الجمعة، 12 يوليو 2019

185- الفروق الثقافية في التواصل غير اللفظي بين البشر


الفروق الثقافية في التواصل غير اللفظي بين البشر
د. منى زيتون

أحد مقالات كتابي "مهارات التواصل"
الجمعة 12 يوليو 2019

لا تؤثر الثقافة فقط على الاتصال اللفظي بل وعلى السلوكيات اللفظية (الصوتية) والسلوكيات غير اللفظية (تعبيرات الوجه وتعبيرات العين ولغة الجسد وغيرها) التي تعتبر اتصالًا غير لفظي؛ فكما أنه لا يمكن توحيد البشر على لغة واحدة، لا يمكن كذلك الاتفاق على نظام موحد لأنماط التواصل غير اللفظي؛ حيث تختلف شعوب العالم في التعبير بها وتفسيرها لها.
وقد تظهر الفروق بين الثقافات الفرعية في المجتمع الواحد، فيختلف المُتقبل اجتماعيًا منها باختلاف الثقافات الفرعية والطبقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة بالمجتمع.
وكثيرًا ما يكون التأثير الثقافي مرتبطًا بتأثير النوع (ذكر أو أنثى)، بسبب اختلاف المعايير الاجتماعية المقبولة لسلوكيات كل من الذكور والإناث في المجتمع نفسه.
إن ترجمة السلوكيات غير اللفظية مثل تعبيرات الوجه عبر ثقافات مختلفة قد تكون مشكلة، وهي مشكلة لا تقل عن مشكلة فهم اللغة التي يتحدث بها هؤلاء الأفراد ذوي الثقافة المختلفة. ويمكن أن تؤثر الثقافات المختلفة في إساءة الفهم وحدوث الضيق بين شركاء التفاعل الاجتماعي بسبب الفروق بينهم في تلك السلوكيات غير اللفظية.
على سبيل المثال فإنه رغم أن المقاطعة لا يُسمح بها في أغلب الثقافات حتى عندما يكون المستقبل الذي قام بالمقاطعة شخصًا في موقع رسمي أو ذا سلطة كبيرة قياسًا بالمرسل، فإن الثقافات تتفاوت فيما بينها في تقبل المقاطعة أثناء الحوار في المناقشات غير الرسمية، فهناك ثقافات تتقبلها باعتبارها نقاشًا، وثقافات أخرى ترفضها بتاتًا وتعتبرها إساءة أدب.
والثقافات الآسيوية الشرقية لا تربي في أبنائها –الذكور والإناث على السواء- استخدام درجة عالية من الاتصال البصري أثناء الحوار، وينزعجون تمامًا من استخدامه، ويُعتبر من إساءة الأدب أن يرفع الصغير عينه في من هو أكبر منه سنًا، بينما في الثقافتين الأوروبية والأمريكية لا بد من المحافظة على درجة من الاتصال البصري أثناء إجراء الحوارات وإلا فإن هذا علامة واضحة على عدم الاهتمام، ويستخدم أبناء ثقافات البحر المتوسط والثقافة اللاتينية درجات عالية للغاية من الاتصال البصري، للدرجة التي يرى بها الإنجليز –وهم أبناء ثقافة أوروبية- أن الإيطاليين –ينتمون لثقافة البحر المتوسط- يرفعون الكلفة بشكل غير لائق بسبب المحافظة الزائدة على اتصال خط النظر!
وبوجه عام يتم تشجيع النساء على التعبير الانفعالي في معظم الثقافات، لكن ثقافات دول البحر المتوسط تشجع عليه الرجال والنساء معًا. ولا تقف الفروق الثقافية عند هذا الحد بل قد تختلف الانفعالات التي يُسمح للفرد بأن يعبر عنها باختلاف الثقافات. معلوم أن الإيطاليين من أكثر شعوب الأرض رومانسية، وتعبيرهم الانفعالي عن الحب مفرط، يستخدمون فيه كل قنوات الاتصال اللفظي وغير اللفظي، لكنهم أيضًا وكسائر شعوب البحر المتوسط يفرطون في التعبير عن باقي الانفعالات الإيجابي منها والسلبي. على النقيض فإن الشعوب الشرق آسيوية تتحرج من التعبير عن الحب، وتعبيرها الانفعالي بوجه عام أقل حدة، ومن غير المقبول على الإطلاق التعبير عن الانفعالات والمشاعر السلبية تجاه الآخرين. وسنجد مثلًا أن تعبيرًا وجهيًا كالابتسام يلازم وجوه اليابانيين حتى عند سماع الأخبار المحزنة، بينما قد يعتبر مثل هذا السلوك إساءة أدب في أغلب الثقافات. وهناك شعوب أخرى في المقابل مثل الأمريكيين والكنديين لا يمثل التعبير عن الانفعالات السلبية أي مشكلة لديهم، طالما أن الأسلوب المستخدم كان لائقًا.
وفي الثقافة المصرية لا يحبذ للرجال الابتسامة الواسعة، وكذلك للنساء عند تعاملهن مع الغرباء، وقد تُفسر ابتسامة النساء بشكل خاطئ من قِبل الرجال في التفاعل بين الجنسين. وسبق وذكرنا أن النساء أعلى في الحساسية الانفعالية من الرجال، والدراسات قد أثبتت أن مهارتهن أعلى في الحكم على تعبيرات الوجه، لكن كثيرًا من الرجال قد يسيء الحكم.
في ثقافات عديدة يأخذ الرجال مساحة واسعة من المكان، فينثرون أوراقهم على مساحة متسعة، وقد يأخذون مساحة أكبر على الأريكة، وهي وسيلة يستخدمها حتى ذكور الحيوانات للتعبير عن الهيمنة، لكن في ثقافات كالثقافات الشرق آسيوية تعتبر مثل هذه السلوكيات غير مقبولة على الإطلاق.
وتختلف المسافة التي تشعرك بالارتياح عندما يقفها الناس منك باختلاف الثقافة التي نشأت في ظلها. الثقافة العربية وثقافة البحر المتوسط بوجه عام والثقافة اللاتينية هي ثقافات قد يُستخدم فيها التلامسContact Cultures ؛ حيث يشعر أبناؤها بالارتياح عند وجود الناس على مقربة منهم، والثقافة اللاتينية تحديدًا ترسخ في الرجال الاقتراب جدًا من بعضهم عند الحوار وفي المحال وفي وسائل المواصلات، بينما ثقافات أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق وجنوب آسيا هي ثقافات لا يحدث فيها التلامس Non –contact Cultures ، وإن كنت تربيت في أحد مجتمعاتها لن تكون مرتاحًا مع التقارب الشديد، وستشعر بانتهاك مسافتك الشخصية عند الحوار مع أبناء النوع الآخر من الثقافات أو الاقتراب منهم، ويلزمك أن يبتعد من يحاورك عنك مقدار ذراع على الأقل لتشعر بالارتياح. والإشكالية تستمر عندما يتراجعوا للخلف كي يحدث توازن ليجدوا أن الشخص من أبناء ثقافات التلامس الذي يتفاعلون معه يتحرك مقتربًا!
في بعض الثقافات العربية ترفض النساء مصافحة الرجال باليد، بينما في أستراليا تبدأ النساء في مصافحة الرجال، وفي بعض البلاد كروسيا وفرنسا كثيرًا ما يتم تقبيل يد المرأة.
في الثقافات الآسيوية تكون تحيتهم التقليدية خالية من التلامس، حيث تتلاقى راحتا يد الشخص أمام أعلى صدره ملامسة ذقنه مع انحناءة ليحيي الآخر الذي يبادله التحية بالطريقة نفسها، أما إن حدثت المصافحة ففي الصين على الصغير أن يبدأ بمصافحة الكبير، مع انحناءة خفيفة. العكس في كوريا الجنوبية حيث يبدأ الكبير بالمصافحة والتي تكون خفيفة.
بعض الثقافات تكون المصافحة فيها قوية وطويلة وتظهر تلك المصافحة بوضوح في أمريكا اللاتينية عمومًا، وقطعًا هؤلاء لا يفوتون التواصل البصري أبدًا حتى أثناء المصافحة. كذلك يفضل العرب المصافحة القوية خاصة بين الرجال، ولهم أولويات في البدء بالمصافحة فيبدأون بكبار السن وبالجالسين جهة اليمين. بعض الثقافات يزيد فيها الرجال على المصافحة بهز اليدين. على العكس في بريطانيا وفرنسا فالمصافحة خفيفة سريعة، لكن الإنجليز يفضلون الاحتفاظ بمسافة كبيرة بين الشخصين المتصافحين!
وتوجد فروق ثقافية قوية في التقبيل كأسلوب للتحية، فهناك ثقافات ينتشر فيها التقبيل كتحية بين أفراد الجنس الواحد، فالنساء تقبل النساء، والرجال يقبلون الرجال، وهناك ثقافات يشيع فيها العكس حيث يقبل الرجال النساء، وكثيرًا ما تحدث إساءة فهم من أبناء هذه الثقافات ذات التقبيل المختلط عندما يجدون رجالًا –ينتمون إلى ثقافات كالثقافة العربية- يقبلون رجالًا آخرين!
حتى مكان القبلات وعددها توجد فيها فروق ثقافية؛ على سبيل المثال فإن الرجال العرب في منطقة الخليج يقبلون أنوف بعضهم.
في أمريكا اللاتينية ينتشر العناق القوي كوسيلة للسلام بين الذكور. في الثقافة المصرية يمكن أن نجد ذلك بين الذكور لكن في حالة اللقاء بعد فراق طويل لسفر أو نحوه. ويكون العناق والقبلات كوسيلة ترحيب أكثر شيوعًا بين النساء.
وتعد إشارات الأصابع من أكثر السلوكيات غير اللفظية اختلافًا في مضمون الرسالة التي تحملها عبر الثقافات المختلفة. بل إنه حتى وضعيات الجلوس تختلف التوجهات الثقافية نحوها، ففي الثقافة الأوروبية لا يجدون أي إشكالية في وضع قدم على الأخرى أثناء الجلوس، بينما قد يعتبرها شخص ينتمي إلى الثقافة التركية أو العربية غرورًا وإساءة أدب لا بد من الرد عليها بالجلوس بالوضعية نفسها.
تتدخل الثقافة أيضًا في تحديد السلوكيات المتعلقة بالمكان. في الثقافات الأوروبية والأمريكية لا يمكن أن نلمح ذلك التفاوت الكبير في مساحات الغرف الذي يعكس اختلاف المكانة في التفاعل الاجتماعي في ثقافات أخرى.
كما تتدخل الثقافة في سلوكيات التفاعل الاجتماعي الخاصة بالوقت، فنجد اعتبارًا واهتمامًا كبيرين للوقت في ثقافات أوروبا وأمريكا الشمالية على العكس من المرونة التي نلاحظها في ثقافة البحر المتوسط والثقافة اللاتينية نحوه. يكون هذا ملحوظًا في العلاقات الشخصية وفي علاقات العمل؛ فالثقافات الغربية تحرص على الوقت، ويُعتبر احترام المواعيد الخاصة بموعد العمل أو الاجتماع والزمن المخصص لإنجاز المهام أمرًا هامًا لا يُستثنى منه أحد كبير أو صغير، بينما الثقافة اللاتينية متساهلة مع المواعيد إلى حد بعيد، أبعد بكثير مما يمكن أن نجده حتى في الثقافات العربية.
ولا يقتصر تأثير مفهوم التأخر في التفاعل الاجتماعي على البشر، بل يشمل التأخر بشكل أساسي وسائل المواصلات، والقطار الذي يُعتبر وصل متأخرًا في اليابان لأنه تأخر عن موعده دقيقة واحدة، يستحق سائقه التحية في مصر!
بالنسبة للتوجه الزمني؛ فأغلب الثقافات الغربية ذات توجه زمني أحادي Monochronism؛ حيث يغلب على الناس أن يركزوا في أداء مهمة واحدة أمامهم، بينما الثقافة اللاتينية وثقافة حوض البحر المتوسط وباقي الدول العربية غير المتوسطية يكون توجهها الزمني متعدد Polychronism؛ حيث يقوم الناس غالبًا بعدة أعمال في وقت واحد.
أغلب الثقافات كذلك تضع تصورات أمام الفرد عن الوقت المناسب لإنهاء دراسته، والوقت المناسب للزواج، ثم للإنجاب، وغيرها من المراحل في حياته، والتي من المنطقي أن يختلف البشر فيها، ولكن تؤثر الدرجة التي يختلفها الفرد عن تلك التوقعات على توافقه الاجتماعي وتفاعله مع غيره من أفراد المجتمع.
وإذا كانت الثقافة لا تلعب دورًا مباشرًا في تشكيل الخصائص الجسمية للأفراد، فإنه من المعلوم وجود ثلاثة أجناس رئيسية من البشر (الجنس الأبيض، الجنس الملون، الجنس الأصفر)، وكل جنس من تلك الأجناس الثلاثة يتميز أبناؤه –خاصة المحافظون منهم على نقائهم العرقي- بخصائص جسمية مميزة، ومع تركز أبناء أحد الأجناس البشرية في نطاق جغرافي معين فإن ذلك يخلق ثقافة خاصة بهم، ترتبط بشكل غير مباشر بالخصائص الجسمية للأفراد الذين ينتمون إلى تلك الأجناس.
وفي بعض الثقافات التي تتسم بالعنصرية يكون لخصائص جسمية كلون الجلد والبناء الجسمي -والتي تظهر العِرق الذي ينتمي إليه الشخص- تأثيرها العميق على تفاعل الفرد في المجتمع.
كما تعطي بعض الخصائص الجسمية ميزة للفرد في بعض الثقافات، فتكسبه ثقة في نفسه تؤثر إيجابيًا عليه في المجتمع، فكونك طويلًا في أمريكا يعطيك مزايا كبيرة للحصول على الأعمال والقيام بالأدوار القيادية، بل وقد أظهرت إحدى الدراسات أن فرصة مرشحي الرئاسة الأمريكيين الأكثر طولًا في الفوز بالانتخابات أعلى من خصومهم الأقصر، وأن هذه الخصيصة الجسمية تؤثر بقوة على تصويت الناخبين!
والثقافة تتدخل أيضًا لتحدد الأزياء المقبولة وغير المقبولة في المجتمع، كما تحدد ما إن كان هناك زي يشيع بين أبناء المجتمع ويعتبرونه زيهم الشعبي كالساري في الهند والعباءة المطرزة في فلسطين.
وقديمًا، في الشرق والغرب، كان الناس من الطبقات الاجتماعية المختلفة يلبسون ما يدل على انتمائهم لها (السلطان- القاضي- الأمير- الشريف- الذمي- العامي المسلم- .......).
وتتدخل الثقافة كذلك لتحديد أنواع المجوهرات وشبيهاتها (الإكسسوارات) المقبولة، فبعض الثقافات التقليدية كريف وصعيد مصر لا تعترف بأي نوع من الحُلي إلا الذهب الأصفر، وينعكس المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمرأة بناءً على ما تمتلكه منها. كما تعكس الحُلي الوضع الاجتماعي للفرد في كثير من الثقافات. في الثقافات الغربية تضع المرأة خاتمًا من الماس في الإصبع البنصر من اليد اليسرى كعلامة على أنها متزوجة، بينما يضع الرجل خاتمًا ذهبيًا. في بعض الثقافات الشرق أوسطية مثل مصر تضع المرأة خاتمًا ذهبيًا يُعرف بـ "الدِبلة" في ذلك الإصبع، بينما يكون خاتم الرجل غالبًا من الفضة.
وتؤثر الثقافات في تقبل الجنسية المثلية أو عدم تقبلها. في الثقافات العربية والتركية والآسيوية والأفريقية بوجه عام لا يُحترم ما يُسمى بالجنس الثالث! ويتم تحريم الشذوذ وتجريمه قانونًا، وأي مظهر يظهر به الإنسان يخالف المفترض في النظرة التقليدية لجنسه لا تكون متقبلة من أفراد المجتمع، ويتعرض الفرد للاستهجان بسببها، وذلك على عكس الثقافات الغربية التي تعطي لهم الحق في مخالفة الطبيعة الإنسانية، وتبرر لهم ذلك في إطار الحرية الشخصية!
ويصل أثر الثقافة حتى إلى طريقة تأثيث المنزل، وحجم الأثاث. في المجتمعات المصرية تصر العائلات على شراء حجرات كاملة كبيرة الحجم مهما كانت سعة المنزل، وبعض الأثاث كحجرة السفرة لا يُستخدم إلا نادرًا، وهناك ما يُعرف بالنيش الذي يمتلئ بأدوات مائدة لا تُستخدم إلا نادرًا في بيوت الطبقة الوسطى من المجتمع، ومع ذلك فهناك إصرار على تكبد الأموال لأجل شرائه وشرائها.
ولا يخرج الطعام عن قائمة ما تشمله الاختلافات الثقافية بين الشعوب؛ فلكل ثقافة أفكار فريدة تتدخل في تحديد ما يمكن أن يؤكل، وما هو لذيذ، وما هو مميز، كما تختلف كذلك عادات الطعام؛ حيث تتدخل الثقافة في تحديد مواعيد وجبات الطعام وأي الوجبات هي الوجبة الرئيسية التي تجتمع فيها العائلة. للثقافة أثرها كذلك في تحديد سلوكيات تناول الطعام. في دول شرق آسيا يستخدمون عودين من الخشب لتناول الطعام، وفي المناطق البدوية من شبه الجزيرة العربية يستخدمون أيديهم لتناول الطعام، بينما يشيع استخدام أدوات المائدة المعروفة في أغلب الثقافات المتحضرة. وتختلف كذلك طرق عرض الطعام، وما إن كان مسموحًا بأن يأكل الجميع من طبق واحد أم لا، من ثقافة لأخرى.

ختامًا ينبغي لفت الانتباه إلى ضرورة تفسير السلوكيات التواصلية في ضوء النوع (ذكر أو أنثى) والثقافة بحرص؛ لأنها أشكال من التعميمات للسلوكيات النمطية للجماعات، تساعدنا على فهمها، لكن تبقى للفروق الفردية كلمتها المحددة لسلوكيات الأفراد، ولتنظيم وتفسير مدركاتنا عن كل منهم.


الأربعاء، 10 يوليو 2019

184- تأثيرات الثقافة على التواصل اللفظي بين البشر


تأثيرات الثقافة على التواصل اللفظي بين البشر
د. منى زيتون

أحد مقالات كتابي "مهارات التواصل"
الخميس 11 يوليو 2019

في مجال المهارات الاجتماعية نهتم بأخذ الخلفيات الثقافية في الاعتبار، لأن تفسير الرسائل اللفظية وغير اللفظية التي تصدر عن أي فرد دون اعتبار الثقافة التي ينتمي إليها قد يُحرِّف مدلولات تلك الرسائل، ويجر المستقبل إلى سوء فهم مؤكد لبعضها.

مفهوم الثقافة
في (مختار الصحاح) ثَقُف الرجل من باب ظَرُف؛ صار حاذقًا خفيفًا. وفي (المصباح المنير) ثَقِفْتُه: ظَفِرْت به، وثَقِفْت الحديث: فَهِمته بسرعة. وفي (المعجم الوجيز) ثَقُف فلان ثقافةً: صار حاذقًا فطِنًا. ثَقَّف الشيء: أقام المعوج منه وسوَّاه، وثَقَّف الإنسان: أدَّبه وهذَّبه وعلَّمه. تَثَقَّف: تعلَّم وتهذَّب. ويُقال: فلان تَثَقَّف على فلان وتَثَقَّف في مدرسة كذا. الثَّقافة: العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب العلم بها، والحذق فيها.
والثقافة مفهوم شائع، قد نختلف في تعريفه حول ألفاظه، ولكن لا يكاد يُوجد خلاف على أنها نتاج كل نشاط إنساني في المجتمع، وأنها تختلف باختلاف كل مجتمع، لتعبر عن طريقة الحياة فيه.
من المعلوم أن للثقافة جانبين هما: الجانب المادي، ويشمل مخترعات الإنسان، والجانب المعنوي؛ المتمثل في مجموعة من قيم المجتمع والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية السائدة فيه التي يعتنقها أفراده، والسلوكيات التي تنبني على هذه المنتجات العقلية، والتي يتم تشكيل الفرد بالمجتمع ثقافيًا ليؤديها. وكلا الجانبين يشكلان معًا التراث الثقافي لأي مجتمع.
ولا يكفي لفهم ثقافة أي مجتمع النظر إلى عناصره الثقافية بشكل مستقل؛ فالثقافة ظاهرة مركبة لا تُدرك إلا بعد التأليف بين عناصرها المختلفة.
وهناك فرع من علم الأنثروبولوجيا الثقافية يُعرف بالأثنولوجيا، ويهدف إلى مقارنة الثقافات المختلفة، ودراسة آثار الاتصال بين تلك الثقافات، ومن ثم تصنيفها إلى مناطق ثقافية.
وتختلف الثقافات في اتساع الرقعة التي تمتد فيها، فثقافة مثل الثقافة اللاتينية أو ثقافة حوض البحر المتوسط هي ثقافات متعددة الجنسيات، بينما تكون هناك ثقافات أقل اتساعًا وشديدة الخصوصية بمجتمع محلي صغير.
وبالرغم من أن ثقافة كل مجتمع مركبة بشكل يعكس تكامل عناصرها، وتكون خاصة بذلك المجتمع، إلا أننا رغم تلك الخصوصية يمكن أن نلمح قرابة بين بعض الثقافات، تظهر في انتشار عناصر من ثقافة ما في ثقافات أخرى.
في المقابل يوجد مفهوم الثقافات الفرعية، وتأثيره في الالتفات إلى الفروق الثقافية داخل المجتمع الواحد. ولها دورها في تشكيل سلوكيات أفراده على نحو مغاير. تتأثر تلك الثقافات غالبًا بالموقع الجغرافي، كما تتكون في ضوء الظروف الاجتماعية التي يحيا فيها الأفراد، ما بين طبقات عالية المكانة تشيع بينها أنماط تواصلية وطبقات أقل تتباعد عنها سلوكيًا بمقدار تباعدها في المستوى الاجتماعي. لكن ينبغي التأكيد على أن الثقافات الفرعية داخل أي مجتمع لا تستقل تمامًا عن الثقافة العامة للمجتمع الأكبر، وتبقى بينهما قواسم مشتركة في كثير من الجوانب.
فيما يخص التواصل الاجتماعي تحديدًا يمكن القول إن الدراسات النفسية تتأرجح ما بين اتجاهين؛ أولهما يركز على وجود ثقافة واحدة تخص الجنس البشري، حيث عالمية قوانين ومبادئ علم النفس، والقول بنظرة أكثر اتساعًا للسلوك الإنساني، وأن المجتمع الإنساني يعيش حالة من التلاقي الثقافي منذ تطورت وسائل الاتصالات والتواصل، جعل الثقافة الإنسانية عالمية.
بينما تُوجد نظرة أخرى تؤكد على الاختلافات بين الثقافات، حيث الملامح الثقافية الخاصة بكل منها، ووجوب أخذها بعين الاعتبار لظهور نتائج عن فروق دالة بين الثقافات المختلفة في الكثير من عناصر مهارات التواصل الاجتماعي؛ فتأثير الثقافة على قنوات التواصل يظهر في جميع الجوانب، فكما تؤثر في اختلاف أصوات اللغة، وتراكيبها، وأساليبها التعبيرية، وتعبيرات الوجه وإيماءات الأيدي، فإن الثقافة تؤثر أيضًا في الأزياء وطريقة قص الشعر وعادات تناول الطعام وغيرها. هذا الاتجاه الثاني يرى أنه مهما كانت قوة أدوات العولمة، فإن تجذر عناصر الثقافة الخاصة في أي مجتمع أقوى وأقدر على الإبقاء على التنوع الثقافي في العالم مقابل محاولات التهميش للثقافات الأخرى لصالح الثقافة الغربية.
والحقيقة تتوسط كلا الرأيين؛ فهناك عمومية ثقافية لا شك، كما أن هناك خصوصية ثقافية. وهناك تلاقٍ ثقافي، وعلاقة تأثير وتأثر بين الثقافات المختلفة، كما أن هناك محاولات أحيانًا لهيمنة الثقافة الغربية. وكما أن هناك أصالة فهناك تجديد، وقد يكون التغير الثقافي استجابة لمتغيرات حقيقية في المجتمع، أو قد يكون استجابة لنزعة نحو التقليد.
       
الفروق الثقافية في التواصل اللفظي
رغم تنوع ما يمكن أن نُطلق عليه مصطلح لغة، إلا أن اللغة الصوتية التي يصدر البشر فيها أصواتًا معينة للتعبير عن رموز معينة تبقى مميزة للإنسان، وسبب تميزه عن باقي المخلوقات، لأنها أتاحت للبشر التواصل فيما بينهم، ونقل خبراتهم ومراكمتها، وصنع الحضارة، وهو ما لم يُتح لباقي الكائنات التي تُعتبر نُظمها التواصلية بدائية مقارنة بالإنسان.
ينبغي فقط أن نشير إلى وجود لغات بشرية خاصة بجماعات صغيرة تستخدم نظامًا لغويًا يخلو من الألفاظ، ويعتمد على إطلاق أصوات صفير تتنوع وفقًا للمدلول المراد توصيله. توجد هذه اللغات الصوتية البدائية في جزر الكناري وفي بعض المناطق الجبلية التركية.
واللغات الإنسانية تُقسم إلى عائلات كما نعلم، تتحدد بناءً على تشابه قواعدها وبناء جملها بالأساس، ثم أصول وتشابه الكلمات بالدرجة الثانية. وانتماء مجموعة من اللغات إلى عائلة لغوية واحدة يشير –غالبًا- إلى أن الشعوب التي تتحدث بها توجد بينها روابط تاريخية وجغرافية ولها نظم اجتماعية متشابهة. وأشهر مثال على ذلك وأكمله: اللغات السامية، التي تضم اللغة العربية واللغة العبرية واللغة السيريانية واللغة الأرامية واللغة النبطية وغيرها.
وبالرغم من أن اللغة هي وسيلة الاتصال الأساسية بين البشر فإن فهم الكلمات وحدها لا يكفي للادعاء بأن البشر من ثقافات مختلفة يفسرونها التفسير نفسه! فالأمر أعمق من هذا التبسيط لأن اللغة لا تختلف مدلولات ألفاظها بين الثقافات المختلفة وحسب، بل وقد تختلف تلك المدلولات أيضًا باختلاف الثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد، والذي يتحدث أبناؤه اللغة نفسها! فهناك تعبيرات وتركيبات لغوية تكون لها مدلولات خاصة في ثقافات فرعية لا يفهمها الغرباء عنها، وتعيقهم عن استيعاب المعنى المقصود منها. كما أنه كلما اختلفت خبرات الناس باختلاف طبقاتهم الاجتماعية اختلف المدلول اللغوي للعبارات التي يستخدمونها رغم كونها تتركب من الألفاظ نفسها.
وإذا ما وضعنا في اعتبارنا أن المفاهيم تنقسم إلى مفاهيم مادية محسوسة concrete كـ (الشجرة والقلم) ومفاهيم مجردة abstract كـ (الحب والسعادة والحرية والديمقراطية والعدالة) فإننا نفهم من أين ينشأ اختلاف المدلول –خاصة للمفاهيم المجردة- باختلاف الثقافات، خاصة مع زيادة مستوى التجريد وعمومية اللفظ للمفهوم. مع الأخذ في الاعتبار أن ثراء أي لغة يتحدد بزيادة المحصول من تلك المفاهيم. وتزيد المفاهيم الحسية في المجتمعات البدائية، فنسمع عن أن للأسد أكثر من خمسمائة اسم في لغة العرب القدماء، وأن للون الأبيض درجات عديدة عند الإسكيمو لا يدركها ولا يميزها غيرهم، بينما وفي المقابل يزيد تنوع المفاهيم المجردة في المجتمعات الأعلى ثقافة.
كما وقد تختلف الألفاظ العامية التي يُطلقها أبناء الثقافات الفرعية المختلفة على المسمى نفسه، مما قد يسبب أيضًا صعوبات في التواصل اللفظي أحيانًا! على سبيل المثال: لأهالي الإسكندرية مفرداتهم اللفظية التي تختلف كثيرًا عن المفردات القاهرية، والحال كذلك بالنسبة للهجات الصعيد والريف المصري. والحال نفسها عند تواصل أفراد ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة في المجتمع. لكن هذه الصعوبة لا تكون دائمة ففي حالات كثيرة يكون اختلاط أصحاب كل لهجة بأصحاب اللهجات الأخرى عن طريق الهجرة الداخلية أو وسائل الإعلام كافيًا لتحقيق درجة ممتازة من الفهم وتلافي أي صعوبة في التواصل. كما أن للتميع الطبقي في المجتمع المصري بسبب التغيرات الاقتصادية التي أثرت في التركيب الاجتماعي دوره الواضح في تقارب لغة أبناء المجتمع المصري ككل.
والحقيقة أننا لا نتعلم الكلمات فقط، بل نتعلم معانيها والاتجاهات والقيم والمشاعر التي تحملها ثقافاتنا تجاهها، ونتفهم أن للكلمات معنى ضمني Connotative إضافة إلى المعنى الدلالي الاصطلاحي Denotative، وأن معاني الكلمات الضمنية Connotative تختلف باختلاف البشر. لا تختلف باختلاف الثقافة التي نشأوا فيها وحسب، بل تُوجد فروق فردية بين أفراد المجتمع الواحد في تفسيرها! وقد تختلف أيضًا بالنسبة لشخص بعينه في ظل عوامل مختلفة. فهل تعني كلمة "نجاح" المعنى الضمني ذاته لكل البشر؟
إضافة إلى ذلك فاللهجات المحلية قد تتفاوت مصادرها، وترجع كثير من كلماتها تحديدًا إلى لغات غير اللغة الأم التي يتحدثها سائر المجتمع، فكثير من لهجات الصعيد تنتشر بها كلمات من اللغة المصرية القديمة وليس اللغة العربية. ولهجات أهالي مدن القناة -خاصة كبار السن- تنتشر فيها كلمات يونانية وإنجليزية وفرنسية.
كما أن الألفاظ الدارجة في اللهجة تتغير بسبب التبادل الاقتصادي والثقافي والهجرة؛ فمنذ منتصف القرن العشرين أدى انتشار الفن المصري إلى شيوع اللهجة المصرية واستخدام كثير من مفرداتها في البلاد العربية المختلفة، ومع هجرة السوريين إلى مصر بعد الحرب الدائرة في سوريا ظهر أثر لهجتهم بين سكان مدينة الشيخ زايد في مصر التي توطن الكثير منهم فيها.
واللغة التي يستخدمها الفرد؛ متمثلة في مفرداته وطريقة تحدثه، هي أوضح دليل على مستواه الثقافي، ويتعدى هذا إلى المجتمع ككل. وكلما ارتقت ثقافة المجتمع نهضت لغته، وكلما انحدرت الثقافة خبت اللغة. وكما أن لكل ثقافة لغتها، فلها فنونها المختلفة التي تعبر عنها وتتأثر بلغة المجتمع التي تتشرب ثقافته، وتأتي متلائمة مع عمارته وموسيقاه وسائر فنونه.
والعلاقة بين اللغة وثقافة المجتمع علاقة تأثير وتأثر أوضح من أن تحتاج إلى تأكيد؛ اللغة مرآة تعكس ثقافة المجتمع وتتأثر بها. وهي أحد أهم عناصر الثقافة، وأكبر دلالات القومية، كما تتأثر اللغة بثقافة أي مجتمع وتقاليده وعاداته، فتعكس ثقافة المجتمع؛ وهي وسيلة حفظ التراث الثقافي الإنساني، وطريق نقله عبر الأجيال، ويمكن أن نلمح قيم المجتمع الثقافية متمثلة في أمثاله الشعبية ومأثوراته الحكمية التي تدور على ألسنة الناس، ومن جهة أخرى لا شك أن عناصر الثقافة الأخرى تؤثر في اللغة، وأي تغير ثقافي فيها يُلاحظ تأثر اللغة به؛ فتُضاف مصطلحات للتعبير عن ذلك التغير الثقافي الحادث، كما قد تضاف مدلولات جديدة لمفردات قديمة فيها. وهل هناك من لم يلاحظ إضافة مدلول جديد لكلمة (فأرة) لتكون وسيلة إدخال في جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) بحيث تعدى المدلول القديم لحيوان؟! كذلك قد تختلف طرق التعبير، فيكون التغير اللغوي أحد أشكال التغير الثقافي.
والزمن عامل أساسي في تغير اللغات الحية، فكل حي يتغير، وقد تصل درجته على المدى المتعاظم من القرون إلى تغير كبير في بنية اللغة حتى يصعب فهم اللغة القديمة على من يتحدثونها في العصر الحديث، وحتى اللغة العربية التي تتميز عن باقي اللغات أن بنيتها لم تتغير قد تغيرت مدلولات كثير من مفرداتها، مما يجعل أغلب العرب المعاصرين يصعب عليهم فهم قصائد الشعر الجاهلي، بل وقد تبقى للمفردات المدلولات نفسها ولكن يشيع استخدام ألفاظ وتعبيرات أخرى، ومشاهدة فيلم من أفلام السينما المصرية في أربعينات القرن العشرين كفيل بالتأكد من تغير مفردات اللغة الشائعة عبر الزمن القصير نسبيًا.
ولأجل هذه الحقيقة تعددت لغات الشعوب بتعدد حضاراتها، واختلفت مجموعة الأصوات المستخدمة في كل لغة منها عن أصوات اللغات الأخرى، واختلفت تراكيبها وقواعدها اللغوية، وأساليبها التعبيرية. مع الإقرار بأن التلاقي الثقافي لتجاور شعبين أو للتجارة أو للهجرة أو للحروب خاصة عند سيطرة شعب على الآخر واستعماره هي من أهم الأسباب التي يمكن أن تحدث تلاقحًا بين لغتين ينتج عنه تغير في كلتيهما.
ولا يقتصر التغير على اللغات الرئيسية، فقد تنشأ من رحم تلك اللغات لهجات محلية تمثل بعض أشكال التغير اللغوي؛ حيث تتأثر أصوات ومفردات ومدلولات الألفاظ في اللهجات المحلية بمظاهر النشاط الاجتماعي والاقتصادي المختلفة داخل بيئاتها الإقليمية؛ فلهجة البيئة الريفية تختلف عن اللهجة الساحلية عن لهجة أهل الصعيد، وكلهم يختلفون عن اللهجة القاهرية. ويمكن أن تكون اللهجات المحلية –وربما اللغات المحلية كالنوبية- سببًا لعزلة المجتمع المحلي وخصوصيته، كما يمكن أن تتعرض لتغير بدورها بسبب الاتصال بلهجات الأقاليم الأخرى، وزيادة أعداد المتعلمين والمثقفين الذين يتكلمون اللغة الفصحى. كما تتأثر اللغة واللهجة باختلاف الطبقات الاجتماعية لأفراد المجتمع بسبب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية فيما بينهم، مما يؤثر في اختلاف مفرداتهم، ومدلولات تلك الألفاظ، وتطورها.
وعندما نقرر أن أناسًا يتحدثون لغة واحدة، فهذا يعني ما هو أكبر من مجرد النطق بالكلمات. إنه يعني أنهم يفكرون باستخدام اللغة نفسها. فاللغة تعتبر محددًا أساسيًا من محددات التفكير، يتأثر بها كيفية التفكير ومحتواه. كما أننا نلمس الانحدار الفكري الذي أصاب المجتمع المصري مع التغير الشاسع الذي أصاب لغته العامية بمفرداتها وأساليبها التعبيرية العجيبة، والذي تزامن مع ضعف اللغة الفصحى.
وكل تغير في اللغة يؤثر في تغير ثقافي، وكل تغير ثقافي يؤثر في إحداث تغير في اللغة، فتتغير تبعًا له أنماط وأساليب التواصل اللفظي بين الناس في المجتمع، وبين الذكور والإناث تحديدًا، وهو أحد محاور اهتمامنا في هذا الكتاب؛ حيث تؤثر في تحديد المسموح والممنوع التعبير عنه في العلاقات الاجتماعية. تؤثر كذلك في طرق التعبير، بل تؤثر أيضًا في إدراك الفرد لهويته الجنسية كذكر أو أنثى، فهناك لغات كالعربية تتضح فيها الفروق بين الجنسين بجلاء في صيغة الصفات (جميل وجميلة) والأفعال (جلس وجلست- يذهب وتذهب- ذاكر وذاكري)، وفي أسماء الإشارة (هذا وهذه)، وفي الأسماء الموصولة (الذي والتي)، وكذلك في استخدام الضمائر للذكور والإناث (هو وهي- أنت وأنتِ)، ولغات أخرى أقل تمييزًا كالإنجليزية، حيث الفروق تكاد تنحصر في ضمائر الغائب؛ فالذكر والأنثى يُميز بينهما عند استخدام ضمائر الغائب He & She، بينما كلاهما يخاطبان بضمير المخاطب you، وقد يختفي التمييز تمامًا حتى في ضمائر الغائب في لغات أخرى وأشهرها اللغة الفنلندية، مما يؤخر إدراك الأطفال المتحدثين بها لهويتهم الجنسية عامًا كاملًا عن أقرانهم المتحدثين بلغات أخرى، وفقًا لإحدى الدراسات الشهيرة. ولعلنا نلمح هذا التميع في إدراك الهوية الجنسية لدى الأجيال الجديدة من أبنائنا التي نشأت في مدارس لغتها الأولى هي اللغة الإنجليزية!


الاثنين، 8 يوليو 2019

183- نماذج من النفاق الاجتماعي


نماذج من النفاق الاجتماعي!
د. منى زيتون

أحد مقالات كتابي "مهارات التواصل"
الثلاثاء 9 يوليو 2019
لا يتعلق النفاق بالدين وحسب، بل كثيرًا ما يدّعي الناس إيمانهم بقيم ومبادئ اجتماعية في الظاهر، ونلمس منهم في الباطن سلوكيات تتعاكس تمامًا مع صحة الاعتقاد بهذه المبادئ!

العلاقات الثلاثية!
ما أسُميت العلاقة الزوجية بهذا الاسم إلا لأن لها طرفين فقط لا ثالث لهما؛ هما الزوجان. ولعل أحد أهم أسباب فشل تلك العلاقة هو تحويلها إلى علاقة ثلاثية third party؛ بتدخل طرف ثالث من جهة الزوج أو الزوجة، وغالبًا لا نفهم سبب الفشل إلا بعد فوات الأوان!
قد يكون الطرف الثالث مستشاري سوء، طُلبت مشورتهم وغشوا من طلبها، ولم ينصحوا له، أو منحشرين طويلي الأنوف، دسوا أنوفهم في العلاقة، وبدأوا يتكلمون ويلوكون ما يخربها.
في العادة يكون أغلب المنحشرين نساء من العائلة، وأغلب مستشاري السوء رجال من الأصدقاء، وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه من الأمانة –ولا إيمان لمن لا أمانة له- أن ننصح للآخرين بما نعلم أن فيه نفعهم. قال عليه الصلاة والسلام: "الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ". لكن بعض الناس يغش من يطلب نصحه، ويشير عليه بما يفسد حاله. ليس صديقك من كلما أشار عليك عدت إلى أسوأ حال! وإن كانت مشكلة بعض الناس أنهم لا يستشيرون أحدًا، فمشكلة آخرين أنهم يستشيرون كل أحد! وتحديد الإنسان موضع مشورته هو أحد أهم أسباب نجاحه أو فشله في علاقاته الاجتماعية، وفي الحياة بوجه عام.
كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن أكثر أهل النار من النساء؛ ذلك أن هناك صنف منهن يشغلن بالهن بما أنعم الله به على غيرهن، ويتناسين ما أنعم به عليهن مهما كثر، ويجدن راحتهن عند زوال النعم من الآخرين -أو بالأدق الأُخريات-، بينما إن تحدثن عن الرضا -الذي تلوكه ألسنتهن ولا تعرفه قلوبهن- ظن من لا يعرفهن أن الواحدة منهن وليّة من أولياء الله! هذه حقيقة، ولهذا فكثيرًا ما تفسد العلاقات الزوجية عندما يتدخل فيها هذا الصنف من النساء على وجه الخصوص.
في حالات الرجال الذين يرتبطون كثيرًا بعائلاتهم، كثيرًا ما يطلب هؤلاء مشورة نساء العائلة كالأم أو الأخت ومن لهن منزلة عنده؛ متصورًا أنهن سيُشرن عليه بالصواب، بينما إن كن قليلات العقل فهن سيخترن له ما يكون أنفع لهن لا له، حتى وإن كان في ذلك تفويتًا عليه لفرصة الاقتران بامرأة مميزة، أو خرابًا لعلاقته الزوجية القائمة مع زوجة صالحة؛ ذلك لأنهن متعلقات به ولا يردن من تنازعهن في قلبه. وفي رأيي إن هذا منتهى الأنانية.
وكثيرًا ما يعمل الطرف الثالث وفق مقولة "فرِّق تسد"، والتي لا زالت مقولة صحيحة على جميع المستويات؛ من مستوى العلاقات الشخصية، وصولًا لمستوى سياسات الدول! ومرحلة استفادة الطرف الثالث تنتهي عندما يقرر أحد الطرفين الاقتراب من الطرف الثاني، وعندها يصيران أقرب لبعضهما من المسافة التي بين أي منهما والطرف الثالث؛ فالحل الأمثل فيما يخص العلاقات الزوجية تحديدًا أن تبقى زوجية، فلا طرف ثالث في العلاقة.
لكن قد يذهب الطرف الثالث ويبقى الخلاف! بسبب عدم قيام الطرف الذي ينبغي عليه أخذ زمام المبادرة بدوره، أي تتحول المشكلة من مشكلة "طرف ثالث" إلى مشكلة "عدم إدراك متطلبات الدور الاجتماعي"؛ وفي العلاقات الشخصية، فإن كثيرًا من المشاكل في هذا النطاق تنشأ من عدم قيام الرجل بدوره الاجتماعي. إذًا، فقد تبقى المشكلة قائمة لأن التسامح بين الطرفين قد يحدث مع استمرار التباعد، ويظل التباعد قائمًا ما لم تحدث المبادرة من الطرف الذي ينبغي عليه أن يبادر. وجانب كبير من مشكلاتنا الاجتماعية -على تنوعها- ينبع من عدم تربيتنا على أخذ زمام المبادرة فيما ينبغي علينا أن نبادر نحوه. سبق وأن ناقشت تلك القضية من قبل، والتي تتصل بتحولات مفهوم "الدور الاجتماعي الذكري" في مقال سابق. وباختصار، فإن كثيرًا من الرجال في المجتمع المصري حدثت لهم طفرة اجتماعية سلبية غيرت طريقة تعاملهم مع النساء، فلا احترام للمرأة ولا مبادرة نحوها!
وعودة إلى الأنانية في الحب، والتي تجعل الأناني يقدم مصلحته على مصلحة من يدعي حبه، وهي من أكثر أشكال النفاق الاجتماعي شيوعًا؛ ويلزمنا لنفهمها أن نتعرف إلى مفهوم نفسي يُعرف باستحقاق الذات Self entitlement، يعني أن لدى شخص ما شعور بالثقة أن من حقه امتيازات فوق الآخرين، تظهر في توقعات غير منطقية عما يحق له الحصول عليه، سواء تمثل ذلك الحق في معاملة خاصة أو موارد إضافية، ومهما يأخذ يريد المزيد، وإعطائه ما ليس من حقه مرة هو تعزيز لهذا السلوك وسبب رئيسي في استمراره حتى يتحول لوحش.
وفي العلاقات الاجتماعية قد يستشعر مثل هذا الفرد بأن من حقه أن يتدخل في تسيير حياة الآخرين بما يضمن تحقيق مصالحه كأولوية قبل مصالحهم! فهؤلاء الأفراد يفتقدون التعاطف ويتسمون بسلوكيات أنانية غير مسئولة، ويمكن أن تبرز في أشكال عديدة، كمن تريد ابنتها بجانبها فتلحقها بجامعة متواضعة حيث تعمل في دولة خليجية بينما البنت بإمكانها أن تلتحق بجامعة أفضل بعيدة عن الأم، ومن تريد أن تُطلق ابنتها كي لا تكون بعيدة عنها! وغيرها من الحالات. وأغلب هذه السلوكيات الاجتماعية غير الواعية تصدر عن نساء وليس رجال! وما أفهمه أن الحب الحقيقي يجعلني أقدم مصلحة من أحب وليس مصلحتي، بينما أمثال هذه الحالات هي حالات حب للنفس واستحقاق للذات توضح درجة منخفضة للغاية من النضج الانفعالي، ودرجة أكثر انخفاضًا من الذكاء.

إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا!
قال أجدادنا: الشر الحقيقي ليس في العدو الظاهر بادي العداوة، بل الشر فيمن يظهر المحبة ليتقرب منك ويؤذيك، والأكثر شرًا من لا يحتاج إلى التقرب لأنه قريب! ويُفسد ما بينك وبين الناس، وهو يدعي أنه يناصرك ويساعدك في تحقيق أهدافك!
والعاقل من يعيد تقييم الناس من خلال مواقفهم أولًا بأول، ويتساءل: هل فعلًا أدى ما يفعلونه إلى تحقيق أهدافه أم أنهم على العكس جعلوها أبعد منالًا؟! ولا يغتر بما يظهرونه من مؤازرة باللسان تعاكس الفعل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.
خواطر جاءتني بعد مراجعة مشكلة لحالة عُرضت عليّ، تسببت فيها عقربة من ذوات القرابة لصاحب المشكلة، ثم تسببت في تفاقمها، بينما هي تدعي الإصلاح!
***
منذ أكثر من خمسة عشر عامًا اختلفت إحدى صديقاتي المقربات مع زوجها خلافًا كبيرًا، وصل إلى أن تركت منزل الزوجية وانتقلت للإقامة في منزل والديها.
لا أتذكر أي تفاصيل عن أسباب الخلاف، ولا إن كان يستحق ردة فعلها أو لا. لكن كأي زوجين محبين، وبينهما عشرات المعارف المشتركين كان من الطبيعي أن يلين موقفهما بعد فترة قصيرة، وصار جميع معارفهما يلمس منهما الرغبة في الصلح، لكن الغريب أنهما لا يصطلحان!
كانت حماتها وبعض المقربين منهما يذهبون لإعادتها إلى بيتها، فما تلبث أن تشتعل الجلسة، وترفض أن تعود معهم! وزوجها بعد أن كان يتمنى عودتها، بدأ يسترجع عيوبها ويعددها! وتكررت محاولات الإصلاح المزعومة عدة مرات.
أذكر بعد ما تكرر هذا السيناريو أني قلت لها: من يحضرون إليكِ مدعين الرغبة في الإصلاح أحدهم نيته غير سليمة. الشيخ الشعراوي في تفسير الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ قال: لو رأيتموهما لا يصطلحان اعرفوا أن من يتدخلون بينهما أحدهم على الأقل لا يرغب في الإصلاح.
بعد حديثي معها بأيام فوجئت بأنها رجعت بيتها، وسألتها عما حدث. قالت لي: كلامك كان صحيحًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، المشكلة فيمن كانوا يتدخلون. وتابعت: بالأمس أخو زوجي جاءنا ومعه فلان، ولا أعرف حتى الآن ما الذي حصل، فبعد أن كان مخي مغلقًا ولا أقبل فكرة الصلح، وجدتني أهُم بجمع متعلقاتي وأعود معهم لبيتي!
بعد هذه الواقعة رأيت في حياتي حالات كثيرة مشابهة، لا تقتصر على الصلح بين زوجين، فيمكن أن يكون مثلًا صلحًا بين أصدقاء أو حتى صلحًا بين أم وابنتها، أو طرفين يتعرفان وهناك جس نبض لمشروع زواج. وفي كل حالة كانت المساعي فيها تفشل، كان دائمًا ما يوجد أشخاص تدعي الإصلاح والتقريب بينما أفعالهم وأقوالهم تخرب وتوقع بين الطرفين، وتنخر في العلاقة نخرًا قد لا يُرجى بعده صلاح.
ولا يُشترط أن يكون من تصدر عنه هذه السلوكيات يفتقد الهناء في حياته، فهناك صنف من البشر يزعجه أن ينعم غيره بفضل الله ونعمه، أيًا كانت نوعية الفضل والنعمة، ويستكثرها عليه، وقد لا يمانع في محاولة تخريب حياة الآخرين، أو إشعارهم بأن ما هم فيه من نعمة ضئيل. يريد أن يشعر أنه الأفضل، حتى لو صار مثل عواجيز الفرح لا يعجبه شيء، أو بالأدق يدعي أنه لا يعجبه شيء.

استراتيجية الإلهاء (شُفت العصفورة)!
ردًا على تساؤل جاءني عن تنبيهي المتكرر في طيات بعض مقالاتي لضرورة وضوح الهدف تارة، وضرورة التركيز على مصدر المشورة تارة أخرى.
أقول: لعل كثيرين قرأوا عن استراتيجية الإلهاء التي تحدث عنها ناعوم تشومسكي، والتي تستخدمها بعض الحكومات للمحافظة على تشتيت اهتمامات العوام بعيدًا عن مشكلاتهم الحقيقية، لأنهم لو أفاقوا وانتبهوا وحددوا مشكلاتهم الحقيقة، وعرفوا السبيل الحقيقي إلى حل تلك المشكلات، فليس هذا من مصلحة تلك الحكومات. لكن أغلب الناس لا ينتبهون أن هناك من البشر من يفعل ذلك بنفسه في حياته الشخصية، أو يسمح لمستشاري السوء أن يفعلوه به!
عندما تواجه مشكلة وترغب في حلها، تذكر أن ليس المهم أن تفعل، بل المهم أن يكون لما تفعله قيمة، وإلا فإنك ستبقى تحرك قدميك في المكان ذاته، ولن تتقدم خطوة. وكما أن تشخيص الداء بشكل صحيح خطوة مهمة، فإن وصف الدواء الفعال خطوة لا تقل أهمية، فإن حاولت معالجة الداء بطريقة خاطئة قد تقضي على المريض وليس على العلة!
على سبيل المثال: رجل لديه خلاف مع زوجته التي يحبها وتحبه، بسبب موضوع جوهري، والعلاقة بينهما على مشارف الطلاق النهائي، وقد تركت له المنزل، بينما هو منشغل بمحاولة التواصل معها من خلال حسابات وهمية على الفيسبوك، وكلما أوقفت التعامل مع حساب من حساباته تلك لشكها فيه، التف ليتواصل معها من حساب آخر! وعندما طلب مشورتي رغبة منه في إصلاح علاقته بزوجته، وصارحني بما يفعل، والذي لم أكن أتخيل أن يصدر عن رجل مثله، نصحته بأن علاقته بزوجته لن تنصلح باستخدام هذا الهراء، فليس أكثر من إضاعة للوقت ولا عائد من ورائه، وعليه أن يتعامل معها من خلال شخصيته الحقيقية، لكنه لم يعبأ، ولا زال يركز على سلوكياته غير الناضجة! والنتيجة أن العلاقة بينهما تتدهور من سيء لأسوأ، على عكس ما يرجو!
والذي اكتشفته أنه لا يتمسك بتلك الأفعال الخرقاء فقط لأن انتفاخه وغطرسته تمنعانه من التعامل مع الموقف بإيجابية، ولكن وراء تمسكه بهذه السلوكيات ابنته المراهقة من زوجته الأولى التي تنصحه بها، معللة له الأمر بأن عليه أن يتأكد من كذا أولًا ثم كذا من خلال حواراته مع زوجته ومتابعته لها عبر الحسابات الوهمية! وتجعله كذلك يعزف في المقابل عن أي سلوك ناضج من جهته يمكن أن يصلح العلاقة الآيلة للسقوط، وهي تفعل ذلك عن وعي تام فيما يبدو لي، ومن ثم فهي بدلًا من أن تظهر له عدم موافقتها له على إعادة المياه إلى مجاريها مع زوجته، تستخدم معه استراتيجية الإلهاء بخبث وكيد نسوي مبكر ليبقى منشغلًا وملتهيًا بتفاهات!
حقيقةً، أصبحت أشعر في الآونة الأخيرة أن كل المشكلات الاجتماعية تبدو متشابهة بشكل أو بآخر من حيث مسبباتها، وإن اختلفت التفاصيل!

وقيعة تكنولوجية!
يبدو أن التطور التكنولوجي كما أسهم في تحسن تواصلنا الاجتماعي على نحو إيجابي، فإنه قد تسبب في الوقت ذاته في تطور جميع أشكال خبائث التواصل الاجتماعي، ومنها الوقيعة.
من أغرب محاولات الوقيعة التي حُكيت لي مؤخرًا، استخدام الحسابات الوهمية للوقيعة! وإليكم هذه القصة:
فتاة منافقة خبيثة تسعى إلى تخريب وتدمير علاقة صديقتها بخطيبها السابق، والتي كانت سبب خرابها منذ البداية –كما تكشف الآن-، وتريد أن تتأكد أنه لا يُرجى لتلك العلاقة انصلاح. قامت بعمل حساب وهمي على موقع الفيسبوك باسم رجل، ومراسلة صديقتها من خلاله، ثم أقنعت صديقتها أن هذا الحساب بلا شك لخطيبها السابق، وأنه يريد أن يجس نبضها لإعادة المياه إلى مجاريها، ثم أرسلت لها عبر الحساب الوهمي بطاقات حب، ورسالة فيديو محملًا بكلمات جميلة، تنتهي بأن تطلب من المرسل إليه إعادة إرسال الفيديو مرة أخرى للراسل إن كان يحبه.
كان المفترض وفقًا لمخطط الخبيثة أن تعيد الفتاة الطيبة إرسال الفيديو لذلك الحساب، ظنًا منها أنه حساب خطيبها الذي يطلب الصلح، لتقوم الخبيثة بإطلاع الخطيب على صور المراسلات بعد ذلك، لتبدو الصديقة الطيبة في عينه خائنة، تحاول جذب انتباه رجل آخر! لكن حدث ما جعل الفتاة الطيبة تكشف الحيلة.
نصيحتي الأثيرة للفتيات على وسائل التواصل الاجتماعي: تعاملي مع الظاهر، وطالما أن الحساب ليس حساب خطيبك أو زوجك، لا تدعي أحدًا يوهمك أن الحساب له، أو أنكِ يمكن أن تردي بطريقة تختلف عما يلزمك أن تردي بها مع الغرباء.

عريس بالإكراه!
في مقال سابق لي باسم "الأفكار والأفعال.. أيهما يؤثر في الآخر؟!" تناولت تلك الفرضية التي يفترضها علماء النفس عن وجود صلة بين المعرفة والسلوك، وقلت إني مع النظرة القائلة بأن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا.
تذكرت هذا المقال بسبب موقف حُكي لي عن أم متعلمة جامعية لديها ولد وثلاث بنات. البنات الثلاث لا ينقصهن أي شيء؛ جميلات ومتعلمات تعليمًا راقيًا، ومنفتحات اجتماعيًا مع حُسن خلق، والثلاثة رافضات زواج الصالونات وتعتبرنه تمثيلية اجتماعية. ومن يعرف هذه الأم سيجد أنها دائمًا تتكلم عن حرية بناتها في تقرير أي شيء يتعلق بحياتهن، وأنها تحترم قراراتهن. اثنتان من البنات يعملن خارج مصر، أما الثالثة فهي من كان حظها أن يحدث لها الموقف الذي سنحكي عنه مع الأم.
في أحد الأيام تحدثت الأم مع ابنتها تلك حول أن هناك لقاء عمل ضروري ستحضرانه، وتفننت في إقناعها دون أن تجعل الشك يتطرق إليها بأنه لا يوجد أي غرض آخر لهذا اللقاء غير الحديث في مهمة العمل المتعلقة. وكأي شخص عملي ناجح جهزت الفتاة أوراقها واستعدت وفقًا للغرض المعلن، لكنها ومنذ أول لحظة في الجلسة مع الشخص الذي يُفترض أن يتفاوضوا معه بشأن العمل، فوجئت الفتاة بمحاولة من الأم لتغيير مسار الحوار والحديث عن الشخص نفسه! هنا فقط أدركت الفتاة أنها تعرضت لخدعة محكمة من أمها لتوريطها في زواج صالونات! وفي لحظة أخذت الفتاة القرار؛ أنا جئت لأجل الحديث عن العمل، ولم يُخلق من يضعني في موقف لا أرغبه، ويتصور أنه ورطني، ولو كان أمي.
تحكي لي الفتاة فتقول: في فيمتو ثانية قاطعت كلامها التعريفي عنه، وكيف أنه يطبخ لنفسه لأنه عازب ووو.... وكأني لم أفهم هدفها الحقيقي من اللقاء، وحمدت الله أن الأمر لم يكن كذبة برُمته، وأن هناك مهمة عمل بالفعل يمكن أن نتحدث عنها، وفردت الأوراق أمامي، وبدأت أناقش المهمة، وأكملت الجلسة كلها مثلما من المفروض أن تكون، وأنهيت الموقف على هذا النحو!
تقول الفتاة: أنا لا أعرفه، ولا يهمني أن أعرفه. المبدأ مرفوض في حد ذاته بالنسبة لي. وهو ليس مخطئًا، بل الخطأ يقع فقط على أمي، والتي التزمت الصمت تمامًا، وتجنبت الحديث في الموضوع وكأنها لم تدبر لشيء! مستغلة أن مهمة العمل حقيقية، وأنها تمت بالفعل.
قد نتفق مع الفتاة أو نختلف في رأيها من زواج الصالونات، لكن الأهم هو موقف الأم والتناقض بين أقوالها وأفعالها؛ بمعنى أن من يسمع كلامها عن حق بناتها في تحديد خياراتهن في الحياة، وطالما هن رافضات زواج الصالونات فهن أحرار، لا يرى ترتيبها المحكم للموقف واستدراج البنت للحضور لهدف آخر رئيسي غير الهدف الذي أخبرتها به.
ولعل من إشكالياتنا الاجتماعية الرئيسية في مصر أن المحيطين والمقربين –خاصة القرابات من النساء- لا يرون أن محاولة البحث عن عريس أو عروسة مناسبة سواء للفتيات والشباب -مع عدم ترحيب هؤلاء الشباب بذلك- يعد انحشارًا في حياتهم الشخصية! وكم من حالة قابلتني لشباب وفتيات تصادفهم سلوكيات عجيبة من بعض المحيطين بهم، يعجزون عن تفسيرها في البداية، ليكتشف الشاب بعدها أن فلانة تظنه خطيبها المستقبلي لأن أمه جسّت نبض أمها بشأن زواجهما! وتجد فتاة أن سيدة لا علاقة بينهما، تحاول خلق حوار عجيب معها، تكرر فيه كثيرًا اسم امرأة، وهي تتغامز وتتضاحك! بينما الفتاة لا تفهم ما يجري! لتعرف الفتاة بعدها أن أختها تتحدث مع تلك المرأة التي ذُكر اسمها عن عريس لها، بينما هي آخر من يعلم حرفيًا!
أعود لأقول: أفكارنا يجب أن تتغير أولًا لتتغير سلوكياتنا، وإلا سندخل في شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، وادعاء اقتناعنا بأفكار لا نؤمن بها.

الأحد، 7 يوليو 2019

182- المنطق مقابل الحدس


المنطق مقابل الحدس
د. منى زيتون
السبت 30 مارس 2019
الاثنين 8 يوليو 2019
من أجمل ما قرأت: "أحيانًا تشعر أن وجودك في حياة أحد أو وجود أحد في حياتك في مرحلة ما، كان لعناية إلهية!".
تشارلي تشابلن، الممثل الكوميدي الشهير، وهو فى الثالثة والخمسين من عمره، قابل حب حياته "أونا أونيل"، ابنة الكاتب المسرحي الشهير الحاصل على جائزة نوبل "أوجين أونيل"، والتى كانت وقتها فى السابعة عشرة من عمرها!
طلب تشابلن الزواج منها، وكان منطقيًا أن رفض أبوها هذه الزيجة، ولكنها تزوجت شابلن يوم عيد ميلادها الثامن عشر، وكان تشابلن بعمر أربعة وخمسين عامًا، وعاشا معًا ما يزيد على أربعة وثلاثين عامًا، منذ زواجهما عام 1943م وحتى وفاته نهاية عام 1977م!
كانت فترة تعارفه على أونا فترة صعبة بالنسبة لشابلن؛ فقد كانت الحرب العالمية الثانية دائرة، ولاحقته مشاكل قانونية واشتباه شيوعي وغيرها، كما حاولت سيدة وصولية أن تتقرب منه، لكنه أبعدها عن حياته ليتزوج أونا، ووقفت أونا إلى جانبه في تلك الفترة العصيبة، وخاصة بعد الفضيحة المفتعلة التي حاولت تلك السيدة خلقها له، كما انتقلت معه أونا إلى سويسرا بعد أن أصبحت الحياة صعبة عليه في أمريكا.
حين قرر تشارلي تشابلن الزواج من أونا التي تصغره بما يزيد عن ستة وثلاثين عامًا، قال لها: "لقد تجاوزت أكثر من نصف عمري، ولم يبق أمامي الكثير، تزوجيني لأعلمكِ كيف تعيشين، وتعلميني كيف أموت". ردت قائلة: "لا يا شارلي، ستعيش طويلاً، وسأتزوجك وأكون معك لتعلمني كيف أنضج وأصبح امرأة حكيمة، وأعلمك كيف تبقى رجلًا دائم الشباب"!.
كانت زوجته الرابعة، بعد ثلاث زيجات فاشلة، وكان زواجهما رائعًا، اعتزلت التمثيل من أجله، رغم أن جميع النقاد كانوا يتوقعون لها أن تصبح من ألمع نجمات هوليود، وأنجبت له ثمانية أولاد، وعاشا معًا حتى وفاة تشارلي عن عمر ثمانية وثمانين عامًا، تحول فيها الدون جوان إلى زوج وأب!
ولعل السبب الثاني في نجاح هذا الزواج إضافة إلى حبهما الكبير، هو أن أونا -الصغيرة سنًا، الكبيرة عقلًا- أصرت على خصوصية علاقتهما، لأن الصحافة كانت تتداول قصص زواج شارلي السابقة، وكان ذلك سببًا رئيسيًا في فشلها.
قال عن زواجه منها: "كنت سعيدًا لأنني وجدت أخيرًا زوجة، وليس ممثلة"، كما يصف تشابلن زواجه من أونا في سيرته الذاتية بقوله: "كان أسعد حدث في حياتي"، ويقول: "إني وجدتها؛ الحب المثالي والأبدي".
ومن وجهة نظري فالقصة أعمق بكثير من أن تكون قصة حب ووفاء بين زوجين، فإذا ما تأملنا حوادثها سنجد أن الظواهر كثيرًا ما تخدعنا، وأحيانًا يكون الواقع بعيدًا تمامًا عن المنطق، والعوامل التي يخبرنا أنها فارقة؛ لذا ينبغي على العاقل ألا يُغفل حدسه.
في قصة شارلي شابلن، لم يكن أحد يُصدق أن تلك الفتاة الصغيرة تحبه بصدق إلا هو، واستمرت حالة عدم التصديق من الصحافة سنوات بعد زواجهما! ولو لم يصدق حدسه ما فاز بها، وربما كان قد دخل في زيجة فاشلة مع الساقطة الوصولية التي ظهرت أغراضها الدنيئة له بعد ذلك، والتي بالمناسبة أسهم أحد أصدقائه في تعريفها عليه! فهل كان صديقه حقًا؟!
عُمر أونا مقابل عُمر المرأة الأخرى لم يكن مُنبئًا صحيحًا بملاءمة أي منهما للزواج من شابلن، وقبول المحيطين به للمرأة الأخرى وعدم تقبلهم لأونا أيضًا لم يكن مُنبئًا صحيحًا، ومع ذلك نجح زواجه من أونا بامتياز على غير المتوقع! والعبرة الكبرى من قصة شابلن هي أنها تلفتك لضرورة التركيز على حدسك لتعرف ما المناسب ومن المخلص لك، بينما المنطق وحده قد يضللك!
كثيرًا ما يخبرنا المنطق أن عاملًا له أهميته وتأثيره القوي في موقف ما، كعدد الملتفين حولك الذين تتحدد على أساسهم شعبيتك، وتتصور أنهم سيكونون أكبر سند لك مهما تبدلت الأحوال وتعثرت بك السُبل، بينما قد لا تكون حقيقة الأمر كما قضى المنطق، وحدسك قد يخبرك أن واحدًا ربما يكون بألف، وأنه لن يتركك ولو تخلى باقي البشر عنك.
والخلاصة من وجهة نظري أن العاقل بقدر ما يستخدم التفكير المنطقي، يثق بحدسه! والشخص القوي يُصدق في قوته الداخلية، ولا يدع الآخرين يحولونه عما يريد في الحياة، وما يرى فيه سعادته. استمع إلى صوتي قلبك وعقلك معًا.