويل، وعدم اعترافهم بأئمة المفسرين وكتب التفاسير، وعدم التفاتهم لأساليب اللغة العربية، كالاستعارة والمجاز والشعر الجاهلي في تفسير القرآن وفهم النصوص الشرعية.

7-عدم رغبتهم بالاستدلال بالقرآن الكريم، وإنما بالحديث والأثر، ويعيبون المستدلين والمهتمين بالقرآن بأنهم قرآنيين.

8-تصحيحهم وتضعيفهم الحديث حسب ما يقتضيه رأيهم ومذهبهم، وتلاعبهم وتحريفهم للحديث، وتناقضهم في ذلك.

9-عدم أخذهم بالإجماع إلا فيما يوافقهم، ولهم تناقضات في هذه المسألة.

10-عدم إيمانهم في القياس في العبادات مع أنهم يستعملون القياس في مسألة قياس الخالق على المخلوق"أهـ.

أما من وجهة نظرهم فهم يعتبرون أنهم لا يقولون كالخوارج بالتكفير بالذنوب، بل هم يكفّرون من فعل المكفِّرات كالشرك بالله، والتي ترجمتها العملية كثير من الأفعال التي قد يقع فيها المسلمون، فالمحصلة واحدة! كما يعتقدون أن ممارساتهم كهدم الأضرحة والقباب كقبور البقيع، وهدم الآثار الإسلامية، كهدم بيت أبي أيوب الأنصاري، ومكان ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وردم بئر الخاتم، وطمس معالم بستان سلمان الفارسي، وكانت به نخلة غرسها الرسول بيده، وغيرها من الآثار، ومنع المسلمين من التوسل والتبرك بالرسل والصالحين أحياءً وأمواتًا، هي دعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم يهدفون إلى إعادتهم إلى التوحيد الخالص، وإلزام الناس بالاعتقاد بصفات الله تعالى –كما فهموها- التي تعبر مثيلاتها لدى البشر عن جوارح، ولا يرون في هذا تشبيهًا ولا تجسيمًا ولا تجزيئًا لا يليق بالله تعالى. وهذا من ضيق نظرتهم وأفقهم، ومحدودية عقولهم. وهذه صفة أساسية فيمن يعتقد تلك العقيدة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وصفهم بأنهم "سفهاء الأحلام"، والحلم هو العقل. وشأنهم في هذا شأن الحروريين الذين كانوا حمقى يسيئون تفسير آيات القرآن كآية ‏‏‏﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾‏‏‏‏ [يوسف: 40]، حتى كفَّروا إمام زمانهم سيدنا علي، رغم أنهم كانوا عبادًا راكعين ساجدين.

ويُعدِّد السيد حسن السقاف في كتابه طرق انتشار السلفية الوهابية في الآتي:‏

1-بث الدعاة المروجين لهذا الفكر، وهم إما خطباء أو أئمة مساجد أو باحثين مستقلين أو مدرسين في الجامعات والمدارس.

2-جمعيات أو جماعات قائمة في العديد من البلدان.

3-نشر الكتب الوهابية وغيرها من الكتب القديمة والحديثة، وترجمتها إلى لغات مختلفة.

4-نشر شرائط الكاسيت الخاصة بدعاتهم.

5-بث الأفكار عن طريق إذاعات وقنوات خاصة.

6-بث الأفكار والجدل عبر الانترنت.

7-وجود أشخاص يُعيّنون دعاة الوهابية السلفية في وظائف دينية، وغيرها.

8-إنشاء جامعات ومدارس شرعية تتبنى هذا الفكر.

أما طرق قمعهم للحوار والنقاش لمن يعارضهم فتتمثل في:

1-الحجر الفكري المتمثل بنظرية هجر المبتدع.

2-استعمالهم الكيد، وبث الإشاعات الكاذبة على مخالفيهم وخصومهم.

3-الشجار والضرب والتخريب والاقتتال.

4-تحريف كتب التراث والنصوص"أهـ.

وأقول: إن من أسوأ ما يقومون به هو تحريف واجتزاء كتب التراث لحذف ما لا يتفق مع عقيدتهم، وللمساعدة على نشرها، حتى لا يشك العامة في تلك العقيدة التي يُدعى لهم أنها عقيدة السلف عندما يقرأون لكبار علماء المسلمين ما يُخالفها. مثل ما فعلوا في كتاب الأذكار للنووي، وحاشية ابن عابدين الحنفي، وحاشية الصاوي على تفسير الجلالين. وحذف كل كلمة تدل على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والتوسل عنده والتشفع به من كتب التراث، مثل قصة العتبي الشهيرة مع الأعرابي الذي قال قصيدة "يا خير من دُفنت بالقاع أعظُمه...."، وغيرها.

إن هذه العقيدة تخرج بالإسلام عن جوهره كدين الرحمة. ولها موقف سلبي من كل ما هو حضاري. فموقفها سلبي من المرأة والكثير من العلوم والفنون الراقية، وتقوم على مخاصمة العقل، ولا تعترف بحرية العقيدة، وقيم المواطنة. وتعادي كل ما عداها، مسلمين وغير مسلمين، وكأنهم قد احتكروا الجنة لأنفسهم. فهي دعوة جاهلية، وإرهاب للآخرين، ليس لها علاقة بالإسلام ولا بالحضارة.

وأخيرًا فإنه كان بإمكاني أن أؤلف كتابًا منفصلًا عن الفتن التي أشاعها السلفية، وما رواه كتاب التاريخ عنها، فهذا غيض من فيض.

وكما أن للتشيع وجهان؛ أحدهما محمود "التشيع العلوي"، والآخر مذموم "التشيع الصفوي"، والذي يقوم على السب والقدح، فلا شك أن للدعوة السلفية أيضًا وجهين؛ أحدهما مذموم، وهو ما يشوِّه الإسلام ويخرج به عن جوهره، والآخر محمود، وهو ما يأمل فيه كل مسلم، بالعودة إلى روح الإسلام وعزه وقوته وقيمه.

وأخيرًا، فأنا لم أكتب ما كتبت لأكفِّرهم مثلما يُكفِّرون من عداهم. ‏قال تعالى: ‏‏‏﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ‏‏﴾‏‏ [الإسراء: 13]. وإعطاء حكم عام على ملايين لأن أشخاصًا ‏قد حلّلوا أو حرموا مرفوض، وما أدرانا أن الذين نتهمهم قد فعلوا المنسوب لجماعتهم، وأنهم واعون بالمعنى الذي نفهمه.‏

وروى الإمام البخاري في صحيحه (391) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ‏صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، ‏فلا تُخفروا الله في ذمته". ونحن لا نُكفر أحدًا من أهل القبلة.

 

 

74-سيدخل بيت أبي سفيان وهو آمن!

74-سيدخل بيت أبي سفيان وهو آمن! 
د/منى زيتون


الأربعاء 31 مايو 2017


يشعرني بعض المسلمين من المتعصبين حين أشاهد ردود أفعالهم الحماسية تجاه بعض الوقائع، أنهم لو عاشوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم، فحتمًا سيُسلمون يوم فتح مكة عندما ترغم أنوفهم، وحتى قبلها بيوم سيظلون معاندين رغم أن الحق لائح؛ لأنه لا سبيل لديهم إلى ترك ما اعتقده آباؤهم، وما نشأوا عليه.
قد يتعجب البعض كيف أتصور أن متعصبًا للإسلام يمكن أن يقف ذلك الموقف المعاكس لو عاش زمن الدعوة، ولكنني أقول إن تكوينه النفسي الذي يحمله اليوم على التعصب لِما يوهم نفسه أنه من لوازم الدين، هو ذاته الذي كان سيجعله متعصبًا ضده، وفي زمرة أبي جهل وأبي لهب، وإن أراد الله به خيرًا فسيدخل بيت أبي سفيان وهو آمن!
أزمة مكبرات الصوت الخارجية في صلاة التراويح
أكتب هذا المقال على خلفية ما يمكن تسميته "أزمة مكبرات الصوت الخارجية في المساجد في صلاة التراويح"، فهي أزمة لأن بعض المتعصبين لم يفوِّت الفرصة ليجعلها تبدو كذلك، على الأقل على صفحات التواصل الاجتماعي.
تم الدعاء على المفتي ورميه بالعظائم، وكأنه قد منع إقامة الصلاة! وتم التباكي على الهوية الإسلامية لمصر، والتي أصبحت مكبرات الصوت علامة على وجودها! وحديث سخيف تم الزج به عن أصوات مكبرات أصوات الأفراح والضوضاء الناتجة عن الزحام وغيرها، والتي نتحملها ‏راضخين، فما ضرّنا لو تحملنا أصوات مكبرات الصوت الخارجية للمساجد في رمضان، حتى نستشعر الأجواء الرمضانية المرتبطة في وجداننا بتلك الأصوات؟ ولم يخل الأمر من توجيه الاتهامات للإخوة الأقباط بأن القرار صدر محاباةً لهم.
ولكن كان أشد ما هال هؤلاء المتعصبون أن يوجد مسلمون يُظهرون تأييدًا لهذا القرار،  فاستخدموا كافة أنواع المغالطات المنطقية مع من علّقوا بتأييد القرار؛ لإقناعهم أنهم مخطئون، وأنهم مطالبون باحتمال الأصوات العالية الصادرة من مكبرات الصوت الخارجية بالمساجد، والتي على علوها لا يكاد السامع يُميز منها شيئًا، وربما نأثم بسببها لعدم إنصاتنا لصوت القرآن إن كان هناك مجال للتمييز، كما أنه لا فائدة منها لمن في البيوت، فلا هم سيصلون الجماعة بإمامة شيخ المسجد، ولا سيتمكنون من أن يخشعوا في صلاتهم عندما يُصلّون فُرادى مع التشوش الذي سيحدث لهم من أصوات المكبرات. وطبعًا لم يفت المتباكون على الهوية أن يلفتوا من يرغبون أداء الصلاة في البيت إلى فضل صلاة الجماعة في المسجد، والذي سيجعل هؤلاء الكسالى أكثر تجاوبًا وخضوعًا لرغبات المهاوييس بالطقوس، الفاشلين في تمييز المقدس من غير المقدس.
فأصوات مكبرات الصوت حق مكتسب لهم. ليس لك الحق أن ترفضه، بل لا يحق لك حتى مجرد إظهار الميل للرأي المخالف، مسلمًا كنت أو مسيحيًا، فهم يعتبرونها دليلًا على الهوية الإسلامية لمصر، وعادة مقدسة غير مسموح بقطعها خاصة في رمضان!
أزمة منع صلاة الجمعة في الزوايا
ذكّرتني تلك الأزمة بأزمة الزوايا، التي حدثت من سنوات، عندما صدر قرار وزير اﻷوقاف إلغاء إقامة صلاة الجمعة في الزوايا والمساجد الصغيرة، وقصرها على الجوامع الكبيرة. وثارت ثائرة نفس القُطعان البشرية التي تُحسبن اليوم على ضياع الإسلام في مصر!
والزوايا –لمن لا يعلم- تعتبر من مبتدعاتنا في مصر، فالمفترض في المسجد أن يكون من أرضه لسمائه؛ أي ألّا يُبنى فوقه. ويمكن التجاوز عن هذا في أمريكا والدول اﻷوروبية وما شابهها، والقبول بأن يكون مبنى مسجد عبارة عن طابق في عمارة سكنية، لكن ما حاجتنا لهذا في مصر؟!
 وما ﻻ يعرفه كثيرون أيضًا أن بداية إنشاء هذه الزوايا في المنازل كان للتهرب من الضريبة العقارية؛ حيث نص القانون على إعفاء المباني التي بها زوايا صغيرة للصلاة من دفع الضريبة، أي أن أغلبها أُقيم للتحايل على أداء حق الدولة وليس ابتغاء مرضاة الله.
 وأيًا كان الغرض من بنائها، فالزاوية هي مجرد مصلى وليست مسجدًا، كما أن رسالة الجوامع أن تجمع المسلمين ﻻ أن تفرقهم بأن يجتمع كل ثلاثين أو أربعين شخصًا في مكان صغير؛ فهذا تفريق للأمة ومخالف لمنهج السلف، الذي يدّعي من يفعلون هذا اﻻقتداء به، وما سُمِّي الجامع جامعًا إﻻ ﻷنه يجمع المسلمين.
ولكنه التعصب قاتله الله. وكم من دواعش بيننا، يتعصبون لما لا يلزم التعصب له، ولو ملكوا لحرمونا الهواء.
التعصب
تعد مشكلة التعصب من أشد المشكلات الاجتماعية تأثيرًا على الإنسان، والتعصب يعني إعطاء أحكام جامدة بالصحة تجاه فكرة ما، كتعصب الإسلاميين لفكرة "الإسلام هو الحل"، الذي اتخذوه شعارًا لهم لفترة طويلة، بينما أثبت لنا الواقع أن الإسلام بالنسبة لهم كان الوسيلة، ولم يكن أبدًا هو الحل!
والتعصب كسمة نفسية يرتبط بسمة عقلية هي الجمود العقلي، وكما هو معروف في أسس علم الاجتماع أنه "يعمي ويصم ويشوه إدراك الواقع"، ويسوق الفرد المتعصب لإعطاء أحكام أو تعميمات ثابتة تجاه قضية أو فكرة أو جماعة أو شخص، دون معرفة كافية ودون دليل! كما أن محاولات مد المتعصب بالمعلومات التي من المفترض منطقيًا أن تجعله يعدل عن حكمه لا تجدي نفعًا! وبالرغم من نقص الدليل على صحة الحكم العقلي فإن المتعصب يلجأ لتبرير حكمه واستخدام المغالطات المنطقية لإظهار صحة استدلاله، الذي وصل فيه للاستنتاج الذي يتفق واتجاه تعصبه، دون فحص المقدمات أو دون وجود للمقدمات! وهذا يذكرني بمقولة قرأتها، جاء فيها "لقد أصبحت عملية فلق الذرة الآن أسهل من عملية القضاء على التعصب".‏
وللاتجاه التعصبي ثلاثة مكونات؛ مكون معرفي ومكون انفعالي ومكون سلوكي. فمعتقدات الشخص يجب أن تتسق مع انفعالاته نحو موضوع التعصب، ويجب أن يكون كلاهما متلائمين مع سلوكه في المواقف التي يظهر فيها تعصبه. فإن كان هناك تعارض بين أي من هذه المكونات والمكونين الآخرين، سيؤول حال الفرد إلى التشكك والاضطراب، حتى ينجح في تعديل المكون المتناقض لإعادة حالة الاتساق.
وقد توصلت أغلب الدراسات إلى أن الاتجاه التعصبي هو اتجاه عام، يظهر لدى الفرد في كل أموره، كما أنه ليست النقطة المحورية هي محتوى اعتقاده، فالمتعصب لفريق كرة قدم لو أدت به الظروف للانتماء لفريق آخر، لتعصب أيضًا لذلك الفريق الآخر!
العادة وكيف تسري في العقل الجمعي المصري
من المعروف عن الشعب المصري ولعهم بالآثار والأنتيكات وكل ما هو قديم، وإذا ما تعلق الأمر بالعادات، فتفكيرك في تغيير إحداها ربما يكون ضربًا من ضروب الخيال والإغراق في الأوهام.
على سبيل المثال فإنه رغم تغلغل الفكر السلفي في مصر منذ عقود، ورغم الفتاوى السنوية بتحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وشم النسيم وغيرها، ففتاواهم يتم الإلقاء بها بجانب صناديق حلوى المولد الفارغة وصفائح الفسيخ.
بمجرد أن تتكون العادة عند المصريين يُصبح اقترابك منها ومحاولة إلغائها دخولًا في عش الدبابير، ولتتحمل ما قد يجره عليك تصرفك. وهم في هذا يفشلون تمامًا في فصل المقدس عن غير المقدس، وربما كانوا في اللاوعي يفصلون، ولكنها الرغبة الملحة لديهم في الحفاظ على عاداتهم، خاصةً إن ارتبطت تلك العادة بهويتهم الدينية التي يفرطون في التعصب لها.
لكن المنطق يقول إنه مهما ارتبط غير المقدس بالمقدس، وصارا أشبه بفنجان القهوة وجريدة الصباح، فالإنسان العاقل يعرف كيف يفصل بينهما، لكن هل للمتعصب ذات السمات العقلية للبشر العقلاء؟!!
سمات تفكير المتعصب
يتسم تفكير المتعصب بسمات أهمها:
تقبله لأوامر السلطة دون إعمال العقل، ولا يستند إلى أسباب موضوعية للحكم. يفتقد المنطق السليم؛ فهو لا يفكر في الأمور بعقلانية واضعًا الهدف نصب عينيه. يفتقد الأمانة العلمية وينتصر لرأي جماعته ولو زورًا حتى لو اضطر للخروج عن جوهر موضوع النقاش. مهتم بأن يكون على حق وليس مهتمًا بالبحث عن الحقيقة. وينقصه المستوى المتطلب من التفكير الناقد، والذي يجعله يضع ‏معاييرًا صحيحة لتقييم ما يُشاع أنه أفضل أو صحيح؛ فهم يستخدمون غالبًا معايير فاسدة متحيزة للحكم بقبول أو رفض الأفكار، ويتأثرون بالبهارج المصاحبة لكثير من الأفكار عديمة القيمة، ويصدقونها دون تمهل، من ثم يسهل شحنهم وتحويلهم إلى متطرفين فكريًا خاصة على المستوى الديني أو السياسي.
عود على بدء
إن رمضان في مخيلة هؤلاء المتعصبين يقترن بأجواء احتفالية صاخبة وأضواء وأصوات، وهو دليل على حب هذا الشعب للشهر الكريم، ولكن هذا الصخب أبعد ما يكون عن جوهر الرسالة الروحانية التي يحملها لنا رمضان!
وأتساءل، هل المسلم الذي أدرك عمق الإيمان وحقيقته والغرض من الشهر الكريم من المفترض أن يمثل له رمضان جلبة وصخبًا يدافع عنه لدرجة التطاول على من يرغب في تخفيف تلك الأجواء؟
هل نحن حقًا فهمنا جوهر الدين؟

73-الشيعة فوبيا

الشيعة فوبيا
د/منى زيتون
السبت 27 مايو 2017م أول رمضان 1438

كان من أهم آثار حدوث الفتنة الكبرى بين المسلمين تصدُع وحدتهم، وانقسامهم إلى حزبين كبيرين، ثم في مرحلة لاحقة ظهر تصنيف السُنة والشيعة، والذي أسهم العباسيون في نحته وبلورته لاحتياجهم إليه لرفع أسهمهم أمام أسهم منافسيهم السياسيين من العلويين، رغم أن ذرية آل البيت لم تكن بالضرورة على عقائد ومذاهب الشيعة.
وطوال التاريخ الإسلامي حدثت من الفتن بين الشيعة والسُنة ما يستحيل إحصاؤها، وكان اختلاف العقائد سببًا رئيسيًا فيها، لا يقل أثره عن الدور الذي لعبه السياسيون والذي تحدثنا عنه في مقال "لعبة الدين والسياسة".

عقيدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كان ولا زال أكبر اضطهاد تجده الشيعة من جانب الطائفة المنسوبة للسُنة التي شطّت عقديًا وفقهيًا حتى وصلت إلى تكفير المخالف، وهي تلك الفرقة من غُلاة الحنابلة التي أصبحت تُطلق على نفسها في العقود الأخيرة اسم السلفية. وكان السبب الرئيسي في إحداثهم الفتن هو تطبيق الحنابلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشقيه الاجتماعي والعقدي باليد؛ فكانوا يطبقونه –ولا زالوا- في الإنكار والاحتساب على عقائد الفرق الأخرى مما أدى لمصادمات عديدة بينهم وبين غيرهم من المسلمين.
قال ابن حزم في "الفِصل" (ج5، ص19): "اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم. ثم اختلفوا في كيفيته"أهـ.
وإن كان الحنابلة كانوا أكثر الفرق التي طبّقت الأمر والنهي باليد، على العكس من رأي الإمام أحمد بن ‏حنبل!، ‏فقد أخذت الشيعة الإمامية في المقابل برأي أبي بكر الأصم المعتزلي –والذي خالف فيه ‏عامة المعتزلة- في ألّا يكون الأمر بالمعروف باليد، إلا إن ظهر الإمام –المهدي- فيجب عليهم ‏سل السيوف معه، رغم أن هذا مخالف لقول وفعل الإمام عليّ في كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن ‏المنكر، والذي كان يرى وجوبه باليد!
وكانت ممارسات الحنابلة في تطبيق الأمر والنهي خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين أشبه بممارسات أرباب العصابات وقُطّاع الطرق، وحكى لنا التاريخ عن جماعات المطوعة التي نشأت أول مرة ببغداد، وكان من أشهرها جماعة عبد الصمد. وكان لأبي محمد الحسين بن علي بن خلف البربهاري الحنبلي، والذي كان قائد الحنابلة بدءًا من سنة 296هـ وحتى وفاته سنة 329هـ، دور في فتن كثيرة رغم شهادة المؤرخين له بحسن الديانة. كان البربهاري أول من طبّق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عقائد الفرق الأخرى بتلك الطريقة الهمجية التي لا تقرب من قريب أو بعيد لنهج الإمام أحمد بن حنبل، والذي كان من أبعد الناس عن العنف وإثارة الفتن رغم كل ما مر به من محنة طويلة. وبسبب البربهاري وجماعات المطوعة حدثت فتن كثيرة ببغداد خاصة، وبمراجعة كتب التاريخ الإسلامي في القرنين الرابع والخامس الهجريين تحديدًا نجدها مليئة بذكر أخبار الملوك والحروب في كل بلاد الإسلام، إضافة إلى ذكر الفتن ببغداد بين الحنابلة والشيعة، وكأنه لا فتن بين العوام على ظهر الأرض إلا ببغداد.
ويذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج 18، ص546-548) في ترجمته لأحد أعلام الحنابلة؛ وهو الشريف أبي جعفر عبد الخالق بن أبي موسى عيسى العباسي ‏الهاشمي، المولود سنة إحدى عشر وأربع مائة، وهو أكبر تلامذة القاضي أبي يعلى "وقال أبو الحسين ابن الفراء: لزمته خمس سنين، وكان إذا بلغه منكر عظم عليه جدًا، وكان شديدًا على المبتدعة، لم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه يقمعونهم، ولا يردهم أحد"، وقال ابن النجار: "كان منقطعًا إلى العبادة ‏وخشونة العيش والصلابة في مذهبه، حتى أفضى ذلك إلى مسارعة العوام إلى ‏إيذاء الناس، وإقامة الفتنة، وسفك الدماء، وسب العلماء فحُبس"أهـ. وأقول: وتراجم الحنابلة مليئة بمثل هذا النموذج مثل إسحق العلثي وعبد الغني المقدسي.
وكان هذا نهج تلك الفرقة أينما كانوا، بل وعُرِف عن عامتهم المسارعة في أذى العلماء والأئمة المخالفين لهم، وكم جرت للوعّاظ، بل لكبار أئمة المسلمين محن بسبب تلك الفرقة، ليس هنا موضع التفصيل فيها.
ولا شك أن بعض عقائد الشيعة الإمامية كانت سببًا في إثارة الفتن، كما أن للحنابلة تحديدًا عقائد لا تقل كارثية وانفرادًا عن باقي المسلمين سُنة وشيعة. وكل فرقة منهما –الشيعة الإمامية والحنابلة- لديها ما تُخطِّيء به الأخرى وفقًا لعقيدتها إن أرادت النبش وإثارة الضغائن؛ لذا ينبغي التنبيه على أن اليد الأولى التي كانت تشعل الفتن كانت في بعضها يد الحنابلة، وفي البعض الآخر يكون إشعال الفتيل بيد الشيعة؛ بالرغم من ذلك كان للحنابلة النصيب الأكبر من إشعال الفتن قياسًا بالإمامية بسبب الخلاف بين الفرقتين في كيفية تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أوضحنا.
أما الشيعة الزيدية فترى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون باليد، ويظهر هذا في مجتمعهم المتحفظ الشديد الانضباط في اليمن، كما يظهر أيضًا في الجهاد ضد الأئمة الجائرين، فهم يوجبونه بالسيف. لكن كان موضع أغلب الفتن القديمة التي حكى عنها مؤرخو الإسلام بين عوام السُنة والشيعة هو بغداد، وكانت تحديدًا بين الحنابلة والإمامية، لكون الزيدية لا يكثرون بالعراق حيث مركز الحنابلة القديم، ولكون عقائد الزيدية لا تثير حفيظة الحنابلة ولا يعدونها بدعًا كما هو الحال بالنسبة لعقائد الإمامية. ولكن مؤخرًا أصاب الزيدية نصيب من فتن الحنابلة الوهابية، حتى دمّروا اليمن، ولنا عودة معها عند الحديث عن المهدي.

أهم أسباب الفتن المنسوبة إلى الشيعة:
بمراجعة أهم ما وقع من فتن في التاريخ الإسلامي القديم والحديث كان الشيعة هم المتسببون فيها نجد أسبابها كلها تدور حول القول بتحريف القرآن وسب الصحابة وإقامة شعائرهم وعدم الولاء للخليفة في زمن الخلافة، كما كانت تنشب الفتن أحيانًا بسبب مغالاة الشيعة في سيدنا عليّ وغيره من أئمتهم. ولم توجد فتن قام بها عوام الشيعة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمحاولة منهم لتغيير سلوكيات السُنة التي يخالفونهم فيها الاعتقاد.
وبالرغم من أن عقيدة الشيعة في صفات الله تعالى تنزيهية أقرب لعقائد عموم أهل السُنة من الأشاعرة والماتريدية، وأن الحنابلة كانت عقيدتهم في الله مثقلة بالتجسيم والتشبيه، فإن التاريخ لا يحكي لنا ولو مرة واحدة أن ذلك قد تسبب في أي من الفتن التي حدثت بين الفرقتين رغم التباين الواسع بينهما في اعتقادهما في صفات الله.
أما فقهيًا فهناك مواطن خلاف صالحة أن تكون سببًا في إثارة الفتن، كإجازة الشيعة الإمامية زواج المتعة. وإن كنت لم أقع على فتنة ذكرها المؤرخون قامت لذلك السبب.

o      التحرش السُني الشيعي بسبب إقامة شعائر خاصة بكلا الطائفتين:
حدثت بين الفرقتين؛ الشيعة الإمامية والحنابلة، مئات الفتن ملأت أسطر كتب المؤرخين ممن دوّنوا تاريخ الإسلام بدءًا من زمن ظهور الحنابلة نهاية العصر العباسي الذهبي. كما حدثت أيضًا فتن بين الشيعة الفاطمية الإسماعيلية مع أهل السُنة في المغرب العربي ومصر والشام.
ذكر الذهبي في "السير" (ج16، ص250)، في ترجمته لعضد الدولة البويهي "أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال"أهـ، حيث يُنسب إلى عضد الدولة اختراع مواسم الشيعة في عاشوراء والغدير، لكن هذه المواسم وإن مرّت على خير في البداية إلا أنها قد تسببت بعد ذلك في اشتعال الفتن مع الحنابلة بدءًا من سنة 363هـ، حتى وصل الأمر أن أظهر السلفية بدعًا مقابلة!!
فبعد سكوت طويل من الحنابلة ببغداد دام عشرة أعوام عمّا اعتبروه بدعة ابتدعها الشيعة في عاشوراء والغدير، قرروا سنة ثلاث وستين وثلاثمائة أن تكون لهم بدعهم الخاصة للتحرش وإثارة الفتن. يذكر ابن كثير في ‏"البداية والنهاية" (ج15، ص344) "فيها -يعني في عاشوراء- عُملت البدعة الشنعاء على ‏عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السُنة والروافض، وكلا الفريقين ‏قليل عقل بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من السُنة أركبوا امرأة ‏وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب ‏علي بن أبي طالب. فقُتل من الفريقين خلق كثير". ويذكرها ابن الأثير في ‏"الكامل" (ج7، ص340)‏ في حوادث تلك السنة -363هـ- أنه "وقعت فتنة عظيمة بين السُنة والشيعة ببغداد، وحمل أهل ‏سوق الطعام -وهم من الحنابلة- امرأة على جمل وسموها عائشة، وسمى بعضهم نفسه ‏طلحة، وبعضهم الزبير، وقاتلوا الفرقة الأخرى، وجعلوا يقولون: نقاتل أصحاب ‏على بن أبي طالب، وأمثال هذا من الشر"‏أهـ.
ومثلما فعل الشيعة الإمامية ببغداد من استحداث الاحتفاء بذكرى كربلاء وعيد الغدير، تابعهم الفاطميون الإسماعيلية في إظهار تلك الشعائر بمصر، فتسببت أيضًا في حدوث اضطرابات وفتن بين العامة من السُنة الذين كانوا غالبين في أهل مصر زمن دخول الفاطميين.
كان المعز الفاطمي قد انتقل للقاهرة سنة 362هـ، وفي 18 ذي الحجة من نفس العام احتفل الشيعة ومن معهم من المغاربة بغدير خُم. ينقل محمد جمال الدين سرور في كتابه "تاريخ الدولة الفاطمية" (ص77) عن المقريزي في "اتعاظ الحنفا" الحوادث المترتبة على إقامة تلك الشعائر التي تكاد أن تقترب من حد الفتن؛ حيث كان يقترن بها في كثير من الأحيان اعتداءات الشيعيين والمغاربة على المصريين السُنة، حتى أن جوهر الصقلي خرج بنفسه ليحول دون تماديهم في الاعتداء على أموال الأهالي في احتفالهم بالغدير (18 ذي الحجة 362هـ)، كما تعطلت حركة الأسواق وقامت القلاقل بسبب اعتداءات الشيعة والمغاربة على من لم يشاركهم من المصريين النوح في مواكبهم في عاشوراء سنة 363هـ.
ولم يكن السُنة المصريون حملانًا وادعة، فقد استحدثوا مكايدة للشيعة في 26 ذي الحجة سنة 362هـ احتفالًا لا أساس له، بذكرى دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم غار ثور هو وأبي بكر الصديق، أثناء رحلة هجرتهما إلى المدينة!!. علمًا بأن رحلة الهجرة بدأت في أواخر صفر، ودخول الرسول وصاحبه المدينة كان في ربيع الأول! ولم يمنعهم الفاطميون من إقامة هذا الاحتفال المزعوم الذي اختاروا موعده مكايدة بين موعديّ احتفال الشيعة بالغدير أواخر ذي الحجة ونواحهم في عاشوراء أوائل المحرم!، وكان لحنابلة بغداد نفس رد الفعل باستحداث نفس المناسبة!
ولم تكن تلك البدع الأولى والأخيرة التي ابتدعها الحنابلة لمناكدة الشيعة، ولو كانوا صادقين ما ابتدعوا ووقعوا في نفس ما يقع فيه الشيعة ويعيبونه عليهم، ولكن كلا الفريقين قليل عقل كما وصفهم صادقًا ابن كثير. وعلى سبيل المثال، يحكي ابن كثير في ‏"البداية والنهاية" (ج15، ص466)‏ أنه –وبعد سنوات من حادثة تمثيلية موقعة الجمل- "في المحرم من سنة 386هـ كشف أهل البصرة –من الحنابلة- عن قبر عتيق، فإذا هم بميت طري، عليه ثيابه وسيفه، فظنوه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه، واتخذوا عند قبره مسجدًا، ووُقفت عليه أوقاف كثيرة، وجُعل عنده خُدام وقُوام وفُرش وتنوير"أهـ. وذكر الخبر ابن الجوزي في "المنتظم".

o       عقيدة الإمامة وسب الصحابة:
أما عن عقيدة الشيعة في الإمامة، يقول الإمام ابن حزم في "الفِصل" (ج4، ص156): "وأما القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا ‏في ولد علي رضي الله عنه فإنهم انقسموا قسمين. فطائفة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصّ على عليّ ‏بن أبي طالب أنه الخليفة بعده، وأن الصحابة بعده عليه السلام اتفقوا على ظلمه، وعلى كتمان ‏نص النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء المسلمون الروافض –يعني الإمامية-، وطائفة قالت لم ينص النبي صلى ‏الله على عليّ لكنه كان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحقهم بالأمر، وهؤلاء هم الزيدية، نُسبوا ‏إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب"أهـ. وأما الشيعة الإسماعيلية فهم أشبه في عقائدهم بالإمامية، ولكنهم يدعون إلى إمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.
فبالنسبة للإمامية تُعتبر عقيدة الإمامة العقيدة الرئيسية التي ينبني عليها مذهبهم، فهم يعتقدون أن إمامة المسلمين في سيدنا علي بن أبي طالب، وأبنائه الاثني عشر المنصوص عليهم من بعده. ومن عداهم ممن يتولى أمر المسلمين هو مغتصب للخلافة، وهم يعتقدون بعصمة الأئمة الاثني عشرية، ويبجلونهم أيما تبجيل، وبالتالي قد يؤدي هذا بكثيرين منهم إلى سبْ الصحابة، كونهم لم ينصروهم وسلبوهم حقهم، وكانت هذه العقيدة المعروفة عنهم سببًا في إثارة كثير من الفتن. فإما أن يسب الشيعة الإمامية الصحابة فتبدأ الفتنة، أو يُسيِّر الحنابلة المداحين والمنشدين والوعاظ لمدحهم والاحتكاك بالشيعة لتشتعل الفتنة. وكثيرًا ما كانت الحنابلة تتشكى وتفتعل الفتن عندما يمدح الشيعة آل البيت، أو يكتبون ذلك على أبواب مساجدهم وبيوتهم، أو ينوحون في عاشوراء على الحسين، أو يحتفلون بذكرى غدير خُم، فيثورون لمنعهم وفقًا لعقيدتهم في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد.
كما حدثت فتن أيضًا بسبب إشاعة الفاطميين سب الصحابة في بعض الفترات، خاصة زمن الحاكم بأمر الله، مثل الذي حكاه المقريزي في "الخطط" (ج2، ص341) في حوادث سنة ‏‏395هـ.
وعلى ذكر الحاكم بأمر الله، والذي غالى فيه بعض أتباعه ودعوا إلى تأليهه، وقتل المصريون أحدهم، بينما دبّر الحاكم لآخر الفرار، وأمره بالمسير إلى الشام، ونشر دعوته في الجبال‏، وأتباعه من الدروز والنُصيرين بها حتى يومنا هذا، فقد اكتشفنا بعد كل هذه القرون، وعلى خلفية الحوادث في سوريا، أن عقيدتهم في تأليه الإمام لا زالت مفعّلة؛ فرأيناهم يجبرون من يُعذبونهم على الإقرار بأن بشّارًا ربهم!

o       القول بتحريف القرآن:
ومن العقائد التي كانت تتسبب في إثارة الفتن –وإن تسببت في فتن قليلة-، قول الإمامية بأن هناك تبديلًا في القرآن الكريم؛ حيث يُنسب للإمامية القول بتحريف القرآن رغم إعلانهم أن اعتقادهم فيه أنه معجزة خالدة لا يقبل التحريف، وأن المذكور بكتبهم القديمة من وقوع التحريف فيه يُقصد به تغيير التأويل وليس تغيير الألفاظ.
وتعتبر أشهر الفتن الناشئة عن تلك العقيدة هي الفتنة الشهيرة ببغداد المسماة بفتنة "مصحف عبد الله بن مسعود"، عندما أحضر الإمامية مصحفًا يختلف عن المصاحف التي بين أيدي المسلمين، وقالوا أنه مصحف عبد الله بن مسعود. وهنا ثارت ثائرة الحنابلة عليهم، لأن في القول بتحريف القرآن –على ظنهم دون تروي- خروج من الإسلام.
لكن حقيقة الأمر أن التلاوة بقراءة ابن مسعود الهذلي التي تخالف المصحف المجموع على عهد الخليفة عثمان بن عفان في بعض الأحرف -كونها بلغة هذيل وليس لغة قريش- قد أثنى عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلا تُسمى تحريفًا للقرآن الكريم. أورد الحاكم في المستدرك على الصحيحين (ج3، 5386/984) قول الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءة ابن مسعود: "إن عبد الله يقرأ القرآن غضًا كما أُنزل". و (5390/988) "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". وهي أحاديث صحيحة الإسناد لم يخرجها الشيخان.
وقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، في فضائل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (114/2462) أن ابن مسعود قال: ‏﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏‏﴾‏‏ [آل عمران: 161]، ثم قال: "على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ فلقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، ولقد علِم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه". ومثل تلك الأحاديث بروايات عديدة مما يثبت صحة القراءة بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه.
قال الإمام النووي في شرحه للحديث في "المنهاج" (ج16، ص16) "معناه أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرقوه كما فعلوا بغيره فامتنع، وقال لأصحابه: غلُّوا مصاحفكم أي اكتموها، ومن يغلُل يأت بما غلّ يوم القيامة، يعني إذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفًا، ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته وأترك مصحفي الذي أخذته من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"أهـ.
لكن رغم أن ابن مسعود كان صحابيًا من السابقين للإسلام، وكان عدلًا لم يطعن به أحد، لكن الخطة التي اختطها زيد بن ثابت في جمع القرآن كانت ثبوت القرآن بالتواتر وليس بنقل الواحد وإن كان عدلًا، وقد استمرت قراءة ابن مسعود بلغة هذيل في العراق حتى زمن الإمام أبي حنيفة وما بعده، كما كان هناك من يقرأ بها في الحجاز حتى زمن الإمام مالك أواخر القرن الثاني الهجري، والآثار في الكتب تثبت هذا. يقول الشريف العوني في "تكفير أهل الشهادتين" (ص126: 128) "كانت هناك صور من اعتقاد زيادة أو نقصان في القرآن الكريم وقعت بعد الجمع العثماني من بعض المسلمين: كخلاف الفقهاء في البسملة، وكإنكار بعض القراءات المتواترة من بعض الأئمة، وهناك صور أخرى: كاستمرار بعض السلف على قراءات تخالف المصحف العثماني (والتي يسمى بعضها بالشاذة: على اصطلاح)، وما وقع من استمرار بعضهم يقرأ بقراءة ابن مسعود المخالفة للمصحف العثماني، حتى زمن الإمام مالك (ت179)، ومع ذلك لم يُكفِّر بشيء من ذلك أحد يُعتد بقوله، مع أن كل هذه الصور من صور اعتقاد التحريف هي مما وقع بعد الجمع العثماني"أهـ.
وكان ابن مسعود قد أقام بالكوفة سنينًا، وانتشرت قراءته بها، كما تسببت كراهية الكوفيين للحجاج بن يوسف في تقديمهم قراءة ابن مسعود التي حاربها الحجاج، على قراءة أبي عبد الرحمن السُلمي التي أخذها عن علي بن أبي طالب!. ولكن القراءتين متوافرتان، فقراءة أبي بكر شعبة بن عياش عن عاصم بن بهدلة أبي النجود شيخ الإقراء بالكوفة عن زر ‏بن حبيش عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وقراءة حفص عن عاصم ‏عن أبي عبدالرحمن السُلمي مقريء الكوفة عن علي رضي الله عنه. وإنكار حرف منهما يكون إنكارًا لبعض القرآن، وليس في إخراج الشيعة لمصحف ابن مسعود ما يستحق حدوث فتنة من قِبل الحنابلة. وقد وقعت أيضًا على فتنة أثارها الحنابلة مع الأشاعرة بسبب استنكارهم قراءتهم بالبسملة!

السلفية وتسافلهم في حق آل البيت عمومًا:
عُرِف عن رؤوس السلفية قبل عوامهم قلة أدبهم مع آل البيت، ومع من يناصرون آل البيت ويصححون فضائلهم من كبار أئمة المسلمين، فالأمر غير مقتصر على مكايدة عوامهم عوام الشيعة. والعجيب أنهم في هذا يُخالفون تمامًا مسلك الإمام أحمد بن حنبل الذي يدّعون أنه إمامهم، فلم يكن ابن حنبل ناصبيًا، وكتابه "فضائل الصحابة" كان لسيدنا عليّ نصيب الأسد منه.

بعض من نالهم أذى السلفية ورُميوا بالتشيع من كبار علماء المسلمين بسبب دفاعهم عن آل البيت:
من أهم أسباب المحنة التي جرت للإمام ابن جرير الطبري، شيخ المفسرين والمؤرخين والعالم بالقراءات ‏والفقيه ‏المجتهد، مع الحنابلة؛ كان تصحيحه لروايات حديث ‏غدير خُم، ‏حتى منعوا دفنه في مقابر المسلمين عندما مات سنة 310هـ.‏
كانت هناك عداوة بين الإمام الطبري وأبو بكر بن أبي داود السجستاني، وكان الأخير شيخًا من شيوخ الحنابلة في وقته، وكان ‏مشهورًا بالنصب وبغض الإمام علي. وقعت العداوة بسبب تصحيح الطبري لحديث غدير خُم؛ والذي كان ابن ‏أبي داود يُكذِّبه في مجالسه ببغداد نكاية في الشيعة، بل ويكتب الأشعار في ذلك، وفقًا لرواية ‏ياقوت في "معجم الأدباء" (ج6، ص2464). ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج14، ‏ص274) في ترجمة الطبري نقلًا عن أبي محمد الفرغاني تلميذ الطبري "ولمّا بلغه –أي الطبري- ‏أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث غدير خُم، عمل كتاب "الفضائل" فبدأ بفضل أبي بكر، ‏ثم عمر، وتكلم على تصحيح حديث غدير خُم، واحتجّ لتصحيحه، ولم يُتم الكتاب". قال الذهبي ‏‏(ج14، ص277)  "جمع –أي الطبري- طرق حديث غدير خُم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، ‏فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك".
‏ويكفي أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني الحنبلي أن ‏أباه الإمام أبا داود قال عنه أنه كذّاب، كما روى الذهبي في "سير ‏أعلام النبلاء" (ج13، ص227-228) في ترجمته، ثم يكفيه البهتان الذي رمى به سيدنا علي بن أبي طالب، وافترى ‏نسبته إلى الزُهري، وكاد يقتله لأجله أمير أصبهان بعد أن شهد عليه الشهود، ثم قولته الشهيرة ‏الفاجرة: إن صحّ حديث الطير –وهو في فضائل علي- فنبوة النبي صلى الله عليه وسلم باطلة!. ونبوة محمد صحيحة ‏صحّ الحديث أو لم يصح. روى القصتين الذهبي في ترجمته في "السير" (ج13، ص229- ‏‏232).

وكذا اُستشهد الإمام النسائي على يد النواصب بالشام، وقيل فيه تشيع لأنه رفض أن يُحدِّث بفضائل معاوية. وموقف مشابه حدث للإمام الحاكم النيسابوري صاحب "المستدرك على الصحيحين" مع ‏الكرامية المجسمة النواصب ببلاد فارس.

ابن تيمية ونصبه في حق آل البيت:
ومن أشهر رؤوس الحنابلة، الذي وإن كان قد تجاوز في حق كثيرين، إلا أن خطأه في حق سيدنا علي والسيدة فاطمة وتحقير شأنهما كان فائضًا، ابن تيمية.
مما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمته لابن تيمية في "الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة" (ج1، ص154: 156) "وقال ‏في حق عليّ أخطأ في سبعة عشر شيئًا، ثم خالف فيها نص الكتاب، منها اعتداد المتوفي عنها ‏زوجها أطول الأجلين.‏ ......... ومنهم من ينسبه إلى النفاق؛ لقوله في عليّ ما تقدم، ولقوله أنه كان مخذولًا حيث ما ‏توجه، وأنه حاول الخلافة مرارًا فلم ينلها، وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله أنه كان يحب الرياسة، وأن ‏عثمان كان يحب المال، ولقوله أبو بكر أسلم شيخًا يدري ما يقول، وعليّ أسلم صبيًا والصبي لا ‏يصح إسلامه على قول، وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل، وقصة أبي العاص ابن الربيع، وما يؤخذ من مفهومها، فإنه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق ‏لقوله صلّى الله عليه وسلّم –لعليّ- ولا يبغضك إلا منافق"أهـ.
وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه "الفتاوى الحديثية" عن ابن تيمية (ص115: 117): "ولم يقنع بسبْ الأحياء، حتى حكم بتكفير الأموات، ولم يكفه التعرض على من تأخر من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الأول، ومن له أعلى المراتب في الفضل. فيا ويح من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة، وهيهات أن لا يناله غضب، وأنىّ له بالسلامة وكنت ممن سمعه وهو على منبر جامع الجبل بالصالحية، وقد ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إن عمر له غلطات وبليات وأي بليات. وأخبر عنه بعض السلف أنه ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مجلس آخر فقال: إن عليًا أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان، فياليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ علي بزعمك كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب،....".
وابن تيمية كذلك يرفع من قدر السيدة عائشة فوق قدر السيدة فاطمة رغم وجود نصوص في حق الأخيرة أنها عليها السلام من كوامل النساء، وهي من أصحاب الكساء الخمسة وفقًا لحديث السيدة أم سلمة، والسيدة عائشة لا شك عالمة، شهد لها الرسول بالعلم، قبل أن يشهد لها الصحابة، ولكنها ليست أرفع قدرًا من واحدة من خير نساء العالمين كما يدّعي ابن تيمية، ولعله كسائر طائفته لا يفعل هذا سوى كيدًا في الشيعة. وكأن لسان حال السلفية كان ولا زال يقول: ليس حبًا في معاوية وإنما بغضًا في علي.

الوهابية والمهدي المنتظر!:
كانت الزيدية دائمًا بمنأى عن أذى الحنابلة، أكثر الفرق الإسلامية تحرشًا بالمخالفين، حتى بعد ظهور الوهابية منهم، ولكن مؤخرًا زاد تحرش الوهابية، خصوصًا بالزيدية، حتى وصل الأمر إلى الكذب في الادّعاء بأن زيدية اليمن جارودية، بينما كل من له علم ولو بسيط بالعقائد يعلم أن الفرع المتبقي من الزيدية هو الهادوية!
وما لا يعلمه كثيرون أن تخوف الوهابية من ظهور المهدي هو سبب تضييقهم الزائد في السنوات الأخيرة على شيعة المنطقة الشرقية، كما أنه سبب شن حربهم على اليمن؛ فمنذ سنوات ظهر باليمن شخص ادّعى أنه المهدي المنتظر، وكثر أتباعه، وهم يشيعون أنه سيملك ويُستخلف بأن تؤخذ له البيعة في الكعبة بين الركن والمقام.
وبغض النظر عن صحة أحاديث المهدي أم لا، فاللافت حقيقةً أن يرفضها الوهابية، وهم الذين يُكفِّرون ويُفسِّقون كل من يناقش متون الأحاديث مقبولة السند!، ولكنها السياسة وفعائلها، والخوف على الكراسي، وكذا كيد عوامهم في الشيعة، وعقولهم أصغر من عقول الأطفال.

أخيرًا، هل الشيعة خارجون عن ملّة الإسلام كما يشيع السلفية؟
هل يستحقون كل هذا التهويل الذي لا يفتر من جانبهم؟
لقد كان ولا زال الشيعة أشبه بالهاجس السلفي، بل ويمكن أن نسميهم صادقين بـ (البُعبُع السلفي)!؛ فكبار من يُسمون بعلماء السلفية حريصون على تصوير الشيعة، خاصة الإمامية، لأتباعهم على أنهم خارجون عن ملة الإسلام، لا يتعبدون كعبادتنا، فلهم صلاتهم وقرآنهم ومناسكهم الخاصة في الحج والعمرة!، والخلاصة أنهم كافرون ورجز يجب النفور منهم وإساءة معاملتهم كسائر المبتدعة والكافرين.
ونظرًا لأنني قد أتيحت لي فرصة مراقبة الشيعة مرارًا وتكرارًا في الحرمين الشريفين فقد تبين لي أن تلك الفرضية السلفية –إن جاز أن تُسمى كذلك- هي فرضية خاطئة تمامًا، فهم يتوضأون مثلنا حتى لو كان تمسيحًا وليس بإسباغ الوضوء، ويصلون كل صلاة بنفس عدد الركعات ونفس الأركان والشروط، حتى لو لم يعتبر بعضهم صلاة الجماعة مع إمام سُني تُجزئهم وغالبًا يعيدونها، ومناسك الحج والعمرة لا يختلفون فيها عنا، ويتناولون بأيديهم المصاحف الموجودة في الحرمين للقراءة منها مثلما نفعل، كما طلبت ذات مرة من حاجة إيرانية كانت تجلس في انتظار إقامة الصلاة بجانبي أن أنظر في مصحفها، والذي كانت كل صفحة فيه بالعربية تقابلها على اليسار صفحة بالفارسية، وقلبّت فيه ولم أجد آية واحدة مختلفة في عينة الآيات التي تخيرتها عشوائيًا، وهذا من فضله سبحانه تعالى ورحمته بهذه الأمة.
ثم أن السلفية يُبالغون في تصوير الأمر على أن كل شيعي هو بالضرورة يسب الصحابة!، وهذا ليس صحيحًا أبدًا، وإن قلتَ ذلك أمام سلفي فستُتهم ولا بد بنقص العقل والسذاجة، وأنك لا تدرك كم يستغفلونك ويستخدمون التقية معك. ورغم عدم اقتناعي بتلك الفرضية السلفية من الأساس، فحتى لو تنزّلنا بأنهم جميعًا يفعلون، فهل أنت مطالب بالبحث عمّا في قلوب الناس أم أن عليك التعامل وفقًا للظاهر؟
ثم أن هؤلاء الغُلاة من الشيعة، والذين لا يجحد عاقل وجودهم، لا يقتلون أحدًا، وما يفعلونه في عاشوراء يؤذون به أنفسهم وحسب، وأقصى ما يسيؤون به هو سب الصحابة، ولم نقرأ عن واحد منهم فجّر نفسه في الآمنين. والحقيقة أن فرقة الغُلاة لدينا نحن معشر السُنة هم الأشد إمرارًا وأذى للبشرية.
ولقد رأينا عبر التاريخ كيف أن الغُلاة منا ومنهم يتصرفون كالأطفال ويكيدون لبعضهم بعضًا. وفي عصرنا الحاضر نرى عوام السلفية على مواقع التواصل الاجتماعي ينطلقون سبًّا كالقطيع ضد كل من ينطق كلمة حق في موقف تاريخي، ويحاول أن ينتصف لآل البيت متهمين إياه بالتشيع، ثم يبدأون في سرد كلماتهم التي يحفظونها دون وعي كالرسائل المسجّلة: زواج متعة- سب صحابة- .........!
كما لا يُفوِّت السلفية فرصة يمكن أن يحشروا فيها اسم إيران إلا وفعلوا، فهي الشيطان الأعظم، وهي سبب كل البلاء على ظهر الأرض، ويصل عدم الحياء مبلغه عندما يُشير بعضهم إلى دور لها في صناعة داعش الذين يتعاملون بفتاوى السلفية، وقال شيخ الإسلام، وقال ابن القيم!
وقريبًا رأينا رد فعل أقل ما يُقال عنه أنه همجي عندما تناول يوسف زيدان صلاح الدين الأيوبي بحديث شكّك فيه من بطولته. ربما أخطأ يوسف زيدان وبالغ كثيرًا عندما وصف صلاح الدين بأنه من أحقر شخصيات التاريخ لمجرد أخطاء ارتكبها كحاكم!، فصلاح الدين لم يكن هولاكو أو هتلر حتى يوصف مثل ذلك الوصف الشنيع.
لكن في المقابل نتساءل عن سبب تقديس السلفية تحديدًا لصلاح الدين حتى حوّلوه إلى نبي غير مصرح بالاقتراب من ذكراه؟ ولم يكلف أي واحد منهم نفسه أن يرجع للمراجع التاريخية العربية التي وثقت لتلك الحقبة، كالكامل والخِطط، مكتفين بنقل ما كتبه مؤرخو الغرب الذين احترموه كقائد عسكري، ولا تعنيهم أحوال المسلمين وكيف عاشوا في ظل الأيوبيين، بينما مؤرخو المسلمين الذين أرّخوا لعصره -بلا استثناء فيما أعلم- نقدوه كحاكم ورووا حكايات عن عدم وفائه مع ابن أستاذه نور الدين محمود، ورفضه الانصياع تحت راية الخلافة العباسية، وتوسعه في ضم الإمارات حتى بعث حملة لضم اليمن ومقاتلة أهلها، فهل كان هناك صليبيون في اليمن؟، وكذا تضييق وزيره قراقوش على العوام، وتخريب وهدم في القاهرة وصل إلى هدم بعض الأهرامات ونقض مكتبة دار الحكمة التي لم تكن فيها كتب الشيعة الإسماعيلية فقط بل كتب في مختلف الصنوف.
وما كان من السلفية إلا أن كبّوا كل ما رواه مؤرخو المسلمين، مع التشكيك في بعضهم، خاصة عمدة المؤرخين المسلمين ابن الأثير، والذي يُعتبر كتابه "الكامل" المرجع الأول للحملات الصليبية على مستوى العالم، وصار من يناقش تاريخ صلاح الدين يقومون عليه كأنه سب نبيًا، فصاروا بذلك كمن يصر أن يُغلق إحدى عينيه ليرى بعين واحدة المنظور الذي يفضله، ويتعامى عن الجانب الآخر مفضلًا إنكار وجوده. الرجل كان سلطانًا، ولم يكن نبيًا، وله حسنات وله في المقابل سيئات، ولم يكن محبوبًا من رعيته خاصة قبل حطين. ما المشكلة أن نقول ذلك؟
وإجابة السؤال عن سبب قدسية صلاح الدين عندهم تظهر من الاتهامات التي لاكوها ليوسف زيدان عندما أطلقوا رعاعهم عليه، فلقد كانت اتهامات أغلبهم ليوسف زيدان تنصب على أنه ولا شك يحقد على صلاح الدين لأنه قضى على الفاطميين! وهذه الاتهامات إشارة لسبب يبدو أننا لم نكن منتبهين إليه لتفسير قدسية هذه الشخصية عندهم، لا يقل لديهم عن استعادة القدس.
ومنذ فترة كتبت تعليقًا تحت مقال تناول الفتنة الكبرى بين المسلمين لافتة إلى ما تغافل عنه كاتب المقال من دور محوري لمروان بن الحكم في حدوثها، وفوجئت بشخص بدا من صورته وصفحته على الفيسبوك أنه سلفي يلفتني إلى أن هذه رواية الشيعة!، فنقلت له من "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي (ج3، ص477) نصًا قصيرًا حمل اتهامًا صريحًا لمروان من الإمام الذهبي، جاء فيه "كان كاتب ابن عمه عثمان، وإليه الخاتم، فخانه، وأجلبوا بسببه على عثمان، ثم نجا هو، وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان، فقَتل طلحة يوم الجمل –اتهام من الذهبي لمروان بأنه هو من قتل سيدنا طلحة-، ونجا لا نُجِّي، ثم ولي المدينة غير مرة لمعاوية. وكان أبوه قد طرده النبي إلى الطائف،......"أهـ. فإذا بهذا السلفي يُصر أن هذا الكتاب لا شك من كتب الشيعة!
فالإمام الذهبي صار شيعيًا، وكتاب "سير أعلام النبلاء" صار من كتب الشيعة، لأن الذهبي طعن في مروان بن الحكم! لأن مروان كما نعلم من بني أمية. ففي عُرف السلفية، يمكن أن يتجاوزوا في حق آل البيت، بل وقد يتسافلوا، لكن لا يُسمح لك بالانتقاص من قدر أتفه شخص في بني أمية ورأس مصائب المسلمين إلى يومنا هذا، بدعوى التوقف عمّا شجر بينهم!، ولو كان المتقدمون قد توقفوا لما رووا لنا مجلدات في التاريخ والتراجم، ثم لماذا يتحتم التوقف عند ذكر مصائب بني أمية تحديدًا؟!
حادثة أخيرة أذكرها للتمثيل، قريبًا وفي ذكرى الشيخ شلتوت شيخ الأزهر رحمه الله، نُشرت على إحدى الصفحات على الفيسبوك فتواه الشهيرة بصلاحية التعبد على المذهب الشيعي الجعفري، وانقسمت تعليقات السلفية الذين دخلوا الصفحة كالقطيع ما بين هجوم متواصل على أدمن الصفحة وكل من حاول تصحيح نسبة الفتوى إلى الشيخ أو سب للشيخ ذاته!
باختصار أقل ما يُقال عن منهجهم أنه منهج عفن، وعفونته تفوح تجاه كل من عداهم، فهم لا يرون مؤمنًا على ظهر الأرض غيرهم لمجرد أنهم تسمّوا باسم السلف مع كل مخالفاتهم الجوهرية لعقيدة وفقه السلف، وأكثر من يلقى منهم الأمرّين هم أهل الكتاب والشيعة.

ماذا يلزم لتفكيك عقيدة السلفية التكفيرية تجاه الشيعة تحديدًا؟
أرى أن أهم الأفكار التي ينبغي التركيز على تكوينها لدى السلفية لتفكيك عقيدتهم التكفيرية تجاه الشيعة هي:
·        من ثبت إيمانه بيقين لا يُكفَّر بشك.
·        الناس تتعامل مع بعضها البعض بطيب مهما كان اعتقادها مختلفًا.
·        الناس تُحاسب بعضها على سلوكها وليس اعتقادها.
·        ليس عليك التفتيش في جوهر اعتقاد الناس.
·        سب الله ورسوله فقط هو ما يُخرج من الملة.
·        سب الصحابة ذنب عظيم، ولكن لا يُقتل فاعله، ولا يُخرج من الملة.
·        أذية الشيعة لأنفسهم وطقوسهم العجيبة في عاشوراء ليست مُخرجة من الملة، وليس لنا دخل بها، طالما لا يؤذوننا.

ولا زالت السلفية تحصد أرواح الشيعة حتى يومنا هذا، كنتيجة منطقية لتكفيرهم، وتأبى أن تتركهم ‏وما يعتقدون. وهم مع هذا لا يستحوون، والدولة التي تتبنى فكرهم العفن لا تتدفق منها الأموال إلا لمحاربة الشيعة، فنراهم يدمرون اليمن تارة، ولو قدروا لحاربوا إيران، وليس مستبعدًا أن تكوين ضمن اتفاقياتهم الأخيرة مع الأمريكان تمويل لعمل عسكري ضدها، وكانوا أهم أسباب تفاقم الكارثة الإنسانية في سوريا، وتحويل ثورة السوريين على حاكم ظالم إلى فتنة طائفية، طبعًا مع عدم إغفال أن جميع الأطراف المتحاربة في سوريا لا يستحق أي فرد منهم مسمى إنسان.

المراجع
أحمد بن حجر شهاب الدين الهيتمي. (د.ت). الفتاوى الحديثية. بيروت: دار المعرفة.
أحمد بن علي بن محمد شهاب الدين المعروف بابن حجر العسقلاني. تحقيق: سالم الكرنكوي الألماني. (1993). الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة. بيروت: دار الجيل.
أحمد بن علي تقي الدين المقريزي. (1987). المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار "المعروف بالخطط المقريزية". ط2. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.
إسماعيل بن عمر بن كثير أبو الفداء القرشي الدمشقي. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي. (1997). البداية والنهاية. القاهرة: دار هجر.‏
حاتم بن عارف العوني (2016). تكفير أهل الشهادتين "موانعه ومناطاته- دراسة تأصيلية"- الطبعة الثانية. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات.
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن زين الدين السَلامي. تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. (2005). ذيل طبقات الحنابلة. الرياض: مكتبة العبيكان.
عبدالرحمن بن علي بن محمد  أبو الفرج ابن الجوزي.‏ تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. (1995). ‏المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.
علي بن أحمد بن حزم أبو محمد الظاهري الأندلسي‏. تحقيق محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة.  الفصل في الملل والأهواء والنحل. بيروت: دار الجيل.
علي بن محمد بن محمد الشيباني أبو الحسن ا‏بن الأثير الجزري. تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق. (1987). الكامل في التاريخ.  ‏بيروت: دار الكتب العلمية.‏
محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق. (1996)‏. سير أعلام النبلاء. ط 11.‏ بيروت: مؤسسة الرسالة.
محمد جمال الدين سرور. (1995). تاريخ الدولة الفاطمية. القاهرة: دار الفكر العربي.
محمد بن عبد الله أبي عبد الله الحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. (2002). المستدرك على الصحيحين. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.
مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. (2008). الجامع الصحيح "المشهور بصحيح مسلم". ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: ألفا للنشر والتوزيع.
ياقوت بن عبد الله شهاب الدين الحموي الرومي. تحقيق: إحسان عباس. (1993). معجم الأدباء "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب". بيروت: دار الغرب الإسلامي.

يحيى بن شرف بن مري محيي الدين النووي. ‏(1929). المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. القاهرة: المطبعة المصرية بالأزهر.