الاثنين، 27 سبتمبر 2021

256-جدود وأحفاد ريّا وسكينة!

 

جدود وأحفاد ريّا وسكينة!

د/ منى زيتون

الأحد 26 سبتمبر 2021

وعلى المثقف، الاثنين 27 سبتمبر 2021

https://www.almothaqaf.com/a/memoir02/958510

 

من أشهر الشخصيات الإجرامية في العالم العربي السفاحتان ريّا وسكينة، وهما شقيقتان قدمتا من صعيد مصر إلى مدينة الإسكندرية، وعملتا بالعديد من الأعمال غير الشريفة، كان آخرها –والتي كانت القاضية- أن كونتا وترأستا عصابة إجرامية تخصصت في خطف وقتل وسرقة النساء، وكان ذلك منذ قرن كامل من الزمان، وفي أواخر ديسمبر 2021 ستحل الذكرى المئوية لحادثة إعدامهما الشهيرة والتي كانت أول حادثة إعدام للنساء تشهدها مصلحة السجون المصرية.

وقد حاولت العديد من الأعمال الفنية تبييض صورتيهما؛ ربما لأن الكُتاب وكثير من الناس لم يستوعبوا أن تُقدم امرأتان على هذه الأفعال الإجرامية طواعية، فمنهم من صورهما ضحيتين لظروف اجتماعية قادتهما للإجرام، ومنهم من تصور أن هناك تهويلًا قد حدث وأن حسب الله زوج ريّا وعبد العال (رفيق) سكينة ومن معهما من الرجال هم من كانوا يقودون العصابة، وأن ريّا وسكينة كانتا فقط شريكتين باعتبار أن العصابة قررت أن تكون الضحايا جميعهن من النساء لسهولة اجتذاب وقتل النساء مقارنة بالرجال. لكن المؤكد وفقًا لما وثقته سجلات تحقيقات الشرطة والنيابة العامة أن هاتين المرأتين لم تجتذبا الضحايا وحسب، بل وهما من كانتا تقمن بكتم أنفاس الضحية بمنديل مبلل بالماء بعد أن تُسقى الضحية خمرًا أو مشروبًا مخدرًا، وكان الرجال يشاركونهما في شل حركة الضحية ثم القيام بالمهام المتبقية وهي مهمة حفر التربة ودفن الضحية، ثم تقوم السفاحتان بتصريف المشغولات الذهبية التي تكونا قد سرقنها من الضحية، ولذا كانتا أول امرأتين استحقتا أن يُنفذ فيهما حكم الإعدام في تاريخ مصر.

وأحد المتفذلكين كان قد نشر منشورًا ذاع صيته لفترة على موقع الفيسبوك، تعاطف فيه معهما حد ادعاء إنهما كانتا مناضلتين تقتلان النساء المتعاونات مع الإنجليز أو اللاتي يقمن علاقات غير شرعية مع الجنود! وذلك دون أن يكلف خاطره قراءة مقالات فكري باشا أباظة عن تلك الجرائم التي عاصرها، أو التحقيق الموسع الذي قام به قسم الحوادث في جريدة الأهرام وقتها، أو يقرأ قصيدة بيرم التونسي التي تصف ما حدث، أو أن يطلع على قائمة أسماء الضحايا التي يمكن إيجادها بسهولة على شبكة الانترنت، وليس فيهن من كانت لها علاقة بجندي إنجليزي إلا واحدة.

ولعل من أغرب ما ذكرته تحقيقات الشرطة والنيابة -ما دفع كثيرين إلى التشكيك فيها- هو ما عُرف عن سكينة من إنها كانت تعيش مع رجل ليس زوجًا لها، وهو عبد العال أحد أفراد العصابة الرئيسيين، كما كانت تعمل في شبابها في الدعارة، وهو غريب كونها امرأة صعيدية، والوضع بالكامل يبدو حقًا غريبًا مريبًا لمن لا يعرف إلى أي جماعة تنتمي هاتين المرأتين.

 

نشأة الباطنية

لمن لا يعرف فإن ريّا وسكينة وحسب الله وعبد العال ومن معهم من باقي أفراد العصابة جميعهم من الخوارج الباطنية، والذين بدأت قصتهم ودعوتهم المبتدعة في مطلع القرن الخامس الهجري بمقدم ثلاثة ممن يحملون أفكارًا ثنوية من بلاد فارس إلى مصر، وكان ذلك في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وهو أحد مجانين التاريخ –كما نعلم- ولكنه ازداد جنونًا عندما أدخل هؤلاء الثلاثة في رأسه إنه إله، فادعى الألوهية، ولم يعجب هذا المصريون، سنتهم وشيعتهم ومسيحيوهم.

ينقل محمد جمال الدين سرور في كتابه "تاريخ الدولة الفاطمية" (ص89-90) ‏عن أبي المحاسن في "النجوم الزاهرة" ما فعله دعاة الحاكم الذين قدموا إلى مصر من بلاد ‏فارس، حمزة بن علي الزورني، والفرغاني المعروف بالأخرم، والبخاري الدُرزي، في أواخر ‏عهد الحاكم، من المغالاة فيه، والدعوة إلى تأليهه، والتي استمرت سرًا من سنة 405هـ، وحتى ‏‏408هـ، حيث كان حمزة بن علي أول من جهر بها سنة 408هـ، واجتمع إليه طائفة من ‏متطرفي الشيعة، ولم تلق تلك الدعوة ترحيب السُنيين والمعتدلين من الشيعة، وأنهم استطاعوا ‏قتل الأخرم، وكادوا يقتلون الدُرزي، ولكن الحاكم دبّر له الفرار، وأمره بالمسير إلى الشام، ‏ونشر دعوته في الجبال، وأتباعه بها هم الدُرزية. وتبع ذلك اختفاء مريب للحاكم، يعتبر ‏سرًا من أسرار التاريخ، لكن بعد أن انتشرت تلك الحركة من مصر إلى بلاد ‏فارس وبلاد الشام.‏

وعلى هذا فالباطنية أو الحشاشون ‏ASSASINs‏ أو الإسماعيلية النزارية –أحيانًا يُقال الإسماعيلية فقط من باب ‏التخفيف- هي طائفة من الخوارج انفصلت عن الشيعة الإسماعيلية الفاطميين في القرن الخامس الهجري، ويُقال إن الهوة بينهم وبين الفاطميين قد وسعت بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله. ‏وتمركزهم الأكبر وأشد البلاء منهم وبهم كان في بلاد فارس. وبالرغم من عدائهم مع الخلافة العباسية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لها في ‏الشرق كالسلاجقة والخوارزميين، وكذا الزنكيين والأيوبيين في بلاد الشام، وعدائهم العقائدي والسياسي مع ‏الفاطميين، إلا أن أحدًا من هؤلاء الملوك والسلاطين لم يستطع استئصالهم بسهولة لأنهم غالبًا ما اتخذوا من الجبال ‏حصونًا لهم. ‏

ويذكر ابن الجوزي عن متقدم أول قلعة تملكها الباطنية في بلاد فارس الحسن بن الصباح أنه كان قد سار إلى مصر، وتلقى من دعاتهم المذهب، وعاد داعية للقوم، ورأسًا فيهم. وكانت أشهر قلاعهم في بلاد فارس قلعة حسن الصباح وقلعة ابن عطاش، وقد نقض هولاكو قلاعهم في بلاد فارس حجرًا حجرًا سنة 655ه، قبل نكبة بغداد بشهور.

وأما في بلاد الشام فكانوا ولا زالوا يُعرفون بشيوخ الجبل، وكان صلاح الدين الأيوبي قد سيّر عسكره سنة 572هـ إلى بلاد الإسماعيلية بجانب حلب، ردًا على محاولتهم قتله مرتين عاميّ 570هـ و 571هـ، فنهب بلدهم، وخرَّبه وأحرقه، وحصر قلعة مصيات، وهي أعظم وأحصن قلاعهم، فنصب عليها المنجنيقات، وضيَّق على من بها. ثم اصطلح مع هؤلاء الباطنية بواسطة الحارمي صاحب حماة، وهو خال صلاح الدين. كما قاتلهم الظاهر بيبرس ورحّل وفرّق أغلب المقيمين منهم بجانب مدينة حلب تحديدًا، وذلك في الفترة التي حارب فيها التتار بعد معركة عين جالوت في النصف الثاني من القرن السابع الهجري.

 

أشهر ما عُرف عن أحوال الباطنية

عُرف عن رجال جماعات الباطنية الحشاشين في بلاد فارس وبلاد الشام استئجارهم في أعمال الاغتيالات السياسية بالخناجر، فيترصدون ويكمنون للضحية ثم يغرزون خنجرهم في ‏جنبه، فيهربون أو يُقتلون‏، ومن أساطير التاريخ غير المؤكدة أن قادتهم كانوا يُعطونهم مخدر الحشيش بكميات ‏كبيرة حتى يدمنوه، ويكون من السهل التأثير عليهم والانقياد لهم لتنفيذ ما يؤمرون به من ‏عمليات. ويمكن لمن أراد الإطلاع على ملخص واسع لأكبر عمليات الاغتيال التي نُسبت لرجال الباطنية في بلاد فارس وبلاد الشام العودة لمقالي "الخوارج".

ولكن البلاء بهم لم يقتصر على اغتيال الكبراء. يصف ابن الأثير في "الكامل" (ج9، ص168) حال عامة الناس بسبب الباطنية، ‏يقول: "كان في أيام السلطان محمد، المقدم عليهم –أي على الباطنية-، والقيِّم بأمرهم، الحسن بن ‏الصباح الرازي، صاحب قلعة الموت، وكانت أيامه قد طالت، وله منذ ملك قلعة الموت ما ‏يُقارب ستًا وعشرين سنة، وكان المجاورون له في أقبح صورة من كثرة غزواته عليهم، وقتله ‏وأسره رجالهم، وسبي نسائهم"أهـ.‏

ويحكي ابن الجوزي في "المنتظم" (ج17، ص63) أول ما عُرف من أحوال الباطنية في بلاد فارس في أيام السلطان ملك شاه، ثم استفحال أمرهم بأصبهان بعد قتلهم الوزير نظام الملك وملك شاه في أواخر القرن الخامس الهجري، قال: "فآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان فيقتلونه ويلقونه في البئر، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله يئسوا منه، وفتش الناس المواضع، فوجدوا امرأة في دار الأزج فوق حصير، فأزالوها فوجدوا تحت الحصير أربعين قتيلًا، فقتلوا المرأة، وأخربوا الدار والمحلة، وكان يجلس رجل ضرير على باب الزقاق الذي فيه الدار، فإذا مرّ به إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق، فإذا حصل هناك جذبه من في الدار واستولوا عليه"أهـ.

ولا خلاف بين كل من وثقوا لحوادث عصابة ريّا وسكينة في مصر على أنها عصابة تخصصت في الخطف والقتل –خطف وقتل النساء تحديدًا- وأنهم كانوا يدفنون ضحاياهم بالحفر في أرضيات المنازل التي كانوا يسكنون فيها، وهي إحدى طرق تخلص الباطنية من ضحاياهم منذ القدم، ولم تُعرف عن غيرهم. وما حكاه ابن الجوزي من حيلة لاجتذاب الضحايا ظل ‏معروفًا عن الباطنية إلى أوائل القرن العشرين، وفي سجلات الشرطة المصرية تحديدًا كثير من الجرائم التي ‏تمت بالأسلوب نفسه، وقد حكت لي عنها جدتي –والتي قضت طفولتها في القاهرة- وأعني هنا حيلة الأعمى والزقاق.

 

الباطنية في مصر

كانت للهجمات العديدة التي تلقاها الباطنية في بلاد الشام أثرها في هجرة جماعة كبيرة منهم إلى مصر، واتجه أغلبهم إلى صعيد مصر حيث توجد الجبال التي اعتادوا الحياة عليها بعيدًا عن باقي الخلائق، ويسميهم أهل الصعيد بـ "الحلبة" نسبة إلى حلب التي قدموا منها، وفي مصر لم يستطيعوا تكوين قلاع وغزو جيرانهم كما كان حالهم في بلاد فارس، فتحول أغلبهم إلى امتهان غيرها من الأعمال القذرة كالدعارة ورقص الغوازي في الموالد والسرقة وخطف النساء وقتلهن بغرض السرقة وخطف الأطفال بغرض التسول بهم، ثم إن جماعة كبيرة من الحلبة توجهوا إلى الإسكندرية تحديدًا في أوائل القرن العشرين، ولأن ما يمتهنون من أعمال عموده النساء، فقد اعتادوا أن تتزعم عصاباتهم النساء. وبعض رجالهم كانوا ولا زالوا كما كان جدودهم يُستأجرون للقتل ويعيشون في جبال الصعيد ويُعرفون بـ "المطاريد".

وفيلم "تمر حنة" يروي في إطار كوميدي قصة حقيقية حدثت في منتصف القرن العشرين في أحد الموالد في محافظة الشرقية في مصر، حيث نرى فيه الراقصة الغزِّية التي تتزعمهم ويريدون استعادتها بالقوة لأنها مصدر دخلهم الرئيسي، ونرى الشاب الباطني الغجري الذي يحبها وهو يترصد محاولًا اغتيال غريمه بالخنجر. وإن كان الفيلم قد أظهر هذه الغزية في صورة امرأة شريفة، وهو ما لا يمت للواقع بأدنى صلة.

وفيلم "العفاريت" من الأفلام التي استحضرت شخصية المعلمة المتخصصة في خطف الأطفال بغرض استخدامهم في التسول.

كما امتهن رجالهم في مصر تجارة الحشيش منذ بدء نشأة جماعتهم في القرون القديمة، والتي تطورت إلى الأنواع المحدثة من المخدرات في النصف الثاني من القرن العشرين. ولا زال بعضهم يعيشون في القاهرة في حي يُعرف بحي الباطنية، والذي كانت نشأته كحي يتمركزون فيه ويبيعون فيه المخدرات. وعُرف عنهم امتلاكهم الكثير من المقاهي الشعبية التي كانت لا تخلو واحدة منها من الحشيش والحشاشين، وبعض نسائهم عُرف عنهن أيضًا الإتجار في المخدرات، وأشهرهن امرأة كانت تُعرف باسم "أم الكِني" لأنها كانت صاحبة مقهى ملحق به وكر (كُن) لتدخين الحشيش لمن يسرف في تعاطيه ولا يستطيع العودة إلى منزله.

ويُقال إن الخديو إسماعيل لما بنى مدينة الإسماعيلية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي عزف المصريون أول الأمر عن سكناها كحالهم مع أي تجمع سكني جديد، ثم كان من أول من انتقل إليها جماعة صغيرة من الباطنية، بعضهم سكن في قلب المدينة، وبعضهم على أطرافها، وبعضهم في قراها. وبالمناسبة فإن اسم مدينة الإسماعيلية المصرية لا علاقة له مطلقًا بالشيعة الإسماعيلية أو الخوارج الباطنية الإسماعيلية النزارية المنشقين عنهم، فقد تسمت المدينة على اسم منشئها الخديو إسماعيل حفيد محمد علي باشا وحسب. وبقايا الباطنية بها حالهم اليوم كحال سائر أفراد الباطنية في باقي المدن المصرية، فمنهم من لا زالوا يسكنون مناطق جدودهم لم يبرحوها ومنهم من فارقوها، ومنهم من لا زاولوا يزاولون أعمال جدودهم الإجرامية القذرة، ومنهم من تاب واحترف أعمالًا شريفة.

فأما من سكنوا منهم مدينة الإسماعيلية فقد احترفوا السرقة، ولا زالت منهم شرذمة على درب جدودهم في السرقة، ويسكنون في منطقتهم القديمة ذاتها، وعندما حل الاستعمار الإنجليزي على مصر وكان معسكرهم على أطراف مدينة الإسماعيلية انتقلت جماعة من الباطنية للسُكنى بجوار معسكر الإنجليز، فرجالهم تعاونوا مع الإنجليز فكانوا يمونونهم بالسلع الغذائية ويدلون على أفراد المقاومة الشعبية، وبناتهم كن يرقصن للجنود، وبعضهن احترفن ضرب الودع، وبقيتهم لا زالت تقطن بجوار المنطقة التي كان فيها معسكر الإنجليز القديم في المنطقة المعروفة باسم "نُفيشة No Feash"، والتي كان الإنجليز لا يسمحون لأصحاب التصاريح من المصريين بالدخول إليها ويقصرونها عليهم، وأغلب الباطنية الباقين فيها اليوم يحترفون التسول، وهم مميزون عن باقي السكان في المنطقة الذين لا ينتمون إليهم.

وأما من تاب الله عليهم، وقطعوا صلاتهم بالماضي التعيس، فبعضهم تفرقوا في البلاد وبين العباد أو اندمجوا مع باقي فئات الشعب عندما تغيرت التركيبة السكانية للمناطق التي يعيشون فيها أو بجوارها، لكن بعض خصالهم السيئة لا زالت لم تنمحي، وتظهر في تعاملهم لمن يعرف عادات وسلوكيات الباطنية، ومنهم جماعة كانت تسكن في منطقة على طرف مدينة الإسماعيلية الآخر ليست ببعيد عن منطقة فلل هيئة قناة السويس، وقد أصبحت هذه المنطقة اليوم في وسط المدينة وتلاصقهم منطقة سكنية من أرقى الأحياء بالإسماعيلية، ولا يفتأ بقايا الباطنية يزعجون سكانها بإلقاء القمامة أمام منازلهم ويضايقونهم بأشكال متنوعة، وإن كان أغلب هؤلاء القوم في تلك المنطقة اليوم يمتهنون مهنًا شريفة بسيطة ومنها فرز وجمع النفايات القابلة للتدوير. وإحدى قرى محافظة الإسماعيلية التي كان الباطنية قد انتقلوا إليها تاب الله عليهم منذ زمن بعيد ووجدوا لأنفسهم مصدرًا حلالًا للرزق فامتلكوا أراضٍ زراعية وصاروا مزارعين، ويتعلمون ويسمحون لبناتهم أن يتعلمن ويعملن أعمالًا حلالًا، لكن لا زالت فيهم عادة الاعتماد على عمل ومال النساء! ورجال هذه الجماعة في الإسماعيلية وغيرها من المدن لا يمتهنون من الأعمال الشريفة –على الأغلب- سوى تلك التي لا يلزمها كد ولا تعب، فيعملون في الغفر وحراسة المساكن، أو يعملون في بعض الحرف يومًا ويرتاحون يومين!

ونظرًا لتضييق السلفية في مصر على إقامة موالد الأولياء وآل البيت، فلم تعد هناك راقصات من الغوازي ينشلن الكُحل من العين، وصار هذا من حكايا الماضي، لذا فقد اقتصر أغلب نشاط الباطنية الإجرامي في العقود الأخيرة على التسول والسرقة والخطف، إضافة إلى الإتجار بالمخدرات. وكنت ولا زلت أعتقد أن بقايا هذه الجماعة الحقيرة هي المسئولة عن أغلب حوادث خطف النساء والأطفال، والتي تنتشر في مصر بأكثر من مثيلاتها في غيرها من البلدان، وأحيانًا ما تنشأ فتنًا طائفية عند اختفاء النساء في الصعيد وغير الصعيد، ويظن أهلهن أنهن هربن مع رجل ليس من دينهن، أو تم خطفهن، بينما غالبًا يكون الحلبة الباطنية هم من قاموا بخطفهن لسرقتهن مثلما كانت تفعل عصابة ريّا وسكينة. ولا أعلم أين أفراد الشرطة من كل هذا!

الخميس، 16 سبتمبر 2021

255-يَا أُخْتَ هَارُونَ

يَا أُخْتَ هَارُونَ

د. منى زيتون

الـخميس 16 سبتمبر 2021

وعلى المثقف ضمن مقال مطول، الجمعة 17 سبتمبر 2021

https://www.almothaqaf.com/a/b6/958267

 

في مقال قريب نُشر منذ شهور بعنوان "القصص القرآني بين العرض المنطقي والعرض السيكولوجي" وعدت بأن تكون لنا عودة مع خواطر عن قصص قرآنية أخرى في مقال آخر.

وحديثنا اليوم مجرد تأملات وخواطر راودت ذهني أثناء قراءتي لكتاب الله ربطتها مع ما أعرف من حقول معرفية أخرى، ولا تتعلق بطريقة سرد القصص مثلما كان الحال في المقال السابق.

يَا أُخْتَ هَارُونَ

في سورة مريم، وفي سياق ما روى لنا الحق تبارك وتعالى عن موقف بني إسرائيل من السيدة مريم ابنة عمران بعد أن ولدت السيد المسيح ‏و﴿َأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾‏ [مريم: 27]، نجدهم يخاطبونها بقولهم: ‏﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ‏28].

ونجد مفسرينا قد اختلفوا بينهم فيمن يكون هارون المقصود في الآية، فتارة هو رجل صالح من بني إسرائيل شبهوها به في صلاحه، وتارة أنه رجل من عشيرتها اسمه هارون -ليس بهارون أخي موسى- كان مشتهرًا بالصلاح. فالأمر عندهم ليس أكثر من أن اسمًا واطأ اسمًا.

وأعتقد أن هذا النفي لأن المعني في الآية هارون النبي أخو موسى الكليم غريب لسببين؛ أولهما: أن المسلمين لا يعرفون هارونًا غيره يستحق أن يُذكر اسمه في كتاب الله، حتى يكون تذكير مريم بصلاحه ذي معنى، بينما المفترض أنها هي من يشهد لها القرآن بالصلاح وأنها المصطفاة على نساء العالمين، وثانيهما: أن هذا النفي يخالف ما يدل عليه لسان العرب؛ فأخو القوم هو الواحد منهم، سواء من أنفسهم أو من مواليهم!

يقول تعالى: ‏﴿‏وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: 65]، [هود: 50]. ‏و ﴿‏وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: 73]، [هود: 61]. ‏و ﴿‏وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: 85]، [هود: 84]. وكان العرب يقولون عند تحية بعضهم بعضًا "عمت صباحًا يا أخا العرب"، فالأخ هو الواحد من الجماعة التي ينتمي إليها، وجميع البشر هم إخوة من آدم.

وبذا فإن المعنى البديهي الذي يتبادر إلى ذهن القارئ لـ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أن مريم من نسل هارون النبي عليه السلام، فيكون المقصود إجمالًا بالآية: "يا سليلة النبي هارون ما هذا الذي اقترفتيه؟" عندما ظنوا بها السوء لما جاءتهم حاملة المسيح عليه السلام وليدًا.

ولمن لا يعلم فإن بني إسرائيل هم أبناء يعقوب النبي عليه السلام، وهم اثنا عشر ولدًا، نال منهم النبوة ابنه يوسف عليه السلام، ثم إن جميع أنبياء بني إسرائيل من بعد يوسف جاءوا من نسل باقي إخوته الأسباط الباقين، ولم يُبعث نبي قط من نسل وسبط يوسف، ولما بعث رب العزة موسى الكليم إلى بني إسرائيل –وموسى من سبط لاوي- انقطعت النبوة في نسل موسى رغم أنه أصل الديانة اليهودية، وجميع أنبياء بني إسرائيل من سبط لاوي من بعد موسى جاءوا من نسل أخيه هارون. أما داود عليه السلام وابنه سليمان فمن سبط يهوذا. ولكن، ما علاقة هذا بالخطاب القرآني للسيدة مريم بـ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾؟

أرى أن لنفي المعنى البدهي بأن السيدة مريم من نسل هارون النبي سببًا رئيسيًا، وهو ما أورده الإمام الطبري في تفسيره قال: "حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نُبئت أن كعبًا –يعني كعب الأحبار- قال: إن قوله ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، قال: فسكتت.".

فكان تفسير كعب الأحبار مصدره الإسرائيليات كما نعلم، وظاهره أنه ينفي أن تكون مريم من نسل هارون فتُنسب إليه لتباعد المدة بين موسى وهارون من جهة وبين مريم والمسيح من الجهة الأخرى، ولكن ما يخفى على كثير من المسلمين أن التوراة –التي بين أيدي الأحبار- تتنبأ أنهم بانتظار الأمير من نسل داود، وليس من نسل هارون.

وقد كان سبط يهوذا دومًا يرون أنهم الأحق بالمُلك والنبوة، من قبل أن يُبعث فيهم داود؛ من ذلك ما رواه الله تعالى عنهم ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: 247]؛ لأن طالوت كان من سبط بنيامين، ولا مُلك فيهم ولا نبوة. وقد وافقت الأناجيل النبوءة التوراتية فذكرت أن السيدة مريم والسيد المسيح من نسل داود، وذلك لعدم مخالفة ما جاء في التوراة وادعاء أن النبوءة قد تحققت في المسيح عليه السلام.

فكأن الله تعالى أراد في هذا الخطاب القرآني ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أن يصحح لنا نسب السيدة مريم، وأنها ليست من نسل داود كما يذكر أهل الكتاب، وإنما هي من نسل هارون، لكن كعب الأحبار أراد أن يوفق بين ما يعرفه من كتب بني إسرائيل وما أُنزل في القرآن، فنفى أن يكون المقصود هارون النبي وهو ما تناقله عنه المسلمون. وزاد على هذا ما رُوي عن المغيرة بن شعبة بأن رسول الله أخبره أنهم كانوا يسمون بأسماء الصالحين منهم، ولكن هذه الرواية لم تكن أساس النفي، ولولا قول كعب الأحبار لكان التشكيك فيها أولى.

وهذا الرأي قد تكون عندي منذ سنوات بعد مراجعتي لما ذكر أهل الكتاب عن نسب السيد المسيح، وسبق لي نشره، وقد وسرني أثناء مراجعة المقالة أنني وجدت له أصلًا يتقوى به –وإن كان ضعيفًا-، ذلك أنني بإعادة مراجعة ما ذكر الإمام الطبري في تفسيره للآية وقعت على كلمة في الختام ذكر فيها الإمام "وقال بعضهم: عنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته لأنها من ولده، يُقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.".

 

الاثنين، 6 سبتمبر 2021

254-الخصوصية والحقوق المنتهكة في عالمنا

 

الخصوصية والحقوق المنتهكة في عالمنا

د/ منى زيتون

الاثنين 6 سبتمبر 2021

وعلى المثقف، الثلاثاء 7 سبتمبر 2021

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/958040

 

في مقال سابق عن السرقة لدى الأطفال تحدثت عن مفاهيم الملكية الخاصة والملكية العامة والتشاركية لدى الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة، والتي قد يؤدي عدم تكونها بشكل صحيح لديه إلى سلوك يشبه ظاهريًا سلوك السرقة لدى البالغين؛ ذلك أن أفكارنا ومعتقداتنا هي المحرك الرئيسي لسلوكياتنا.

واليوم رأيت أن أتوسع في الحديث عن أثر عدم تكون المفاهيم المتعلقة بالملكية والحقوق بشكل سليم لدى الفرد؛ ذلك أن هذا الوضع يكون أبعد أثرًا مما يمكن أن يتصوره الآباء.

 

الترتيب الصحيح لتكوين مفاهيم الملكية

يولد الإنسان متمركزًا حول ذاته وحاجاته، ثم تحوله التربية إلى كائن اجتماعي، وتُكون المفاهيم التي تتجسد من خلالها علاقة هذا الفرد بأفراد مجتمعه.

والواجب أن يبدأ الوالدان والمعلمون بإكساب الطفل مفهوم الملكية الخاصة، ثم بعد أن يعي الطفل جيدًا مفهوم ما له ‏وما للغير يحدث التدرج إلى مفهوم المشاركة، فيفهم الطفل أنه يمكن أن يشارك الآخرين اللعب بألعابهم بإذنهم، ويمكنهم هم أيضًا أن يلعبوا بألعابه إن أذن لهم، كما يتم التوضيح له أن هناك أشياء تكون ملكًا للجميع كالبحر والنهر والشارع أو ‏ملكًا لمجموعة من البشر كالمنزل الذي تمتلكه العائلة، وتوجد به ثلاجة واحدة ولكنها للجميع، ومن حقهم جميعًا استخدامها دون استئذان الباقين.‏

ولكن للأسف يشيع في مجتمعاتنا العربية خطأ في ترتيب بناء هذه المفاهيم منذ الصغر؛ فيسعى الآباء إلى تكوين مفهوم الملكية العامة أولًا تحبيبًا للأطفال في التعاون والتشارك، أو يتسرعون في الانتقال إلى بناء مفهوم الملكية العامة قبل ترسخ مفهوم الملكية الخاصة لدى الطفل، وهو ما يترتب عليه إمكانية تعدي بعضهم على ملكيات غيرهم بوعي أو دون وعي، ويكون هذا في الصغر أو حتى إن بلغوا مبلغ الراشدين.

كما أن هناك إشكالية لدى كثيرين في اكتساب مفهوم تغير الملكية وتدوير الموارد، ومنشأه  ومبدأه يكون أيضًا منذ مرحلة الطفولة المبكرة.

ويتصل مفهوم الملكية بشكل مباشر بمفهوم الحق والواجب؛ فالحقوق والواجبات إن لم تترتب على مفهوم الملكية ماديًا ترتبت عليه معنويًا.

ويمكن استخدام الألعاب لتعليم الأطفال مفاهيم الملكية، كما أن لعبة الورق المعروفة في مصر بـ "الشايب" يمكن أن تسهم في تعليمهم مفهوم تغير الملكية، وأن ما هو ملكي الآن يمكن ألا يكون لي بعد لحظات، وهو ما يلزمني تقبله.

 

الآثار النفسية والاجتماعية السيئة لعدم تكون مفاهيم الملكية والحقوق بشكل صحيح

أزعم أن مسببًا رئيسيًا لأغلب المشاكل التي يعانيها البشر هو أن هناك فئة كبيرة منهم لم تتعلم كيف تضع حدودًا واضحة بينها وبين الآخرين، وأن تعي ما لها وما للآخرين؛ ومن ثم فإن سلوكياتهم تأتي معيبة تنتهك حقوق الآخرين، وهذا الانتهاك قد يقع بالقول أو الفعل أو حتى بالتمني.

وجميع أمراض القلوب من حسد وحقد وعين هي ثمار فاسدة لتكون مفاهيم الملكية بشكل غير سليم، فصاحبها لم يعتد منذ صغره على أن هذه لي وهذه لفلان وهذه لعلان، فيستشعر نعم الله عليه ولا يصوب سهام عينيه إلى ما لغيره. لم تتم تربيتهم على أن ما ليس لي من نعمة وقد أنعم الله بها على غيري يلزمني غض النظر عنها، وأن أفرح لصاحبها، لا أن أنظر له فيها متمنيًا أن تكون لي لا له.

وكثير من المشاكل الزوجية يكون سببها نقص وعي كلا الزوجين أو أحدهما بحقوقه وواجباته أو تطلع أحدهما –خاصة الزوجة- لما في يد غيرها من نساء وكثرة مطالبتها للزوج بما يفوق قدراته المادية.

كما أن الاتكالية والاعتمادية على الآخرين هما التطبيق السلوكي لمفهوم الحقوق والواجبات المشوه في أذهان الاعتماديين.

كذلك فإن بعض الجرائم كالاغتصاب والتحرش والسرقة هي نتاج مفاهيم الملكية والحقوق المشوهة، وحتى بعض الجرائم المستحدثة كالتجسس الالكتروني وسرقة حسابات الأفراد على المواقع الالكترونية هي ثمرة لعدم احترام الخصوصية والملكية.

حتى بلغنا مبلغًا أن نظام الدولة ذاته يتعدى على الملكيات الخاصة للمواطنين في شكل قوانين وإجراءات إدارية من نوعية إجبار المالك على استمرارية عقد الإيجار القديم وتوريثه، وتقسيم موظفي الشهر العقاري حصص وحدات البناء في الأرض للمشتريين بخلاف ما باع لهم المالك! والتأميم ومصادرة الدولة لأموال فئات من الشعب للاختلاف الفكري ودون جناية حقيقية، أو حتى لغيرها من الأسباب بغرض جمع المال منهم، وغيرها من القرارات الحكومية التي يكثر صدورها عن المسئولين في الأنظمة الظالمة عبر التاريخ، والتي كثرت في السنوات الأخيرة في مصر في عهد السيسي.

وجميع هذه القرارات النظامية التي تُنفذ فتتحول إلى سلوكيات تعبر –غالبًا- عن رغبة ذلك المسئول في الاستحواذ على أي شيء يرغبه وبأي وسيلة، توجد عادة لدى من لم يتكون لديه مفهوم الملكية بشكل صحيح منذ الطفولة المبكرة. وأنا هنا لا أعني السيسي شخصيًا بحديثي، فتحليلي لشخصيته أن دافعه لما يفعل من مصادرات وهدم وغيره هو سوء إدارة وعدم ترتيب الأولويات، فهو إنسان فاشل إداريًا كثير الاستخدام للتبرير كحيلة دفاعية.

والأهم -من وجهة نظري- أن أمثال هذه السلوكيات التي تقوم بها الدولة تعديًا على الملكيات الخاصة تجد تعاطفًا من فئة غير قليلة من الشعب –من غير المتضررين منها- ما يدل على أن هؤلاء لم تتكون لديهم مفاهيم الملكية في الصغر بشكل صحيح.

وبإمكاني أيضًا أن أزعم إنه حتى المشاكل بين الدول سببها الرئيسي هو انتهاك الخصوصية وعدم احترام ملكيات الآخرين وافتقاد الإدراك السليم للحقوق والواجبات، والتي تتجسد في سلوكيات طامعة فيما لدى الغير من أراضٍ أو أنهار أو حقول بترول أو غاز وغيرها من الموارد والثروات الطبيعية، أو تدخل في قرارات الدول الأخرى ومحاولة فرض نظم عميلة في تلك الدول.

 

إحراج صاحب الحق عن المطالبة بحقه

من أحقر أنواع البشر؛ الأغنياء الذين يماطلون غيرهم من الأغنياء في سداد حقوقهم، بدعوى إنهم ليسوا بحاجتها، وربما ودوا أن تعاملهم كغارمين!

وأغلب من ينتمون إلى هذه النوعية نراهم مانعين للزكاة؛ بما يعني أنهم يحرمون الفقراء من نصيبهم في مال الله الذي آتاهم، كما يريدون أن يأخذوا حصة من مال زكاة وصدقات غيرهم!

وعن نفسي أشجع أي شخص له مال يستحق الأداء عند هذه النوعية من البشر أن يطلبها ولا يستحي، لأنهم يستغلون حياء الأتقياء.

ومن أكثر ما يسوء وجود خطأ تفكير من نوعية جديدة مبتكرة بتدخل قليلي العقل في النقاش بعبارات يوجهونها إلى صاحب الحق من أمثال "وهل أنت بحاجته؟" أو "لو تريد أعطك من جيبي!" وكأن صاحب الحق يشحذ! وهل الحق يُطلب لأنك بحاجته أم لأنه حقك؟! وهذا الخلل المفاهيمي الواضح يسمح للمحتالين أن يزيدوا أعداد ضحاياهم. وقد انتشر هذا الوباء في السنوات الأخيرة في قُرى محافظة الشرقية من مصر، وقد سمعت به مرة في جلسة توزيع ميراث لبعض أنسابنا انفضت بلا توزيع، ومرة أخرى في حوار حول قضية مرفوعة أمام المحكمة لاسترداد بعض الحقوق.

وتتعدد الحيل التي يستخدمها العرب لعدم أداء الحقوق وتلك التي تُستخدم لإحراج أصحابها عن المطالبة بها. أحد أصدقاء الفيسبوك في بلد عربي روى لي عن ضمانه لأحد أقربائه في تسلف مال كثير، ولم يكن المضمون أهلًا للثقة، فلم يعد المال إلى صاحبه، ما جعل الصديق الضامن يؤدي عنه المال، ثم رأى الضامن المحتال يحمل سجادًا إلى المسجد في رمضان، وكأن صاحب الحق إن طلب حقه سيمنع المنحة عن المسجد!

وكم سمعنا عن صاحب عمل في دولة خليجية لا يعطي العامل عنده أجره رغم علمه بشدة احتياجه إليه هو وأهله في مصر، ونسمع فوق ذلك عمن يسانده ولا يجعله يرعوي.

 

الفضول القاتل!

وهنا أجدني راغبة في الحديث عن شأن شخصي يتعلق بمسألة الخصوصية؛ فبعض من لا يعرفني قد يظن من خلال الحالات التي أعرضها في مقالاتي الاجتماعية أنني شخصية فضولية ولا شك، وإلا من أين أعرف كل هذه الحالات! بينما الحقيقة عكس ذلك تمامًا فأنا لا أسأل حتى أقرب المقربين عن أي شيء خاص بهم، فإن أرادوا هم أن يحكوا لأخذ المشورة أو حتى بغرض الفضفضة فأنا موجودة. وأحمد الله على هذه النعمة لأن هناك صنفًا من البشر من ذوي الأنوف الطويلة، وسأسمح لنفسي أن أروي حكاية عن واحدة منهم.

في السنة النهائية من دراستي الجامعية كان هناك معيد حديث التخرج يحاول التقرب من إحدى صديقاتي، حتى أنه تعرف إلى والدها عمدًا؛ حيث كان والدها يحضر بسيارته إلى الجامعة عصر كل يوم مع موعد إغلاق مكتبة الكلية لاصطحابها إلى المنزل، فتعرف إليه ذات مرة ثم كان كثيرًا ما يأتي ليسلم عليه.

 وذات يوم وجدت صديقتي هذه عابسة ووجهها يوحي بأنها في أشد درجات الضيق، وفاجأتني بأن طالبة لا تكاد تعرفها في قسم آخر سألتها إن كان هذا المعيد –الذي أصبح زوجها فيما بعد- طلبها للزواج من والدها! وربما كنت أنا قد فوجئت أكثر من صديقتي بهذا السؤال الوقح، فقلت لها: من هذه لتسألك إن كنت أنا نفسي لم أسألك؟! هنا وجدت ردًا صادمًا من صديقتي عندما قالت لي: لا، أنتِ كان المفروض أن تسألي. فرددت عليها قائلة: لو كان لديكِ ما تريدين أن تقصيه لقلتيه من تلقاء نفسك دون تطفل مني.

 

هل الوقت متأخر للتصحيح في الكبر؟

في عصر لم يعد يعبأ فيه كثير من الناس بأن تكون لهم خصوصية، فنجد بعضهم يشتركون فيما يسمى برامج تليفزيون الحياة، وكثيرون يفتتحون قنوات على موقع اليوتيوب يسجلون فيها يومياتهم التي تدور في بيوتهم وبين أهليهم متيحين للغرباء أن يطلعوا عليها، أصبح حديث أمثالي عن الخصوصية والحدود اللائقة بين البشر حديثًا غريبًا لدى أمثال هؤلاء، لكن نحمد الله أن هذا ليس وصف الحال بالنسبة للأغلب الأعم من البشر.

وكما أخبرنا رسولنا عليه الصلاة والسلام أنه "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، فقد أبلغنا أن "الدين النصيحة"، ولكن الإشكالية هي التمييز بين النصيحة والحشرية.

وقد يكون السبب الرئيسي لنقص التمييز هذا أن هناك من ينحشر في شئون خاصة تتعلق بغيره ظانًا منه أنه يسدي نصيحة لأنه يظن رأيه حقيقة، ويريد حمل صاحبه عليه نصحًا له!

وإن كنا نقول إن التربية تبدأ من الصغر، وأن تكون مفاهيم الملكية والتمييز بين العام والخاص بشكل سليم لدى فرد يعني أنه تلقى تربية جيدة وأننا أمام إنسان صالح، فإنه من الضروري أيضًا أن نقرر أن الوقت ليس متأخرًا أبدًا لتصحيح المفاهيم لدى أي إنسان لم ينل حظه من تلك التربية الجيدة في الصغر، وكما قال نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام: "إنما العلم بالتعلم"، واكتساب المفاهيم علم، واكتساب السلوك عادة، والمجتهد من يستمر في تنمية ذاته طالما فيه قلب ينبض.

 

 

السبت، 28 أغسطس 2021

253-أخطاء التفكير على مواقع التواصل الاجتماعي

 

أخطاء التفكير على مواقع التواصل الاجتماعي

د/ منى زيتون

الجمعة 27 أغسطس 2021

وعلى المثقف، الأحد 29 أغسطس 2021

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/957847

 

في كتابي "مهارات التواصل الاجتماعي" كنت قد كتبت مقالًا بعنوان "أخطاء التفكير"، تناولت فيه بالشرح المبسط بعض الميكانيزمات العقلية (إلقاء اللوم على الآخرين،‏ وعدم التفريق بين الحقائق والآراء، والتعميم الزائد، وتشويه الحقائق) والتي تقف وراء تشكل كثير من الأفكار والاعتقادات الخاطئة في البنية المعرفية للأفراد، ومن ثم ظهور السلوكيات المُشكِلة التي تسبب الأذى للفرد أو لغيره من أفراد المجتمع.

وفي هذا المقال سأحاول إعطاء شرحًا مبسطًا لمجموعة أخرى من أخطاء التفكير التي ينتشر استخدام أغلبها بين العرب، وتحديدًا بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تجمعت لدي من خلال ملاحظات وتجارب اجتماعية قمت بها بنفسي في السنوات الأخيرة.

وبدايةً فإنني أعرف أخطاء التفكير بأنها الطريقة التي يُفكر بها الإنسان وتتسبب في تكون اعتقادات وأفكار خاطئة، تدفعه إلى التفاعل الاجتماعي بشكل خاطئ.

 


حوار البراغيث؛ عندما أحدثك عن (أ) فتقفز إلى (ب)!

حتى عهد قريب كان هناك نوعان من القرّاء؛ نوع يختار ما يقرأ من خلال اسم الكاتب، وقارئ مبتدئ يقرأ من المقالات ما يعجبه عناوينها، ولكن تدهور بنا الحال حتى وصلنا إلى قارئ يكتفي بقراءة العنوان!

كثير من العرب المعاصرين يكتفون بما يمكن وصفه بـ "ثقافة العناوين"، فيتصورون أنهم فهموا ما يريد الكاتب قوله في مقاله من خلال العنوان وحسب! ثم هم بعد ذلك -ولأنهم لا يقرأون ما كُتب- يكونون انطباعًا عمّا يتصوروه مكتوبًا بالمقال، ثم يعلقون -على وسائل التواصل الاجتماعي- بناءً على تصورهم وانطباعهم لا عن حقيقة ما في المقال!

وحُق لي أن أستغرب من رغبة كثيرين عن القراءة ورغبتهم المعاكسة في التعليق! فهم لا يفوتون منشورًا دون أن يعلقوا عليه، وكأن موقع الفيسبوك يعطيهم مالًا نظيرًا للتعليقات!

وبعض القراء يكتفي بقراءة جزء من المقال، وأحيانًا جزء من السلسلة، فهناك مقالات تكون مطولة بحيث تتم تجزئة كل منها للنشر في سلسلة، مع التنويه الدائم من الكاتب على أن الأجزاء التالية من المقال ستتناول كيت وكيت، ومع بداية كل جزء جديد ينوه على أنه سبق أن تحدثنا في الجزء (أ) عن كذا وفي الجزء (ب) عن كذا، ولكن هيهات أن يتفاعل هؤلاء القراء بالتعليق المناسب تحت المحتوى المنشور في كل جزء من السلسلة؛ فأجدني أتحدث عن (أ) لأُناقش في (ب) و (ج) و (د)! وهي الأجزاء التي لم تُنشر بعد، أو أجد تعليقًا تحت جزء (ج) يسأل عن محتوى جزء (أ) ومن الواضح أن من كتب التعليق لم يقرأ هذا الجزء القديم رغم التنويه عن الأجزاء السابقة في بداية المقال الجديد، وأحيانًا مع وضع رابطها!

وهذا أسلوب تفكير عجيب غير منظم يذكرني بنوع من الحلوى المصرية المعروفة بالمشبك، حيث يتم صب العجين بأسلوب عشوائي يجعل القطعة الواحدة تتشابك جميع أجزائها بطريقة معقدة متداخلة يستحيل فصلها إلا بتهشيمها!

وكمثال ليتضح الأمر، فمن الشائع بالنسبة لي عند مناقشة من يؤمنون بنظرية التطور أنني عندما أتحدث عن المغالطات المنطقية المستخدمة في شرح نظرية التطور يحولون الحديث إلى الحفريات، وعندما يأتي دور الحفريات يتركون ردي عليهم لينقلونا إلى الحديث عن نماذج تراكمية تطورية أو غيرها! ولهذا فقد عزفت منذ زمن عن النقاش معهم، وصرت أكتب فقط ردودًا على ما يطرحونه، لأنه ليس من المنطقي أن أكتب في (أ) لأتناقش في (غ)، وعندما يأتي دور هذه (غ) فجأة يصيرون مغرمين بنقاش (و)! كما أنه لا مانع من حشر دوران الأرض في النقاش! وإدخالنا في مغالطة عدم ترابط!

وفي أحد مقالاتي الفكرية ناقشت الأفكار الإلحادية المضمنة في نظرية التطور، تلك التي يدسها من ينتسبون للإسلام ويؤمنون بالتطور، ولهم رءوس معروفون، وهم يرددون الأفكار التي ذكرتها ورددت عليها في مقالي، وأراها أفكارًا إلحادية، مع عدم طعني في أصحابها وإحسان الظن بهم. وإذا بالتعليقات في وادٍ والمقال في وادٍ آخر، فاكتفيت بالتعليق قائلة: "إن كان هناك من يرى من المؤمنين أن تلك الأفكار ليست إلحادًا، ولديه إضافة في هذا الصدد، فهذا هو محتوى المقال المطروح للنقاش، وليس أي شيء آخر، وقطعًا لا علاقة للملحدين بأمثال هذا النقاش!".

وفي مقال عن "خصائص التعليم المختلط"، ولم يخل من ردود على النقاط التي طرحها معارضوه! أشرت في نهاية المقال إلى أنني في اليوم التالي مباشرة سأنشر مقالًا آخر عن "خصائص التعليم منفصل الجنس"، فجاءت جميع التعليقات تحت مقال الاختلاط -وبلا استثناء- عن خصائص التعليم المنفصل! فما كان مني إلا أن رددت بأن "إن أردت معرفة خصائص التعليم منفصل الجنس ومزاياه كما يسوق له أنصاره، فلتنتظر المقال التالي الذي أشرت إليه في نهاية هذا المقال!".

ويبدو أنها عادة عربية أصيلة في التعليق على المقالات، وهي حشر المعلقين لنقاط غير ذات صلة بمحتوى المقال في تعليقاتهم ‏لجرجرة الكاتب للرد عليهم بمحتوى مقال سابق أو لاحق له! وعدم مناقشة المحتوى ذاته الوارد في المقال، أو أن يسوقوا كلامًا مبهمًا لا معنى حقيقي له للاعتراض، كذلك التعبير الذي ذكره أحد المعلقين بأنني "أسوق للاختلاط" لأنني خصصت مقالًا لمناقشة خصائصه!

والأمر يكاد يكون تكرر بعينه في مقال آخر عن "عقيدة السلفية" نُشر على ثلاثة أجزاء، فالتعليقات على الجزء الثالث منها لو كلف أي معلق منهم نفسه عناء قراءة الجزء الأول ما كتبها!

وكذا في سلسلة مقالات عن "عقيدة المعتزلة"، فدائمًا يأتي التعليق تحت كل مقال في السلسلة التي تتكون من خمسة أجزاء بما لا يتناسب مطلقًا مع المحتوى في هذا الجزء، وكأن خطأً برمجيًا في الموقع خلط التعليقات على مقالات السلسلة كلها!

لذا فأحيانًا –ومهما كان طول المقال- فأنا أختار نشره كاملًا متكاملًا منعًا لهذا الهراء، وهو ما كان اختياري في مقال "فلسفة العلم عند كارل بوبر"، لذا لم يُكتب تحته أي تعليق!

 

العربة أمام الحصان

نواجه أثناء الحوارات بمن يرفض الإقرار بخسارة نقطة لأن الاستنتاج جاهز لديه سلفًا، وهو يُعاكس ما أوصله إليه المنطق.

بينما من المعروف أن الاستقراء كأسلوب استدلال عقلي يتم جزئيًا نقطة فنقطة وصولًا إلى نتيجة كلية، ولا يتم بأن يُصادَر على الملاحظات والمعلومات المتجمعة لصالح نتيجة بعينها قد تكون صحيحة أو خاطئة، ولكن المؤكد أن الأسلوب المُتبع خاطئ.

كذلك يمكن أن يُقال في الاستنباط كأسلوب استدلال عقلي آخر أن استخدام مقدمات دون فحصها، واعتبارها مسلمات ليست بحاجة إلى فحص وتحقق، ثم البناء عليها، حتمًا يقود إلى استنتاج خاطئ.

ودومًا أقول إنه عندما تجد استنتاجًا غير متسق مع المعلومات والمقدمات تأكد أن هناك عمليات وسيطة بينهما هي التي أدت إلى هذا القدر من عدم التطابق.

ولنأخذ على سبيل المثال قضية وجود أثر من الكحول في العصائر والمياه الغازية وعلاقتها بتحريم المشروبات والتي يدعيها بعضهم، فنجد هؤلاء لا يحرمون المشروبات وفقًا للقاعدة الفقهية "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، ولكنهم يفترضون معادلة -لا أصل لها في الدين- بأن عدم وجود كحول نهائيًا = ليس مسكرًا! وهو ما يستحيل تحقيقه لأن الخمائر توجد في البيئة من حولنا، وأي عصير فاكهة طبيعي أو محلول سكري سيحدث له ما يُعرف بالتخمر الكحولي بمجرد تحضيره، ولكن سيكون الكحول بنسبة تافهة لا يمكن أن تتسبب في سُكر إنسان وإن شرب ملء معدته، ولن يتحول إلى مُسكِر إلا عند تركه فترة طويلة في ظروف تسمح بالتخمر.

والحقيقة أن الأمر بالنسبة لمن قرر التحريم هنا لا يعدو أن الاستنتاج مقرر لديه سلفًا، وأن العملية الاستدلالية تتم بأثر رجعي لمحاولة التوصل إلى قدر من المواءمة بين الاستنتاج المراد وما لدينا من معلومات وبيانات.

 

فرض الرأي باسم حرية التعبير عن الرأي!

ذكرنا في مقالات سابقة أن المتطرف لا يدرك الفرق بين ‏الرأي والحقيقة، ولا يعي أن الأحمق وحده من يتعامل مع الأفكار والآراء على أنها حقائق، حتى وإن كان من ‏طرحها علماء، فنجد أن بعضهم عند نقاش نظرية علمية وضعت لتفسير ظاهرة ما يدعي أنها حقيقة علمية هكذا من رأسه، لمجرد ‏أنه لا يميز بين النموذج التفسيري وبين الحقيقة العلمية المثبتة التي تجاوزت التفسير إلى إمكانية الخروج ‏منها بتنبؤات وتطبيقات!‏

كما أن هناك فرقًا كبيرًا بين إبداء الرأي والإكراه على الجدل، فمن لا يكتفي بإبداء رأيه بإزاء رأيك ويصر على الجدل العقيم هو في حقيقة الأمر لا يتعامل مع رأيه باعتباره رأيًا، بل باعتباره حقيقة ينبغي إقناع الجميع بها ‏ورفض أي رأي آخر لك أو لغيرك!

فحقيقة الأمر أن الرغبة الملحة في الجدل والنقاش مع المخالفين علامة على عدم احترام حرية الرأي؛ لذا ‏نجد في القرآن الكريم نهي واضح عن الجدل إلا بالتي هي أحسن، وجدل عام عن الجدال مع أهل الكتاب إلا الذين ظلموا منهم. ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏‏﴾ [العنكبوت: 46]. ولكننا نجد أحدهم يبدأ ‏الجدل ثم يدعي أنه اضطر إليه!‏

ومن إضاعة الوقت –الذي سيُسأل عنه العبد يوم القيامة- أن يقضي الواحد منا الساعات الطوال يرد على سفيه يجادل بغير علم في التعليقات تحت أحد منشورات الفيسبوك، ولا يكتفي بأنه أبدى رأيه الذي لا يظهر ندفة من علم.

يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا ‏كِبْرٌ مَا هُمْ ‏بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 56]‏

وقد اتفق علماء المسلمين على تفسير الآية على أنها أمر من الله تعالى لنبيه بالاستجارة بالله ‏من ‏شر هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة. ولطالما قلت وأقول: ‏إن الأمر بالاستعاذة من هؤلاء ‏المجادلين بغير علم دليل على أن من هذه صفتهم هم من شياطين ‏الإنس، فالأمر بالاستعاذة لا يكون إلا من ‏الشياطين، كما أن الكِبر يملأ صدورهم -بنص الآية- وهي أظهر صفات إبليس.

وكان كبار علماء الأمة لا يسمحون لأنفسهم بالجدل مع السفهاء. من ذلك ما ذكر المؤرخون كابن ‏كثير في "البداية والنهاية" والذهبي في "السير"، أن الحنابلة كانوا ‏يترصدون بجوار بيت الإمام ابن جرير الطبري ‏يتكلمون في حقه ليمنعوا طلبة العلم من الدخول ‏عليه. ‏لكن للسبكي رأي آخر في القصة أورده في ‏ترجمة ‏الطبري في "طبقات الشافعية" (ج3، ‏ص124-125) وهي أنه "لم يكن عدم ظهوره ناشئًا من أنه ‏مُنع، ولا كانت للحنابلة شوكة ‏تقتضي ذلك، ‏وكان مقدار ابن جرير أرفع من أن يقدروا على منعه، وإنما ‏ابن جرير نفسه كان ‏قد جمع نفسه عن مثل ‏الأراذل المتعرضين إلى عرضه، فلم يكن يأذن فى الاجتماع به ‏إلا لمن ‏يختاره، ويعرف أنه على السُنة، ‏وكان الوارد من البلاد لا يُدرى حقيقة حاله، فربما أصغى إلى ‏كلام ‏من يتكلم فيه ‏لجهله بأمره فامتنع عن الاجتماع به"أهـ.‏

وأقول: إن رأي السُبكي في قصة الطبري أكثر ‏مقبولية، وقد ذكرته كمثال واضح من حياة ‏عالم من ‏أكابر علماء المسلمين كان يرفض الجدال مع السفهاء، ولا يرى فيه خيرًا، فلا يعطيهم ‏الفرصة لمحاورته ‏باسم حرية التعبير عن الرأي. فماذا عساه يستفيد الإمام من تصديع رأسه مع ‏سفيه، هو أساسًا يجادل ‏بجهل، ولا يعرف كوعه من بوعه، وفوق ذلك يتفذلك على من هو أعلم ‏منه، آملًا في إقناعه، ظانًا في نفسه ‏حيازة العلم! ولنا في الطبري أسوة حسنة.‏

ومما اشتُهر عن الإمام علي بن أبي طالب أنه كان يقول: لو خاطبني ألف عالم لغلبتهم، ‏ولو ‏خاطبني جاهل واحد لغلبني. فقيل له: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: العلماء لو أتيت ‏لهم بالحجة ‏والبرهان اقتنعوا، أما الجاهل كلما أتيت له بحجة غالطني لجهله.‏

كما يُحكى عن الجاحظ أنه سُئل عن الإنسان العاقل فقال: هو الذي يعرف متى يتكلم، ‏وكيف يتكلم، ‏ومع من يتكلم!‏

ولعله من أجمل ما قرأت "النقاش مع العقول المستحمرة كالضغط على رأس زجاجة عطر فارغة، مهما ‏اجتهدت في ضغطه لا يخرج لك سوى الهواء ويؤلم إصبعك لا أكثر".

 

ومعلوم أن هذا النوع المحدث من الاتصال على مواقع التواصل الاجتماعي قد يتم رغم عدم تفاعل الطرفين، بمعنى أن يكون أحد ‏الطرفين غائبًا بينما الآخر يكتب أفكاره، ويأتي الآخر ليرد في وقت لاحق قد لا يكون الأول ‏فيه موجودًا، بل يقرأ الرد عندما يكون متوفرًا، وهذا أغرب ما في التواصل عبر هذه الوسائط.‏

ورغم أن وسائط الاتصال بين البشر في مواقف التفاعل الاجتماعي الحقيقية هي لفظية وغير لفظية ‏معًا، وعلماء النفس والاجتماع يعطون نسبة أكبر لقيمة الوسائط غير اللفظية في تحديد التواصل -وإن ‏كنت لا أتفق مع هذه الرؤية-، إلا أنه في العالم الافتراضي الذي نعيشه على شبكة الانترنت ‏يكون للاتصال اللفظي النسبة الأكبر من التأثير؛ كونه الوسيلة المستخدمة غالبًا بين الأفراد، ‏وكثيرًا ما يغيب ما عداها. ومن ثم فإنه غالبًا لا أثر لتعبيرات الوجه وطبقة الصوت والمسافات بين ‏الأشخاص وغيرها من الوسائط غير اللفظية في التأثير في الاتصال.‏

وهذه الملحوظة الأخيرة لها أهميتها وتأثيرها الخطير في التفاعل لأن الإنسان يمكنه من ‏خلال الوسائط غير اللفظية أن يضع حدودًا للشخص المتحاور معه يمنعه من تجاوزها، ولكن ‏في غياب تلك الوسائط كما هو الحادث على الشبكة العنكبوتية فإن كثيرين يتجاوزون حدودهم ‏وفقًا لما ينبغي أن تسمح به علاقتهم بالشخص المتحاور، والإجراء الوحيد المتاح لمنع التواصل مطلقًا هو الحظر.

وغني عن البيان أن من المهارات الاجتماعية الرئيسية التي يحتاج البشر اكتسابها معرفة حدودهم من الآخرين، فتوقف الآخرين عند حدهم فلا يتدخلوا في حياتك، وتقف أنت عند حدك فلا تتدخل في حيواتهم، لكن هناك من لا يراعون هذه الحدود على مواقع التواصل الاجتماعي مثلما هو الحال في الحياة.

وقد صارت وسائط التواصل الاجتماعي مسرحًا متجددًا للحوارات السخيفة، وهناك فئة يعطون لأنفسهم حق ‏التواصل مع غيرهم هكذا لمجرد أنه موجود معهم في العالم الافتراضي نفسه وغير محجوب ‏عنهم، فمن وجهة نظرهم فإن مشاركتك بالتعليق على منشور على أي صفحة من صفحات الفيسبوك تعني أنك قبلت الدعوة إلى تلك الحفلة الكونية، ومن يحضر الحفل عليه أن يكون مستعدًا للتعرف على الجميع. لكن انتبه فالأمر غالبًا يتجاوز حدود إبداء الرأي والرأي الآخر إلى الجدل العقيم، فهم في ‏الحقيقة لا يريدون أن يحاوروك بل يريدون أن يخضعوك لرأيهم! باعتباره الرأي الصواب من ‏وجهة نظر جماعتهم، ويرون أن من حقهم أن يخبروك ما الذي يجب أن تعتقده وما ‏الذي يجب أن تكتبه!‏

ولعل من عجائب الزمان ما حدث معي منذ سنوات عندما تطفل عليّ شخص أعلم من خلال مشاركاتي في المجموعات على موقع الفيسبوك أنه جاهل مكفر، فرفضت النقاش معه، ‏ورأى في رفضي التحاور معه إقصاءً للآخر! فمن حقهم أن يكفروا الناس وليس من حقك أن ‏تحتقرهم لهذا السبب، ويرونك ترفض الآخر لأنك ترفض تكفيرهم للبشر!!‏ ومن مساخر الأمور أن يتحدث متطرف عن إقصاء الآخر لأن هذا الآخر كره فيه ‏تطرفه وتكفيره!

من ثم فإن المشكلة أكبر من طرق المتطرفين الدينيين العجيبة في الاستدلالات الشرعية. المشكلة الأكبر ‏أنهم يعتبرون أنفسهم الشرطي الذي ينفذ القانون، وأنهم الوحيدون على حق، ويجب أن يقنعوا ‏باقي البشر بما يعتقدون حتى لو كانوا غير راغبين في التواصل والنقاش معهم بالأساس.‏ والأمر ذاته يُقال عن المتحزبين سياسيًا.

وأحيانًا تكون الرغبة في الجدل عن جهل لحداثة السن وليس تطرفًا، كذلك الطالب الذي كان لا زال لم ‏يكمل دراسته ‏الجامعية في تخصص لا علاقة له بتاتًا بالتاريخ الطبيعي، وأراد أن يتناظر معي ‏عن نظرية التطور ‏ككل! ومعرفته بنظرية التطور جاءته من خلال ‏محتوى ورقتين كانتا في كتاب مادة الأحياء في دراسته الثانوية!

وفي إطار محاولات فرض الرأي باسم حرية التعبير عن الرأي، فمن الأساليب المتبعة ‏لتحويل اتجاه القارئ عن أحد الموضوعات التي لا توافقهم، كتابة تعليقات منفرة عن الموضوع حتى لو ‏كانت لا تعبر عن حقيقة مضمونه، وأحيانًا كتابة ردودًا مستفزة على التعليقات المؤيدة للكاتب ‏وبشكل مستمر ومتعاقب قد تستمر شهرًا، لأن هذه النوعية من البشر التي لها اتجاه فكري ‏محدد تريد ألا تظهر أي معارضة لفكرها، وهم يوهمون أنفسهم بهذا قبل أن يوهموا الآخرين. وهم ‏يتساخفون على غيرهم لأن أغلب البشر الراقين على صفحات التواصل الاجتماعي يقومون بحذف ‏تعليقاتهم في حال كتابة ردود سيئة عليها، كما لا يكررون كثيرًا تجربة كتابة تعليقات مؤيدة لآراء معاكسة لآراء المتطرفين مكتفين بالمشاركة ‏أو إظهار الإعجاب، وكتابة ما شاءوا بعيدًا عن أعين السفهاء.‏

ونصيحتي لأصدقائي من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي عدم التردد في استخدام الخيارات التي تتيحها المواقع والتي تتدرج من عدم المتابعة، ثم إلغاء الصداقة، ثم الحظر، للتخلص من كل من يوترونك. ومخطئ أنت إن ‏ظننت أنك ستغيرهم، لأنهم هم من سيستنزفونك عصبيًا وبدنيًا.‏

 

همج رعاع أتباع كل ناعق!

جاء في "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (ج2، ص984) (رقم 1878) قال ‏علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم وجهه لكميل بن زياد النخعي: "الناس ثلاثة: فعالم ‏رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم ‏يلجأوا إلى ركن وثيق"أهـ.‏

وهؤلاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق سبب كثير من البلاء في عالمنا المعاصر، فهم يتبنون كل ما يروج له الناعقون مما يفهمونه أو لا يفهمونه!

نجد هؤلاء حاضرين فيما يُعرف باسم الهاشتاجات الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويكفي أن يروج أي ناعق لأمر ويقنعهم أن فلانًا أو فلانة يسيئ إلى الدين أو خائن للوطن لتنطلق الجماهير!

وجميع الهمج ممن أعرفهم –وأحمد الله أنهم ليسوا أصدقائي- وقد شاركوا منذ فترة في حملة إساءة لأحدهم لأنه ((قيل لهم)) إنه أساء إلى صحيح الإمام البخاري، اكتشفت أن كلهم لا يمتلكون نسخة ورقية أو الكترونية من الصحيح، ولا يعرفون كيفية تبويبه أو ترقيمه، ولم يسبق لأي منهم أن خرّج حديثًا، ولا يفهمون من الأساس النقاش الذي كان دائرًا وقتها، ولا يعرفون ما هو الحديث الذي كان سبب الإشكالية وسبب الهجمة على من طعن فيه. وقاتل الله الجهل، وصدق من قال: لو سكت الجاهل لاستراح الناس!

ثم هم فوق ذلك ينقلون المنشورات التي تحوي فكرًا على صفحاتهم، فإن لم ينقلوا الكلام اكتفوا بنقل أفكار الكتاب ثم إعادة صياغتها، ولأجل هذا يصعب علينا فهم فكر كثير منهم، فهم ينقلون أي كلام مرتب أو أي فكرة ظريفة مرة من أقصى اليمين ومرة من أقصى الشمال، فتراهم مرة يساندون الشيوعية وتارة يمدحون الرأسمالية! ولعلها من البدهيات -التي لم يكن يلزم أن تُقال- إنه ينبغي أن يكون لكل شخص خط فكري واضح وليس أن يسير مع التيار، فيميل تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار لأن منشورًا أعجبه!

ولأستاذنا الدكتور سعيد إسماعيل علي تصنيف جميل عن منهجية المفكرين؛ فيقول إن منهم من يستخدم المنهج النملي؛ فيجمع الأشتات المتفقة ويضعها جانب بعضها فتتضح الرؤية، ومنهم من يستخدم المنهج النحلي فيكتب لتوليد أفكار جديدة إلى العالم وليس لاجترار ما سبق وإعادة لوكه مرارًا وتكرارًا دون إضافة، فيكون مثل النحلة التي تجمع رحيق الأزهار لتصنع منه العسل، وليس لأي زهرة منفردة أن تدعي إنها هي من صنعت هذا العسل.

ولكن هؤلاء النقلة الفيسبوكيين لا قاربوا النحل ولا حتى كانوا كالنمل، فيكتفون بأن يملأوا الأثير بكلام معاد مكرر نقلوه عن غيرهم، وليته يتجانس!

 

عدم التمييز بين إبداء الرأي والتقييم

وكما أن هناك فرقًا كبيرًا بين الرأي والحقيقة، فهناك فرق آخر كبير بين إبداء الرأي والتقييم.‏

إذ ينبغي التنويه إلى أن هناك ما يُعرف بالهرم المعرفي، فقاعدته التذكر، ثم يعلو درجة درجة فيأتي بعد التذكر الفهم ثم التطبيق ثم التحليل ثم الإبداع ثم التقييم؛ فالتقييم هو أعلى درجات الهرم المعرفي، وهو يختلف عن إبداء الرأي، فالتقييم لا يقوم به آحاد الناس.

فإن كنا نسمح للجميع في هذا العصر بأن يعبروا عن آرائهم –سواء كانت ذات قيمة أم لا-، فإن من السفاهة أن يتوهم من يفتقد المعرفة الأولية عن أحد العلوم أو المسائل في نفسه القدرة على التقييم!

 

التعصب والعور الفكري

سبق وخصصنا مقالًا عن الهوس بالتفرع الثنائي؛ بمعنى الحدية بين نعم ولا ، فكل شيء حكمه إما أن يكون صوابًا أو خطأ فقط، وكأن ليس هناك أي احتمال آخر كربما أو لا أعرف.

ومن مساوئ نسبة لا بأس بها من العرب المعاصرين المهووسين بالتفرع الثنائي أن من يسأل شخصًا عن آخر فيقول له: "لا أعرفه" يتصور غالبًا أن من سأل عنه شخص سيء، ما يدفع كثيرون للشهادة بالخير في حق أشخاص لا يعرفونهم عين المعرفة، وقد تكون النتيجة وبالًا إذا اعتمد السائل على هذا الرأي فقط، ولم يتحر مزيد تحرٍ عمن يسأل عنه، وتسوء الأمور أكثر إن كان يسأل لغرض تزويج أو شراكة من أي نوع، فالخسائر الحادثة قد تكون لها تبعات مستقبلية كثيرة في الحياة الشخصية والمهنية.

وكما أننا مبتلون بالهوس الحدي الثنائي فهناك ابتلاء آخر وهو العور الفكري، الذي يجعل أصحابه يرون بعين واحدة راضية، كائلين الاتهامات لمن لا يرون برأيهم؛ فمنظمة العفو الدولية إن انتقدت تركيا يفرح أنصار نظام السيسي في مصر كونهم يعادون نظام أردوغان، بينما يعلق الموالون لأردوغان مستنكرين  متهمين المنظمة أنها تغفل عن انتقاد نظام السيسي، والعكس يحدث عندما تنشر المنظمة نقدًا لنظام السيسي! ولا ينظر أي من الحزبين المعلقين في النقود ذاتها التي ساقتها المنظمة في المنشورين!

ومما يتصل بالعور الفكري ما لاحظته على أغلب أئمتنا من أهل السُنة أنه لا يأتي على سيرة سيدنا علي بن أبي طالب إلا وحشر معه سير غيره من الصحابة كساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان، وإن كان المقام لا علاقة له بذكرهم، وأن هذا يحدث مع علي فقط، بينما قد يأتي أحدهم على سيرة سيدنا أبي بكر أو سيدنا عمر أو غيرهما من الصحابة ولا يعبأ بذكر عليّ إن لم يتسع المقام لذكره! ذلك أن خوارج العصر يسارعون في إلقاء الاتهامات بالباطل على من لا يعجبهم شيئًا من رأيه بأنه شيعي ويسب الصحابة وغيرها من السخافات والبلاهات، فيحترز الناس لأنفسهم بذكر جماعة من الصحابة كلما جاء ذكر علي!

وبالنسبة للتعصب الديني تحديدًا فهناك افتقاد لدى كثير من بيننا لفهم أن احترام حرية الآخر في الاختلاف لا تعني الانقياد للآخر أو السماح له بإهانة أفكارك ومعتقداتك، أو أنك لست مؤمنًا بدينك أو أنك تركن إلى أهل الكتاب وتواليهم وإن خالفوا معتقد المسلمين، كما يظن أغلب المتطرفين دينيًا.

ومشكلة من يرون بعين واحدة –وإن كان خطهم الفكري واضح ومحدد- هي أنهم غالبًا ما يرفضون الصواب في الجانب الآخر، ويثبتون على مواقفهم الخاطئة ولا يتحلون بالشجاعة الكافية لتغييرها ما ثبت لهم أنها خطأ، ويدعي هؤلاء على الشجعان القادرين على الاعتراف بأخطائهم أنهم يتناقضون.